هل تراجع ترامب عن ضرب إيران؟

فبراير 27, 2026
21
ناجي الغزي/ كاتب ومحلل سياسي عراقي

الكاتب يرى أن الانتشار الأميركي يبدو أقرب إلى الضغط منه إلى تمهيد لضربة وشيكة (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

ناجي الغزي

في العلن، تبدو واشنطن مصمّمة على منع إيران من امتلاك سلاح نووي “بكل الوسائل”. في الكواليس، تتحرك الدبلوماسية بوتيرة أسرع من حاملات الطائرات. وبين الخطابين، يتشكل سؤال اللحظة: هل أعاد الرئيس دونالد ترامب حساباته، أم أنه يناور بين التصعيد والتسوية بميزان كلفةٍ دقيق؟

القرار لم يعد مسألة تفوق عسكري. إنه حساب تاريخي للكلفة والمردود. فالحرب، حتى لو بدأت بضربة محسوبة، قد تتحول إلى استنزاف متعدد الجبهات. أما الاتفاق، إن صيغ بذكاء، فيمكن تسويقه داخلياً كإنجاز يمنع القنبلة ويجنب الولايات المتحدة مغامرة مفتوحة.

جنيف: من سقف الشروط إلى حدٍّ أدنى قابل للضبط

ما جرى في جنيف يتجاوز البيانات البروتوكولية. فطبيعة التمثيل والانتقال إلى مسار فني في فيينا يعكسان تحولاً من الاشتراطات القصوى إلى هدف أدنى محدد: منع امتلاك السلاح النووي، لا إعادة صياغة سلوك إيران الإقليمي بالكامل.

بعد أن كانت واشنطن تطرح سلة واسعة تشمل الصواريخ والنفوذ الإقليمي، بات التركيز منصباً على آليات رقابية دولية تعيد تفعيل دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مع إبقاء البنية الاستراتيجية الإيرانية خارج طاولة التفكيك. هذا ليس تراجعاً لغوياً؛ إنه إقرار ضمني بأن خيار القوة لم يعد أداة حسم بل مقامرة عالية الكلفة.

الوساطة العُمانية، والإطار السويسري المحايد، لم يكونا تفصيلاً شكلياً. تحديد جولة فنية في فيينا وأخرى سياسية لاحقة يشير إلى تثبيت مسار تفاوضي يمنع الانفجار ويعيد الصراع إلى حسابات تقنية قابلة للإدارة.

الحشد العسكري: ضغط تفاوضي بلا قرار

الانتشار الأميركي — من حاملات الطائرات إلى التعزيز الجوي — يبدو أقرب إلى رافعة ضغط منه إلى تمهيد لضربة وشيكة. المعضلة الجوهرية هي غياب “ضمانة الضربة الخاطفة”. أي عملية لا تُنهي الصراع سريعاً ستفتح مسار استنزاف يشمل قواعد وممرات بحرية ومضائق استراتيجية. وفي عام سياسي حساس داخلياً، لا يرغب البيت الأبيض في رهان بلا سقف زمني.

في المقابل، رسائل طهران محسوبة: جدية تفاوضية، خطوط حمراء واضحة، وتقدم جزئي بلا تنازلات مجانية. المعنى الضمني: إيران باقية في المسار الدبلوماسي، لكنها لا تفاوض من موقع ضعف، وتراهن على أن البديل — مواجهة واسعة — مكلف للطرفين.

قيود الإقليم: القواعد والهوامش الضيقة

إشارات من عواصم إقليمية برفض استخدام قواعدها لأي هجوم تعقّد الحسابات. نقل الثقل إلى منصات بحرية أو مطارات أوروبية يوسع مسرح الاشتباك ويرفع كلفته السياسية. كما أن الرد الإيراني المعلن — قواعد، بحر، ومضائق — يسحب من أي ضربة ميزة التحكم بالتصعيد.

تقارير صحافية في موقع بوليتيكو Politico تتحدث عن قيود لوجستية وزمنية لا تحتمل حرباً ممتدة، فيما أشارت صحيفة تيويورك تايمز إلى استعدادات إيرانية لاستمرارية القيادة، ما يقلل جدوى سيناريو “قطع الرأس”. حين يصبح الرد مُعلناً ومتعدد الساحات، ترتفع المخاطرة وتتراجع قابلية الضبط.

الضغط الإسرائيلي: توسيع السردية لرفع السقف

تدفع إسرائيل باتجاه خيار القوة عبر تأطير الضربة كحتمية أخلاقية وأمنية، وتوسيع الخطاب من النووي إلى تهديدات أشمل. الرسالة موجهة بقدر كبير إلى صانع القرار الأميركي: الحرب ليست خياراً إقليمياً فحسب، بل اختباراً لهيبة الردع الأميركي أمام خصوم كبار.

لكن توسيع منطق التهديد لا يخفض الكلفة؛ بل يضاعفها. فحين تُسوَّق الحرب كاختبار للهيمنة، تصبح نتائجها غير الحاسمة نكسة استراتيجية، لا مجرد تعثر تكتيكي.

الخلاصة: تراجع أم إعادة تموضع؟

لا يبدو أن ترامب “تراجع” بقدر ما أعاد تموضعه. بين استعراض القوة وتثبيت مسار تفاوضي قابل للقياس، اختار إدارة المخاطر بدلاً من القفز إلى المجهول. النجاح، وفق هذا المنطق، لا يُقاس بإطلاق الضربة، بل بمنع الحاجة إليها.

السؤال الآن ليس ما إذا كانت الحرب ممكنة، بل ما إذا كانت ضرورية — ومن يملك ترف اختبارها. في لحظات كهذه، قد يكون التراجع قراراً استراتيجياً محسوباً، لا علامة ضعف.

المصدر: أوج 24

حول هذه القصة

اتفاق أم إعلان حرب؟ ساعة الحسم بين واشنطن وطهران

ترامب وفخ النصر السريع: 7 نقاط تشرح لماذا إيران سترد إذا تعرضت لهجوم

“غرفة العمليات الطائرة”.. . أواكس تدخل سباق المواجهة مع إيران

اترك تعليقاً