عيد الفطر في بغداد القديمة.. طقوس مدينة ترفض النسيان

مارس 20, 2026
244

المراجيح الخشبية وسيلة اللعب للأطفال في العيد (أوج 24)

 معتصم المفتي/ كاتب ومؤرخ عراقي

تكتسب أيام عيد الفطر في أحياء بغداد القديمة نكهةً استثنائية، تتجاوز كونها مناسبة دينية عابرة، لتغدو استحضارًا حيًّا لذاكرة المكان الممتدة عبر قرون من التاريخ. فمن “باب المعظم” شمالًا إلى “باب الشرقي” جنوبًا، ومن “الأعظمية” إلى “الكاظمية”، يتشكل العيد كلوحة نابضة بالحياة، تختلط فيها الروحانية بالعادات الاجتماعية التي صاغت هوية بغداد الأصيلة.

أولًا: صلاة العيد… سكينة تتوارثها الأجيال

مع إشراقة صباح العيد، تتلألأ منارات الجوامع التاريخية مثل جامع الآصفية، وجامع المصلوب، والحضرة القادرية، وجامع الحيدرخانة، والأحمدي، والقمرية. يتوافد الرجال بوقارهم المعهود، مرتدين البدلة الرسمية مع ربطة العنق، أو الصدرية البغدادية “السدارة”، التي تحمل عبق ثلاثينيات القرن الماضي. تتعالى التحايا بعبارات راسخة في الوجدان: “عساكم من عواده”، في مشهد تختلط فيه الهيبة بالدفء الإنساني.

ثانيًا: فطور العيد… طقوس الطعم والحنين

لا يكتمل صباح العيد دون الفطور “الريوق” البغدادي الشهير. بعد الصلاة، تتجه الخطى نحو محال “القيمر” و”الكاهي” في الأزقة القديمة، حيث القيمر السدّة مع الكاهي الحار المغموس بالعسل أو “الشيرة” يتصدر المشهد. تصطف الطوابير بانتظار هذه الوجبة التي تُعدّ بمثابة طقس احتفالي لا غنى عنه، وذاكرة ذوقية تتجدد كل عام.

ثالثًا: المراجيح الخشبية… بهجة الطفولة الشعبية

في ساحات الصالحية والميدان وباب الشيخ، كانت تُنصب “الدواريف” (المراجيح الخشبية) و”چرخة الفلك” اليدوية، لتتحول الأمكنة إلى فضاءات للفرح الطفولي. تمتزج أصوات الضحكات بأغاني الأطفال البسيطة، بينما يجوب الباعة حاملين “شربت الزبيب” و”النامليت”، إلى جانب الحلويات الشعبية مثل “المصقول” و”الحلقوم”، في مشهد يختصر بساطة العيد وعمقه الشعبي.

رابعًا: البيوت البغدادية… صلة الرحم ودفء الحوش

في البيوت ذات الشناشيل المطلة على الأزقة، تتجمع العائلات في “الحوش” (فناء الدار)، حيث تُستعاد معاني الألفة وصلة الرحم. تُقدَّم “كليجة التمر” المعطرة بالهيل مع استكان الشاي المهيّل، فيما يحرص كبار العائلة على توزيع “العيدية” على الصغار، في لحظة ينتظرها الأطفال بشغف، وتظل محفورة في الذاكرة.

خامسًا: نزهة المساء… دجلة يحكي حكايات العيد

مع حلول المساء، تتجه العائلات إلى ضفاف نهر دجلة، وخصوصًا في شارع الرشيد وشارع المتنبي، الذي يكتسي حلّة احتفالية رغم طابعه الثقافي. هناك، تحتضن المقاهي العريقة مثل “مقهى الشابندر” و”الزهاوي” زوّارها، حيث تتقاطع أحاديث الحاضر مع صدى التاريخ، وتُستعاد حكايات بغداد بين جدرانٍ شهدت تحولات الزمن.

في بغداد القديمة، لا يُعاش العيد بوصفه يومًا عابرًا، بل كرحلةٍ عبر الزمن، يمتزج فيها عبق الماضي ببهجة الحاضر. وتبقى تقاليد “أهل بغداد” الحارس الأمين لذاكرة مدينةٍ تعرف كيف تُجدّد نفسها، دون أن تفقد روحها.

المصدر: أوج 24

اترك تعليقاً