بغداد المدورة… حين رسم المنصور عاصمته على هيئة حلم دائري

فبراير 28, 2026
104

بغداد أنشأت في منطقة استراتيجية بين معالم جغرافية وتاريخية بارزة (أوج 24)

معتصم المفتي – كاتب ومؤرخ عراقي

لم تكن بغداد حدثاً عمرانياً عابراً في سجل المدن الإسلامية، بل كانت مشروع دولةٍ يُراد له أن يختصر الجغرافيا في دائرة، ويُجسّد السلطة في هندسة.

عندما أتمّ الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بناء مدينته سنة 149هـ (766م)، لم يكن يؤسس عاصمة سياسية فحسب، بل كان يرسم بياناً عمرانياً عن هوية الدولة العباسية في أوج صعودها.

المفتي: المدينة المدورة كانت طفرةً في التخطيط الحضري الإسلام (أوح 24)
المفتي: المدينة المدورة كانت طفرةً في التخطيط الحضري الإسلام (أوح 24)

هكذا وُلدت المدينة المدورة — أو مدينة المنصور — طفرةً في التخطيط الحضري الإسلامي، ونواةً لتوسعٍ عمراني امتدّ لفرسخين حولها، قبل أن تتحول لاحقاً إلى قلب العالم الإسلامي وملتقى طرقه التجارية والعلمية.

أولاً: الموقع… جغرافيا القوة وخصوبة المكان

اختار المنصور موقعاً تتوافر فيه شروط الدفاع والازدهار معاً. أقيمت المدينة في منطقة استراتيجية بين معالم جغرافية وتاريخية بارزة:

شمالاً: منطقة الكاظمية.

جنوباً غربياً: قرية الكرخ.

يحدها من الجنوب الغربي مقبرة الشيخ جنيد الشونيزي، ومن الجنوب الشرقي مقبرة الشيخ معروف الكرخي.

أما نظامها المائي فكان جزءاً من عبقريتها الدفاعية؛ إذ أحيطت بخندق عميق تجري فيه المياه المستمدة من قناة متفرعة من نهر الفرات، فجمعت بين التحصين وتوفير مورد دائم للحياة.

لم يكن الموقع صدفة، بل قراءة دقيقة لمعادلة الأرض والماء والطرق التجارية، حيث تتقاطع مسالك الشام وخراسان والبصرة والكوفة في نقطةٍ واحدة.

ثانياً: التخطيط الهندسي… مدينة تُحكمها الدائرة

اعتمد المنصور الشكل الدائري المحكم، وهو اختيار رمزي وعملي (أوج 24)
اعتمد المنصور الشكل الدائري المحكم، وهو اختيار رمزي وعملي (أوج 24)

اعتمد المنصور الشكل الدائري المحكم، وهو اختيار رمزي وعملي في آنٍ واحد؛ فالدائرة توحي بالمركزية والاكتمال، كما تمنح قدرة دفاعية متوازنة من جميع الجهات.

🔹 الأبعاد والمساحة

قطر المدينة: نحو 2000 متر (2 كم).

المساحة: قرابة 3 ملايين متر مربع (1200 دونم عراقي).

🔹 الأبواب الأربعة

صُممت المداخل بتناظر صارم يعكس روح الانضباط والسيطرة:

باب الشام (شمال غربي)

باب الكوفة (جنوب غربي)

باب البصرة (جنوب شرقي)

باب خراسان (شمال شرقي)

كانت الأبواب تُغلق بأبواب حديدية ضخمة، تعلو كلّ منها قبة مذهبة ومجلس مرتفع يُشرف على المدينة، في مشهدٍ يجمع بين الهيبة العسكرية والفخامة المعمارية.

🔹 الأسوار والتحصينات

سور خارجي بأربعة أبواب.

سور داخلي يحيط بالرحبة العظمى.

فصيل داخلي يحوي 53 طاقة في كل جانب، طول الواحدة نحو 150 متراً.

أبراج دفاعية: 29 برجاً بين باب الكوفة وباب البصرة، و28 برجاً بين بقية الأبواب.

لقد كانت المدينة حصناً دائرياً محكماً، لا مجرد تجمع سكاني.

قلب المدينة… قصر باب الذهب والقبة الخضراء

في المركز تماماً ارتفع قصر باب الذهب، المعروف أيضاً بـ”القبة الخضراء”، المقر الرسمي للمنصور وخلفائه.

مساحة القصر: 400 × 400 ذراع.

ارتفاع القبة: 80 ذراعاً (نحو 40 متراً).

تعلوها تمثال لفارس يحمل رمحاً، يُرى من أطراف بغداد.

صمدت القبة قروناً قبل أن يسقط رأسها إثر صاعقة عام 329هـ (941م)، بينما بقيت جدران القصر حتى سقوط بغداد على يد المغول سنة 653هـ.

هنا تتجلى رمزية المكان: مركزٌ سياسي في قلب دائرةٍ تحيط بها دواوين الحكم وقصور أبناء المنصور، لتغدو المدينة نموذجاً لـ”العاصمة المتكاملة”.

🔹ثالثاً: خارج الأسوار… الأرباض ونبض الاقتصاد

لم يتوقف العمران عند حدود الدائرة. سرعان ما نشأت أرباض واسعة امتدت لفرسخين (والفرسخ العربي يقارب 5 كيلومترات).

حي الكرخ: امتد بطول فرسخين (10 كم تقريباً)، وكان من أكبر المراكز التجارية.

المحلة العتابية: اشتهرت بصناعة الأقمشة الحريرية والقطنية الملونة المصدّرة إلى أنحاء العالم.

دار القز: مركز لصناعة الورق، الذي أصبح لاحقاً أحد أعمدة النهضة العلمية العباسية.

بهذا، تحولت بغداد إلى مدينة تجمع بين السيف والقلم، بين الصناعة والإدارة.

رابعاً: جدل الموقع… جامع المنصور وقصر الخلد

أثار تحديد الموقع الدقيق لجامع المنصور وقصر الخلد نقاشاً علمياً واسعاً بين المستشرقين والباحثين.

رأى هرتزفلد وسار أن الجامع كان جهة باب الكوفة.

أما كرزويل (Creswell) — وهو الرأي الأرجح — فحدده جهة باب خراسان، مستنداً إلى روايات ابن الجوزي التي تؤكد ملاصقة الجامع للقصر.

ومع مرور الزمن تبدلت هوية المركز؛ ففي سنة 371هـ شيّد عضد الدولة البويهي المارستان العضدي في موضع قصر الخلد المتهدم، في تحولٍ رمزي من مركز سلطة إلى مرفق خدمة عامة.

🔹خاتمة: بغداد… نموذج المدينة المتكاملة

تكشف مدينة بغداد المدورة عن رؤيةٍ عمرانية سبقت عصرها؛ فقد جمعت بين:

التخطيط الدفاعي المحكم

المركزية الإدارية

النشاط الصناعي والتجاري

الرمز السياسي والهيبة المعمارية

لم تكن دائرةً هندسية فحسب، بل دائرة نفوذٍ وحضارة.

🔹توصيات بحثية

ضرورة اعتماد مقياس الفرسخ العربي (5 كم) في إعادة رسم المخططات التخيلية لبغداد لضمان الدقة الجغرافية.

ترجيح الروايات التاريخية العربية — كابن الجوزي — في حسم الخلافات حول مواقع المنشآت المركزية التي اندثرت مبكراً.

في النهاية، يمكن القول إن المنصور لم يبنِ مدينةً فحسب، بل بنى فكرة: أن تكون العاصمة قلباً نابضاً، تحيط به الأسوار، وتدور حوله الدولة.

المصدر: أوج 24

اترك تعليقاً