قصة قصيرة.. التجربة

في مختبرٍ معتم تتدلى على جدرانه ظلال الماضي، يختبر طبيبٌ عجوز فرضيةً تبدو أقدم من الكيمياء نفسها: ماذا لو أُتيحت للإنسان فرصةٌ ثانية؟

فبراير 23, 2026
10

هورثورن لا يسخر من الشيخوخة، بل من الاعتقاد أن الزمن وحده يصنع النضج(صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

االكاتب الأميركي: ناثانيال هورثورن

ترجمة: كريم حسين

“هل يمكن أن ينعم الإنسان الكهل بالشباب؟”، سؤال كان يراود الدكتور هيدجر، وهو طبيب مسن عازب ، ما دفعه ذات يوم لدعوة أربعة من أصدقائه المسنين لمقابلته في مختبره الخاص. 

كانوا ثلاثة رجال كسا لحيتهم البياض.. ميدبورن والعقيد كيلغرو وغاسكواين وسيدة نحيفة مسنة تدعى الأرملة ويتشرلي. لقد كانوا جميعا مسنين بائسين، خذلهم الحظ في حياتهم، بيد أن خيبتهم الأكبر كانت تكمن في أن الموت لم يطرق بابهم منذ وقت طويل.

كان السيد ميدبورن في شبابه تاجرا غنيا، إلا أنه فقد كل شيء في خطة غبية كان يرمي من خلالها إلى الحصول على المزيد من الأموال، وانتهى به المطاف إلى رجل يثير الشفقة والرثاء.

أما العقيد كيلغرو فقد ضيع أحلى سنوات عمره وصحته وممتلكاته في البحث عن المتعة العابثة، الأمر الذي سبب له الألم والمعاناة، بينما كان السيد غاسكواين رجلا سياسيا محطما سيء السمعة، في حين أن الأرملة ويتشرلي التي قيل إنها كانت تتمتع بجمال ساحر في شبابها، اضطرت للعيش في عزلة لفترة طويلة بسبب القصص المشينة التي ولدت لدى الناس فكرة سيئة عنها.

ويجدر بنا أن نذكر أن المسنين الثلاثة وقعوا أيام شبابهم في غرام ويتشرلي وكان كل منهم مستعد لقطع حنجرة الآخر من أجلها.

دعا الدكتور هيدجر، وهو طبيب مسن أعزب، أربعة من أصدقائه الذين أثقلتهم الخيبات:

“أصدقائي الأعزاء” قال د. هيدجر مشيرا اليهم بأن يجلسوا، “أرغب في مساعدتكم في واحدة من تلك التجارب القليلة التي أمتع بها نفسي هنا في مختبري الخاص”. كان مختبر د. هيدجر أقرب إلى متحفٍ للزمن ومكانا يستهوي أولئك الذين يعشقون الغرابة والإثارة، فقد كان عبارة عن غرفة مظلمة ذات طراز قديم يغطي جدرانها التراب، يتوزع في بعض أركانها عدد من الحقائب المليئة بكتب من مختلف الأحجام. أما في الزاوية المظلمة، فكان هناك صندوق طويل يحتوي على هيكل عظمي بشري، وعلقت مرآة على أحد الجدران من بين القصص التي رويت عنها أن مرضى د. هيدجر المتوفين كان بوسعهم أن يروه من خلاله، وكتابٌ أسود يُشاع أنه عن السحر، وصورة امرأة شابة كان الطبيب ينوي الزواج بها قبل أن يخطفها الموت يوم الزفاف.

وردة الماضي… وجرّة الشباب

وذات ظهيرة صيفية جلس المسنون الخمسة حول طاولة صغيرة استقرت عليها جرة زجاجية جميلة الشكل، وكان هناك أيضا أربعة أقداح على الطاولة ، وعندما سمع الضيوف الأربعة د. هيدجر وهو يتحدث عن تجربته المقترحة توقعوا أنها لا تعدو أكثر من نوع من السحر أو خدعة علمية من النوع الذي اعتاد أن يفعله مع أصدقائه. وبدون انتظار ردهم، هرع د. هيدجر إلى الغرفة وجلب الكتاب الضخم نفسه الذي ظنوا أنه كتاب عن السحر وفتحه، ثم أخرج من بين طيات صفحاته وردةً يابسة احتفظ بها خمسين عامًا. ألقاها في جرّة زجاجية تحتوي سائلًا قال إنه من ينبوع الشباب الذي بحث عنه المستكشف الإسباني خوان بونثي دي ليون (1460-1521) في فلوريدا.

في لحظات، استعادت الوردة لونها ونضارتها.

“إنها بالتأكيد خدعة لطيفة جدا” قال أصدقاء الدكتور هيدجر، متسائلين “كيف حدث ذلك؟”، فرد عليهم بالقول “ألم تسمعوا من قبل بينبوع الشباب الذي جعل المستكشف الإسباني خوان بونس دي ليون يبحث عنه طيلة فترة حياته منذ ثلاثة قرون خلت، ولم يتمكن من العثور عليه لعدم ذهابه إلى المكان الصحيح، وهو الطرف الجنوبي من فلوريدا، صديق لي يعرف حبي واهتمامي الشديد بهذه الأمور، أرسل لي الشيء الذي ترونه في الجرة”.

تردّد الضيوف، سخروا، ثم رفعوا الأقداح إلى شفاههم، ثم شربوا السائل، ووضعوا أقداحهم على الطاولة. طرأ تحسن فوري على ملامحهم، فبدا التورد واضحا على وجوههم، وهو الأمر الذي جعل الأرملة ويتشرلي تعيد ترتيب قبعتها لأنها شعرت بأنوثة المرأة مرة أخرى. صرخ الجميع بلهفة “أعطنا المزيد من هذا الماء الرائع .. أعطنا المزيد!”.

ها هي خيوط الغروب تقترب وبدت الغرفة أكثر ظلاما من ذي قبل، إلا أن ضوء القمر الرائع أشع من خلال الجرة الزجاجية واستقر على وجوه الضيوف الأربعة والدكتور هيدجر على السواء. حتى عندما كانوا يشربون القدح الثالث من الماء السحري فإن التأثير بدا واضحا عليهم نتيجة الغموض الذي ارتسمت ملامحه على وجه الدكتور هيدجر. لكن بعد برهة اندفعت حيوية الشباب بقوة في دمائهم وها هم الآن في أوج شبابهم يشعرون كأنهم كائنات خلقت حديثا في عالم جديد.

التحوّل… والعودة إلى الحماقة

بدأت الوجوه تكتسب تورّدًا، والشعر الفضي يغمق، والعيون تلمع.

صرخوا: “نحن شباب!” بنبرة لا تخلو من الإثارة. كانوا أشبه بمجموعة أطفال مرحين ينعمون بمتع الحياة، كان التأثير غير الاعتيادي في دواخلهم يكمن في الرغبة في السخرية من المرض والشيخوخة، ضحكوا بصوت عال على الملابس قديمة الطراز التي كانوا يرتدونها. سار أحدهم أمامهم وهو يقلد مشي العجائز، ووضع آخر النظارة على أنفه متصفحا صفحات كتاب السحر، بينما جلس ثالث على كرسي محاولا تقليد د. هيدجر العجوز، بعد ذلك صرخ الجميع بسعادة وقفزوا في أرجاء الغرفة، أما الأرملة ويتشرلي فقد رقصت على كرسي الدكتور بطلعة بهية من وجهها الوردي.

“دكتور.. أنهض وأرقص معي” وبدأت قهقهات الجميع تعلو أكثر من ذي قبل. رد الدكتور بهدوء: “اعذريني سيدتي.. أنا رجل مسن وواهن وأيام الرقص بالنسبة لي ولت منذ زمن طويل. لكن أيا من أولئك الشباب سيخفق قلبه بالسعادة لمراقصة فتاة جميلة مثلك” “أرقصي معي يا كلارا” صاح العقيد كيلغرو في حين صرخ السيد كاسغواين “كلا. كلا سأكون أنا شريكها”، في حين ادعى السيد ميدبورن أنها وعدته بالزواج منذ 50 عاما.

لكن الشباب الذي عاد لم يحمل حكمة السنين، بل أعاد نزواتها:

  • تنافسوا على الأرملة كما فعلوا قبل نصف قرن.

  • سخروا من شيخوختهم السابقة.

  • قلدوا الطبيب واستهزأوا به.

وفي غمرة النزاع، انقلبت الطاولة، وتحطمت الجرّة، وانسكب الماء الثمين.

في المرآة، لم يكن هناك شبابٌ راقصون، بل أربعة مسنين تتشبث وجوههم بأوهام عابرة.

سقوط الوهم

وقف الضيوف الأربعة مرتجفين، فقد بدا وكأن زمن الشيخوخة يدعوهم للعودة مجددا. نظروا إلى د. هيدجر الذي ارتمى على كرسيه ماسكا بيده الوردة التي يبلغ عمرها نصف قرن، لقد أنقذها من بين قطع الجرة المكسورة.

تنهد د.هيدجر “أيتها الوردة المسكينة.. يبدو لي أنك في طريقك إلى الذبول ثانية”. وفعلا حدث ذلك، وحتى عندما كانوا ينظرون إليها استمرت الوردة بالذبول إلى أن أصبحت تماما مثلما كانت عندما رماها الدكتور في الجرة.

ارتجف الضيوف ثانية، هل كانوا يحلمون؟ تزدحم تغيرات العمر بمثل هذا الزمن القصير، هل هم الآن حقا أربعة مسنين يجلسون مع صديقهم د. هيدجر؟.

قال د. هيدجر “نعم يا أصدقائي أصبحتم مسنين ثانية”، انظروا، ماء الشباب ينسكب على الأرض، حسنا أنا غير آسف لذلك “حتى لو جرى ينبوع الشباب عند بابي، فلن أنحني لأرتشف منه قط.”.. هذا هو الدرس الذي تعلمته منكم.

إلا أن أصدقاءه المسنين لم يتعلموا الدرس، لذلك تعهدوا بالذهاب إلى فلوريدا بحثًا عن ينبوع الشباب الحقيقي..

*******************

مغزى القصة:-
هورثورن لا يسخر من الشيخوخة، بل من الاعتقاد أن الزمن وحده يصنع النضج.

فمن لم يتعلم من أخطائه في العشرين، لن يتعلمها في السبعين… حتى لو عاد شابًا لساعة واحدة.

في نهاية المطاف، لم يكن ماء الشباب هو محور القصة، بل المرآة.

مرآة تكشف أن الإنسان، مهما طال عمره، قد يظل أسير رغباته الأولى.

وهنا تكمن قسوة التجربة: الشباب قد يعود إلى الجسد، لكنه نادرًا ما يعود إلى الروح مصحوبًا بالحكمة.

وهكذا يتركنا هورثورن أمام سؤالٍ أكثر عمقًا من سؤال الدكتور هيدجر:

هل نريد حقًا أن نعود شبابًا… أم أننا لم نكبر أصلًا؟

 

المصدر: أوج 24

اترك تعليقاً