بعد واشنطن وطهران.. لماذا يزور الزيدي تركيا الآن؟
الزيدي يسعى إلى تعزيز موقع العراق الإقليمي والحفاظ على توازن علاقاته مع القوى المؤثرة في المنطقة (وكاالة الأنباء العراقية)
توجه رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، اليوم الثلاثاء، إلى تركيا في ثالث زيارة خارجية له منذ توليه منصبه، بعد جولتيه إلى الولايات المتحدة وإيران، في خطوة تعكس سعي بغداد لتعزيز شراكاتها الإقليمية وتوسيع التعاون الاقتصادي والأمني مع أنقرة، وسط اهتمام أميركي متزايد ببناء محور اقتصادي يربط العراق وتركيا ودول المنطقة.
وقال الزيدي ، في تغريدة له على منصة إكس، “نتوجه اليوم في زيارة رسمية إلى الجمهورية التركية، تلبية لدعوة من الرئيس رجب طيب أردوغان، لتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين”.
وأضاف أن “العراق يرتبط مع تركيا بجوار تاريخي وجغرافي وحضاري، ومصالح مشتركة ومتنوعة” ،لافتاً إلى أنه “ستحضر خلال زيارتنا ملفات الاستثمار والمياه وطريق التنمية، وجهود تعزيز الاستقرار في المنطقة، بجانب بحث عدد من الملفات الاقتصادية والأمنية، وبما يسهم في تحقيق المنفعة المتبادلة لشعبينا الصديقين”.
نتوجه اليوم في زيارة رسمية إلى الجمهورية التركية، تلبية لدعوة من سيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، لتعزيز العلاقات السياسية والاقتصادية بين البلدين.
نرتبط مع تركيا بجوار تاريخي وجغرافي وحضاري، ومصالح مشتركة ومتنوعة، وستحضر خلال زيارتنا ملفات الاستثمار والمياه وطريق التنمية، وجهود…
— علي فالح الزيدي (@AliFalihAlzaidy) July 28, 2026
ثالث محطة دبلوماسية خلال شهر
يغادر الزيدي إلى أنقرة بعد أيام من زيارتيه إلى واشنطن وطهران، في إطار تحرك دبلوماسي مكثف يهدف إلى تعزيز موقع العراق الإقليمي والحفاظ على توازن علاقاته مع القوى المؤثرة في المنطقة.
ومن المقرر أن يجتمع الزيدي بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان وكبار المسؤولين الأتراك لبحث سبل توسيع التعاون الثنائي، خاصة في مجالات الاقتصاد، والطاقة، والمياه، والأمن، والاستثمار، إضافة إلى عدد من الملفات الإقليمية ذات الاهتمام المشترك.
المياه تتصدر جدول الأعمال
أكد مسؤولون عراقيون أن أزمة المياه ستكون في صدارة المباحثات، في ظل استمرار تراجع تدفقات نهري دجلة والفرات إلى العراق نتيجة السدود التركية، والتي تُعد أحد أبرز الملفات الخلافية بين البلدين.
سيناقش الجانبان آليات تنفيذ الاتفاقيات ومذكرات التفاهم الموقعة سابقاً، إضافة إلى تسريع مشاريع البنية التحتية المشتركة وتعزيز التعاون الاقتصادي طويل الأمد.
مشروع “طريق التنمية”
تشكل الزيارة فرصة لدفع مشروع طريق التنمية، الذي يربط ميناء الفاو الكبير في جنوب العراق بأوروبا عبر الأراضي التركية، وهو مشروع استراتيجي بمليارات الدولارات تراهن عليه بغداد وأنقرة لتحويل العراق إلى مركز رئيسي للنقل والتجارة بين الخليج وأوروبا.
دعم أميركي للتقارب
نقل موقع المونيتور عن مصادر دبلوماسية أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تشجع التقارب بين بغداد وأنقرة، باعتباره جزءاً من رؤية أوسع لإنشاء ممر تجاري واستثماري يربط العراق وتركيا وسوريا، ويعزز النفوذ الاقتصادي الأميركي في المنطقة.
ويرى مسؤولون أميركيون سابقون أن هذه الرؤية تمتد من بلاد الشام إلى الخليج، وتهدف إلى موازنة النفوذ الإيراني عبر تعزيز الروابط الاقتصادية والأمنية بين دول المنطقة، بدلاً من الاعتماد على الأدوات العسكرية وحدها.
رسالة الزيدي من أنقرة
في مقال نشرته وكالة الأناضول التركية، أكد الزيدي أن العراق “اختار طريق الاستقرار والإصلاح والتنمية”، ويسعى إلى بناء اقتصاد قوي وإقامة علاقات خارجية متوازنة تجعل التعاون الإقليمي محركاً للنمو، معتبراً أن بغداد وأنقرة تمتلكان القدرة على بناء واحدة من أهم الشراكات الاقتصادية في المنطقة إذا انتقل التعاون بينهما من مرحلة إدارة الملفات التقليدية، مثل الأمن والمياه والتجارة، إلى بناء شراكة استراتيجية تقوم على التكامل الاقتصادي والتنمية المشتركة.
واعتبر الزيدي أن مشروع طريق التنمية يمثل حجر الأساس لهذه الشراكة، بوصفه مشروعاً إقليمياً يربط الخليج بأوروبا عبر العراق وتركيا، ويوفر فرصاً للاستثمار، ويخلق وظائف، ويعزز مكانة البلدين على خريطة التجارة العالمية.
وشدد على أن الأمن يشكل ركناً أساسياً لأي شراكة ناجحة، مؤكداً أهمية تعزيز التعاون بين بغداد وأنقرة في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، مع احترام سيادة كل دولة.
كما دعا إلى اعتماد نهج تعاوني في إدارة ملف المياه، يقوم على المصالح المشتركة والاستفادة من التقنيات الحديثة، بما يسهم في تحقيق الأمنين المائي والغذائي للبلدين.
وختم الزيدي بالتأكيد أن الشرق الأوسط يحتاج إلى نماذج جديدة للتعاون، وأن العراق وتركيا يمتلكان فرصة لبناء واحدة من أهم قصص النجاح في المنطقة، عبر الانتقال من التعاون التقليدي إلى التكامل الاقتصادي الحقيقي، انطلاقاً من قناعة بأن الاستقرار يتحقق بالمشاريع المشتركة لا بالصراعات.
وتشير التقارير إلى أن بغداد واصلت خلال السنوات الماضية انتهاج سياسة التوازن بين الولايات المتحدة وإيران، فيما برزت تركيا شريكاً متزايد الأهمية في ملفات التجارة والطاقة والأمن، وهو ما يمنح العراق هامشاً أوسع لتنويع شراكاته الإقليمية.

ملف النفط يعود إلى الواجهة
وفي سياق العلاقات العراقية التركية، برز تطور قانوني مهم بعدما رفضت محكمة الاستئناف في باريس طلب تركيا إلغاء جزء من حكم تحكيم دولي يتعلق بصادرات نفط إقليم كردستان العراق عبر ميناء جيهان.
وأبقى القرار القضائي قائماً على الحكم الصادر عام 2023، والذي خلص إلى أن أنقرة خالفت اتفاقيات خط أنابيب النفط مع بغداد عندما سمحت بتصدير نفط الإقليم دون موافقة الحكومة الاتحادية.
وكانت هيئة التحكيم قد احتسبت أن تركيا مدينة للعراق بمبلغ 1.471 مليار دولار كصافي قيمة المطالبات، مع ترك مسألة الفوائد للحساب في مرحلة لاحقة.
إلا أن النزاع المالي لم يُحسم بعد، إذ تنظر محكمة اتحادية أميركية في واشنطن حالياً في كيفية احتساب الفوائد المستحقة، وسط تباين كبير بين الحسابات العراقية والتركية بشأن القيمة النهائية للمبالغ الواجب دفعها.
وفي هذاا السياق رأى الخبير في شؤون الطاقة أوميد شكري في مقال له في مرصد منتدى الشرق الأوسط أن أن رفض محكمة الاستئناف في باريس طلب تركيا إلغاء حكم التحكيم الدولي عزز موقف العراق القانوني والسياسي في النزاع المتعلق بتصدير نفط إقليم كردستان العراق عبر خط أنابيب جيهان، مؤكداً أن أنقرة لا تستطيع التعامل مع الخط أو السماح بتصدير النفط من دون موافقة الحكومة الاتحادية في بغداد.
ويشير المقال إلى أن الحكم لا يقتصر على التعويض المالي، بل يرسخ سلطة بغداد على إدارة صادرات النفط، حتى في ظل العلاقات الوثيقة بين تركيا وحكومة إقليم كردستان العراق.
ورغم ذلك، يستبعد الكاتب أن تسدد تركيا المبلغ كاملاً في المستقبل القريب، بسبب استمرار الخلاف حول احتساب الفوائد، فضلاً عن التعقيدات القانونية المتعلقة بتنفيذ أحكام التحكيم الدولي، والتي قد تؤدي إلى مفاوضات تنتهي بجدولة المدفوعات أو إجراء مقاصات مالية أو تعديل رسوم عبور النفط.
ويؤكد المقال أن العراق يمتلك مساراً قانونياً لاستيفاء مستحقاته، لكنه قد يستغرق سنوات، كما أن بغداد ستحتاج إلى إدارة الأموال بشفافية في حال تحصيلها، عبر إيداعها في الخزانة الاتحادية وإخضاعها للتدقيق المستقل.
ويرى الكاتب أن لزيدي لن يتخلى عن حق العراق في التعويض، لكنه قد يعتمد نهجاً مرناً في تنفيذ الحكم حفاظاً على العلاقات الاستراتيجية مع تركيا، التي تعد شريكاً مهماً في مجالات التجارة والأمن والطاقة، إضافة إلى كونها منفذاً حيوياً لوصول العراق إلى البحر المتوسط.
ويضيف أن الحكم يعزز موقع الحكومة الاتحادية في المفاوضات مع أنقرة وأربيل، لكنه لا يمنع استمرار تشغيل خط الأنابيب، خاصة بعد استئناف صادرات نفط إقليم كردستان عام 2025 بإشراف شركة تسويق النفط العراقية (سومو).
ويخلص المقال إلى أن مستقبل خط جيهان سيعتمد على اتفاق جديد بين بغداد وأنقرة ينظم إدارة الخط ورسوم العبور والاستثمارات المستقبلية، فيما يمنح الحكم العراق ورقة تفاوضية أقوى لترسيخ سلطته على صادرات النفط دون إنهاء الاعتماد المتبادل بين بغداد وأربيل أو بين العراق وتركيا.
دلالات الزيارة
يرى مراقبون أن زيارة الزيدي إلى أنقرة تأتي في توقيت بالغ الأهمية، إذ تجمع بين محاولة معالجة الملفات الخلافية، وفي مقدمتها المياه، ودفع المشاريع الاقتصادية الكبرى، وتعزيز التعاون الأمني، بالتوازي مع تحركات عراقية نشطة لإقامة علاقات متوازنة مع واشنطن وطهران وأنقرة، بما يخدم مصالح بغداد في مرحلة تشهد تغيرات متسارعة في موازين القوى الإقليمية.
المصادر / المونيتور – الأناضول- الصحافة التركية – وكالة الأنباء العراقية- مرصد منتدى الشرق الأوسط
حول هذه القصة
ترامب يراهن بقوة على الزيدي ويقدمه بوصفه قائدًا إقليميًا واعدًا ( البيت الأبيض)
ترامب يدعم الزيدي.. لكن جمهوريين يطالبونه بأفعال لا وعود
يوليو 23, 2026
الزيدي وصل طهران في أول زيارة رسمية إلى إيران منذ توليه رئاسة الحكومة في مايو الماضي ( مكتب رئيس الوزراء العراقي)
الزيدي في طهران: الغاز والتهدئة بالمنطقة على طاولة التفاوض
يوليو 23, 2026
خط كركوك–بانياس يمنح النفط العراقي منفذًا إلى البحر المتوسط بعيدًا عن مضيق هرمز ( واع)