ماذا نعرف عن أحدث جولات القتال بين باكستان وأفغانستان؟
التصعيد أثار قلقًا دوليًا، خاصة أن المنطقة تشهد نشاطًا لجماعات أأخرى توصف بالمتطرفة (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
أكد وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف، الجمعة، أن بلاده في “حرب مفتوحة” مع أفغانستان، بعد تصعيد عسكري يُعدّ الأخطر منذ الهدنة التي تم التوصل إليها بوساطة قطرية في أكتوبر.
يرتبط البلدان بتاريخ طويل ومعقد يعود إلى تأسيس باكستان عام 1947. وعلى الرغم من الروابط الاجتماعية والعرقية والاقتصادية المتجذرة بينهما، فإن العلاقات ظلت متقلبة وشهدت مرارًا مواجهات مسلحة.
وخلال الأشهر الماضية، اندلعت اشتباكات متفرقة على طول حدودهما المتعرجة والمسامية، مع تصاعد التوتر تدريجيًا، إلا أن المواجهة الأخيرة تُعدّ الأكثر خطورة حتى الآن.
خلفية النزاع الأخير
أطلقت أفغانستان، مساء الخميس، هجومًا واسعًا عبر الحدود داخل الأراضي الباكستانية في ست مقاطعات، وقالت إنه ردّ على غارات جوية باكستانية استهدفت أراضيها الأحد الماضي. وكانت باكستان قد أعلنت أن غاراتها قتلت عشرات المسلحين، بينما قالت كابل إن الضربات أسفرت عن مقتل مدنيين، بينهم نساء وأطفال.
وردّت باكستان، فجر الجمعة، بغارات على العاصمة الأفغانية ومناطق أخرى في قندهار وباكتيـا. وبعد توقف مؤقت، استؤنف القتال الحدودي واستمر طوال الجمعة.
تصاعد العنف المسلح داخل باكستان
شهدت باكستان في السنوات الأخيرة تصاعدًا حادًا في أعمال العنف، بما في ذلك تفجيرات انتحارية وهجمات منسقة ضد قوات الأمن. وتتهم السلطات الباكستانية حركة طالبان الباكستانية، المعروفة باسم “تحريك طالبان باكستان” (TTP)، بالوقوف وراء كثير من الهجمات، كما تتهم أفغانستان بإيواء عناصر الحركة على أراضيها.
وتنفي كابل هذه الاتهامات، مؤكدة أنها لا تسمح باستخدام أراضيها لشن هجمات ضد أي دولة، بما في ذلك باكستان.
حركة طالبان الباكستانية (TTP)
تأسست الحركة عام 2007 من تحالف مجموعات محظورة اتفقت على العمل ضد الدولة الباكستانية ودعم حركة طالبان الأفغانية، التي كانت آنذاك تقاتل القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي ( الناتو). وصنّفتها الأمم المتحدة والولايات المتحدة منظمة إرهابية.
تطالب الحركة بتطبيق أشدّ صرامة للشريعة الإسلامية، والإفراج عن أعضائها المسجونين في باكستان، وتقليص الوجود العسكري الباكستاني في أجزاء من إقليم خيبر بختونخوا الحدودي، الذي لطالما استخدمته قاعدة لها.
ورغم استقلالها تنظيميًا، فإنها ترتبط بعلاقات وثيقة مع طالبان الأفغانية الحاكمة في كابول. ويُعتقد أن العديد من قادتها ومقاتليها لجأوا إلى أفغانستان بعد عودة طالبان إلى السلطة عام 2021، ما زاد من توتر العلاقات الثنائية.
في عام 2022، توسطت أفغانستان في هدنة قصيرة بين الحركة وباكستان، لكنها انهارت بعد اتهام الحركة للجيش الباكستاني بانتهاك الاتفاق.
المنطقة الحدودية وخط دوراند
يتركز جزء كبير من التوتر على طول الحدود الممتدة 2,611 كيلومترًا، والمعروفة باسم “خط دوراند”، الذي رُسم عام 1893 على يد الدبلوماسي البريطاني مورتيمر دوراند. يقسم الخط مناطق قبائل البشتون، أكبر المجموعات العرقية في أفغانستان، والتي تنتمي إليها طالبان الأفغانية.
ورغم الاعتراف الدولي بالخط كحدّ غربي لباكستان، فإن أفغانستان لا تعترف به رسميًا. ويتبادل الطرفان الاتهامات بغض الطرف عن نشاط الجماعات المسلحة في المنطقة الحدودية.
توترات متصاعدة
بلغ التوتر ذروته العام الماضي بعد مقتل عشرات المدنيين وعناصر الأمن والمسلحين في أعنف اشتباكات منذ سنوات.
في 8 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، نصب مسلحون كمينًا لقافلة عسكرية في منطقة أوركزاي بباكستان، ما أسفر عن مقتل 11 جنديًا. وقال رئيس الوزراء شهباز شريف آنذاك إن بلاده لم تعد قادرة على تحمل استمرار سقوط الضحايا، وأعلن منح الجيش صلاحيات كاملة للرد.
في اليوم التالي، نفذت باكستان ضربات داخل أفغانستان، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات عبر الحدود، قبل أن تنجح وساطة قطرية في التوصل إلى وقف لإطلاق النار في منتصف أكتوبر/ تشرين الأول. إلا أن التوترات لم تهدأ تمامًا، واستمرت الاشتباكات المتقطعة، مع اختلاف كبير بين الطرفين بشأن أعداد الضحايا.
كما فشلت محادثات سلام عُقدت في إسطنبول في نوفمبر في التوصل إلى حل طويل الأمد.
أزمة اللاجئين الأفغان
زاد التوتر أيضًا بسبب حملة باكستان لترحيل اللاجئين الأفغان بشكل جماعي. ففي عام 2023، أطلقت إسلام آباد حملة على مستوى البلاد ضد الأجانب المقيمين دون وضع قانوني، وقد طالت الحملة في الغالب الأفغان.
على مدى أربعة عقود، لجأ ملايين الأفغان إلى باكستان هربًا من الحرب والاضطرابات السياسية والأزمات الاقتصادية. وتؤثر الحملة الحالية على أكثر من مليوني أفغاني، بعضهم وُلد في باكستان.
كما قامت إيران، الجار الغربي لأفغانستان، بعمليات ترحيل مماثلة، ما زاد الضغط على أفغانستان التي تعاني أصلًا من الفقر. وتقول مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إن 5.4 مليون شخص عادوا إلى أفغانستان منذ أكتوبر 2023، معظمهم من باكستان وإيران.
قلق دولي
أثار التصعيد قلقًا دوليًا، خاصة أن المنطقة تشهد نشاطًا لجماعات توصف بالمتطرفة أخرى مثل القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، التي تحاول إعادة تنظيم صفوفها.
في أكتوبر، سعت تركيا وقطر والسعودية إلى تسهيل المحادثات بين الطرفين. كما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب حينها عزمه على حل النزاع “بسرعة كبيرة”، دون أن يتضح ما إذا كان سيتدخل مجددًا.
وأجرى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان اتصالات مع نظرائه في باكستان وأفغانستان وقطر والسعودية، فيما دعت روسيا إلى وقف فوري للقتال وحل دبلوماسي، وأعلنت إيران استعدادها للمساعدة في تسهيل الحوار.