الأميركيون يغيّرون مواقفهم.. استطلاعات تكشف دعماً غير مسبوق للفلسطينيين

يونيو 11, 2026
64

كفة التعاطف الأمريكي تميل الآن نحو الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين، خصوصاً بعد أحداث غزة

جبار جعفر/ كاتب وإعلامي عراقي

شهد الرأي العام الأمريكي تجاه إسرائيل تراجعاً تاريخياً، متخلياً عن عقود من الدعم القوي من كِلا الحزبين. وتؤكد هذا التحولَ سلسلةٌ من استطلاعات الرأي؛ فللمرة الأولى في تاريخ الاستطلاعات الحديثة، أعربت نسبة كبرى من الأمريكيين عن تعاطفها مع الفلسطينيين بواقع (41%) مقارنةً بتعاطفهم مع الإسرائيليين (36%)، في حين يحمل نحو 60% من الجمهور نظرة سلبية تجاه إسرائيل.

ويعود هذا التدهور في الرأي العام إلى ثلاثة عوامل رئيسية: التكلفة البشرية الباهظة للصراعات العسكرية المستمرة، والفجوة الحادة بين الأجيال، والتغيرات في الديناميكيات السياسية داخل الأحزاب الأمريكية.

1. حجم الصراع والتصعيد الإقليمي

يُعدّ الحجم الهائل للعمليات العسكرية المطولة التي أعقبت هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، المحرك المباشر لتراجع الدعم، وما نتج عنها من تداعيات خطيرة أبرزها:

الخسائر المدنية في غزة: ازدادت حدة انتقاد قطاعات واسعة من الشعب الأمريكي للاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية، إذ يشعر غالبية الأمريكيين بأن الهجوم على غزة قد تجاوز الحد، مدفوعين بالصور والمشاهد الآنية للدمار الواسع وسقوط الضحايا المدنيين، فضلاً عن الأزمات الإنسانية المتفاقمة في جميع أنحاء القطاع. وتُظهر البيانات الحديثة أن 41% من الناخبين الأمريكيين المحتملين يعتقدون أن ممارسات إسرائيل ترقى إلى مستوى الإبادة الجماعية.

التورط في حروب إقليمية: ازداد استياء الرأي العام بسبب التورط العسكري الأمريكي المباشر في صراعات إقليمية أوسع، لا سيما تلك التي تشمل إيران ولبنان. ويشعر جزء كبير من الجمهور بأن حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو قد زجّت بالولايات المتحدة في هذه الصراعات، مما أدى إلى اضطرابات داخلية وعالمية كبيرة. وبناءً على ذلك، ينظر ما يقارب 45% من الأمريكيين الآن إلى إسرائيل على أنها عبء استراتيجي وليست رصيداً، بينما يعتقد 17% فقط أن الدفاع عنها يبرر الدخول في حرب مع إيران.

2. اتساع الفجوة بين الأجيال

أصبح العمر هو الخط الفاصل الأكثر وضوحاً في نظرة الأمريكيين إلى إسرائيل، مما يكشف عن شرخ عميق بين المواطنين الأكبر سناً والأصغر سناً.

“جيل تيك توك”: يستمد الأمريكيون الذين تقل أعمارهم عن 30 عاماً معلوماتهم بشكل أساسي من منصات التواصل الاجتماعي اللامركزية، بدلاً من وسائل الإعلام والتلفزة التقليدية التي لعبت تاريخياً دوراً كبيراً في تشكيل الرأي العام. وقد أدى هذا التعرض المباشر للمشاهد الحية من مناطق النزاع إلى تحول سريع في نظرة الشباب لسياسات إسرائيل.

اختلاف السياقات التاريخية: نشأت الأجيال الأكبر سناً على رؤية إسرائيل من خلال عدسة “المحرقة”، ونضالاتها التأسيسية، أو تحالفها مع الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة. في المقابل، لم يعرف الشباب الأمريكي إسرائيل إلا كقوة عسكرية واقتصادية مهيمنة في المنطقة. ونتيجة لذلك، يحمل ما يقارب 74% من الأمريكيين (بين 18 و34 عاماً) آراءً سلبية تجاه إسرائيل، ويعتقد حوالي 4 من كل 10 بالغين دون سن الثلاثين أن الولايات المتحدة تقدم مساعدات “مفرطة” لها.

3. تغير ديناميكيات الأحزاب واستقطاب الآراء

كان دعم إسرائيل في السابق محل إجماع غير قابل للتفاوض بين الحزبين في واشنطن، أما اليوم، فقد أصبح هذا الدعم مسيساً للغاية ومحط انقسام حاد.

إعادة تنظيم الحزب الديمقراطي: تحول تعاطف الديمقراطيين بشكل حاسم نحو الفلسطينيين، إذ يعتقد 57% منهم أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية. وبتأثير من حركات العدالة الاجتماعية المحلية مثل حركة “حياة السود مهمة” (Black Lives Matter)، ينظر العديد من الديمقراطيين التقدميين والوسطيين الآن إلى النضال الفلسطيني من منظور الحقوق المدنية. وبسبب هذا التحول، أصبح قبول الدعم المالي غير المشروط من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل (مثل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية – AIPAC) عبئاً سياسياً على بعض المرشحين الديمقراطيين.

انقسام المحافظين تحت شعار “أمريكا أولاً”: في حين لا يزال الجمهوريون المعتدلون والإنجيليون من أشد الداعمين لإسرائيل، ظهر انقسام ملحوظ في اليمين السياسي؛ إذ تعرب المجموعات الانعزالية التي تتبنى شعار “أمريكا أولاً” – بما في ذلك حوالي 58% من الجمهوريين الشباب – عن شكوكها الصريحة بشأن هذه العلاقة، ويرون أن حزم المساعدات العسكرية الخارجية المليارية والحروب المفتوحة في الشرق الأوسط تتعارض مباشرة مع المصالح الأمريكية الداخلية.

4. الرفض المباشر للمساعدات العسكرية

مع فتور الرأي العام، يتزايد حرص الأمريكيين على تغيير الشروط المالية والعسكرية للتحالف؛ فحلياً، يعتقد 16% فقط من الأمريكيين أنه ينبغي على الولايات المتحدة الاستمرار في إرسال أسلحة غير مقيدة إلى إسرائيل. في حين تؤيد الغالبية العظمى (62%) إحداث تغيير جذري: 38% يؤيدون وقف إمدادات الأسلحة تماماً، و24% يطالبون بفرض شروط صارمة تتعلق بحقوق الإنسان على كيفية استخدامها.

تاريخياً، كان الأمريكيون ينظرون إلى إسرائيل نظرة أكثر إيجابية بكثير مقارنة بالنظرة إلى الأراضي الفلسطينية (أو “السلطة الفلسطينية”، حسب الصياغة المستخدمة في الاستطلاعات بين عامي 2000 و2024). والآن، تراجعت نسبة الآراء الإيجابية تجاه إسرائيل لتقترب من أدنى مستوياتها التاريخية (45%، وهو المستوى المسجل عام 1989)، في حين تحسنت الآراء حول الأراضي الفلسطينية لتصل إلى مستوى مرتفع جديد.

دعم الدولة الفلسطينية يبلغ أعلى مستوى له منذ 23 عاماً

تؤيد أغلبية تبلغ 57% من البالغين الأمريكيين إقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل —وهو ما يُعرف بـ “حل الدولتين”— بينما يعارض ذلك 28%، ولا يملك 15% رأياً محدداً. ولم يشهد الرأي العام حول هذه المسألة تغيراً كبيراً في السنوات الأخيرة مقارنةً بالتغيرات الحادة في مشاعر التعاطف. وتُعد نسبة الـ 57% المؤيدة لحل الدولتين في عام 2026 مماثلة لنسبة الـ 55% المسجلة في عامي 2023 و2025، كما أنها تقترب جداً من أعلى مستوى قياسي سُجل سابقاً (58%) في عام 2003.

ويُسجل الدعم لحل الدولتين أعلى مستوياته بين الديمقراطيين بنسبة 77%، وتشاركهم أغلبية المستقلين بنسبة 57%. وتتماشى كلتا النسبتين عموماً مع ما رصدته مؤسسة “غالوب” منذ عام 2023.

أما دعم الجمهوريين فقد شهد تذبذباً ملحوظاً في السنوات الأخيرة؛ إذ انخفض من 43% قبل هجمات 7 أكتوبر إلى 26% بعدها —وهو أكبر انخفاض في عام واحد يُسجل لأي مجموعة حزبية—. ثم ارتفعت نسبة الدعم إلى 41% في عام 2025 قبل أن تتراجع مجدداً إلى 33% في عام 2026. وبستثناء عام 2024، تُعد الفجوة الحالية —البالغة 44 نقطة— بين الديمقراطيين والجمهوريين هي الأوسع التي تسجلها مؤسسة “غالوب” بشأن هذه المسألة.

إن كفة التعاطف الأمريكي تميل الآن نحو الفلسطينيين أكثر من الإسرائيليين، خصوصاً بعد أحداث غزة. وهنا ينبغي للدول العربية والإسلامية التي تؤيد حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة على حدود الرابع من يونيو/ حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، أن توحد صفوفها، وتوظف نفوذها وعلاقاتها داخل الولايات المتحدة وخارجها، مستفيدة من هذا التغيير الجوهري في اتجاهات الرأي العام لحث الإدارات الأمريكية مستقبلاً على الضغط الجاد على إسرائيل لتطبيق حل الدولتين، بما يضمن إرساء السلام واستتباب الأمن في منطقة الشرق الأوسط.

إن الحروب والأزمات المتلاحقة في هذه المنطقة، التي تستحوذ على أكثر من نصف إجمالي احتياطيات النفط في العالم، يعود جذرها الأساسي إلى الصراع المستمر ورفض إسرائيل الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وهو الأمر الذي دفع بالمنطقة إلى حافة الهاوية مراراً وتكراراً.

المصدر: أوج 24

حول هذه القصة

صعود شخصيات سياسية شابة مثل زهران ممداني وناشطين مثل زاك ماليتز، يعبرون عن هذا الاتجاه الفكري الجديد

من ممداني إلى زاك.. كيف يعيد جيل زد صياغة أفكار اليسار؟

المعارضة الإسرائيلية ترى أن ما يجري يعكس تراجع قبضة نتنياهو على الائتلاف الحاكم (هآارتس)

إسرائيل على أبواب انتخابات مبكرة.. ونتنياهو يسابق الوقت لتمرير أخطر القوانين

قيام إسرائيل تسبب بالنكبة التي شهدت تهجير واقتلاع مئات آلاف الفلسطينيين من مدنهم وقراهم (جيمناي)

48 ساعة غيّرت الشرق الأوسط.. من إعلان قيام إسرائيل إلى نكبة الفلسطينيين

نتنياهو يجد نفسه أمام سؤال سياسي صعب: إذا لم تتحقق الأهداف… فما الذي تحقق فعلًا؟ (هاآرتس)

الغارديان: نتنياهو الخاسر الأكبر من حرب إيران

اترك تعليقاً