أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
ثقافة وفن

انظر ماذا جعلتني أفعل.. حين تتحول أسرار الزواج إلى خيانة وانتقام

ماذا لو جلست امرأة لمشاهدة مسلسل تلفزيوني يحقق نجاحاً واسعاً، ثم فوجئت بأن شخصياته تردد عبارات وألقاباً ونكات خاصة لم يكن يفترض أن يعرفها سوى شخصين: هي وزوجها الراحل؟

انظر ماذا جعلتني أفعل.. حين تتحول أسرار الزواج إلى خيانة وانتقام

بعد ثلاثين عاماً من الزواج، تعيش كيت حياة تبدو مثالية في شمال لندن. أما فيبي، فهي كاتبة سيناريو شابة تقف وراء مسلسل «الخيانة»، العمل التلفزيوني الذي أصبح حديث العام.

لكن عندما تأخذ حياة كيت منعطفاً أكثر قتامة، تبدأ بملاحظة تفاصيل وأسرار حميمة في المسلسل تعتقد أنه لا يمكن لأحد معرفتها سوى هي وزوجها جاك.

وهنا تبدأ الأسئلة: من خان من؟ ومن يملك الحق في رواية قصة الآخر؟

من هذه الفكرة المقلقة ينطلق الكاتب البريطاني جون لانشستر في روايته الجديدة انظر ماذا جعلتني أفعل”، التي تمزج بين الغموض الأسري والكوميديا السوداء والإثارة النفسية، لتتحول قصة زواج بدا مستقراً لعقود إلى لغز عن الخيانة والانتقام والخصوصية والأسرار التي يمكن أن تخفيها العلاقات حتى عن أقرب الناس.

الرواية حظيت باهتمام عدد من النقاد، ومن بينهم ألكسندرا جاكوبس في «نيويورك تايمز» وجان هارايدا في نشرة “جانسبليننغ” الأدبية على منصة سابستاك، اللتان تتفقان إلى حد كبير على جاذبية أسلوب لانشستر وفكرته غير المألوفة، وإن كانت هارايدا أكثر تحفظاً حيال بعض شخصيات الرواية وتحولات حبكتها ونهايتها.

 (دار «فيبر آند فيبر» البريطانية للنشر)
(دار «فيبر آند فيبر» البريطانية للنشر)

زواج بدأ في أكسفورد

تبدأ الحكاية قبل عقود، عندما تقع كيت في حب جاك خلال دراستهما في جامعة أكسفورد في منتصف ثمانينيات القرن الماضي.

تتطور العلاقة ويتزوج الاثنان، ويعيشان حياة ميسورة في لندن. يصبح جاك مهندساً معمارياً ناجحاً، بينما تتخلى كيت عن عملها كمؤرخة فنية. ويختار الزوجان عدم الإنجاب، ويبدو زواجهما، من الخارج على الأقل، مستقراً وسعيداً.

تمر السنوات، ويصل الاثنان إلى الخمسينيات من العمر، قبل أن تنقلب حياة كيت فجأة عندما يموت جاك، تاركاً زوجته تواجه الوحدة والحزن وإعادة ترتيب حياتها من دونه.

لكن وفاة الزوج لم تكن الصدمة الأخيرة.

An Ottolenghi shop in Spitalfields, London / Wikimedia Commons
أحد متاجر «أوتولينغي» في حي سبيتالفيلدز، لندن (ويكيميديا كومنز)

مسلسل يعيد الزوج الميت إلى حياتها

بعد فترة من وفاة جاك، تقنع صديقات كيت الأرملة بالذهاب إلى نادٍ للكتاب، وهناك تسمع عن مسلسل ناجح على نتفليكس يحمل اسم (الخيانة).

يتناول المسلسل قصة رجل في الخمسينيات يقيم علاقة مع امرأة أصغر منه سناً.

تبدأ كيت مشاهدته، وسرعان ما تسمع عبارة مألوفة جداً. إنها واحدة من العبارات التي كان جاك يستخدمها معها، وكانت تعتقد أنها تنتمي إلى لغتهما الخاصة.

قد تكون مصادفة.

لكن مع استمرار المشاهدة تظهر عبارات أخرى، ثم ألقاب ونكات وإشارات وتعبيرات مختصرة تعرفها كيت جيداً من حياتها الزوجية.

عندها تتحول الدهشة إلى خوف، والخوف إلى شك.

كيف وصلت اللغة الخاصة بينها وبين زوجها إلى مسلسل تلفزيوني يشاهده الملايين؟

والسؤال الأكثر إيلاماً: هل كان جاك يعيش حياة أخرى لم تعرف عنها شيئاً؟

امرأة أخرى تدخل الحكاية

تقود الخيوط كيت إلى فيبي مول، الكاتبة الشابة التي تقف وراء المسلسل الناجح.

فيبي أصغر من كيت بنحو ربع قرن، وتعيش مع شريكها توني، وهو مدرس يحلم بكتابة الأغاني. وترى نفسها الطرف الأكثر طموحاً وموهبة وقدرة على الإنجاز في علاقتهما.

هنا يضع لانشستر أمام القارئ زوجين من جيلين مختلفين: كيت وجاك في جانب، وفيبي وتوني في الجانب الآخر.

لكن المسألة لا تبقى مجرد مقارنة بين جيلين.

فكلما تعمقت كيت في البحث، يصبح السؤال الذي يطاردها أكثر وضوحاً: هل أقام جاك علاقة مع فيبي؟ وهل نقل إليها اللغة والتفاصيل التي كانت كيت تعتقد أنها ملك حصري لزواجهما؟

وإذا ثبتت شكوكها، فما الذي يمكن أن تفعله أرملة اكتشفت أنها ربما لم تكن تعرف الرجل الذي أمضت معه معظم حياتها؟

ومن هنا تنتقل الرواية من الحزن والشك إلى لعبة من الخداع والانتقام وتبادل الأدوار بين الضحية والمذنب.

امرأتان.. وحرب نفسية

يتنقل لانشستر بين وجهتي نظر كيت وفيبي، فلا يترك القارئ أسيراً لرواية طرف واحد.

وهذه التقنية تجعل الصراع أكثر تعقيداً؛ فالمرأتان ليستا شخصيتين مثاليتين، ولكل منهما جانب قاسٍ واستعداد للذهاب بعيداً عندما تشعر بالتهديد.

وتتحول الرواية تدريجياً من كوميديا سوداء عن العلاقات والأجيال إلى قصة انتقام وإثارة نفسية، قبل أن تدخل في مراحلها الأخيرة مساحة الجريمة والعدالة.

وبحسب هارايدا، فإن هذه التحولات هي أيضاً إحدى نقاط ضعف الكتاب؛ إذ ترى أن بعض تطورات الحبكة تصبح أقل قابلية للتصديق، وأن النهاية لا تمنح القارئ تماماً الإحساس بالعدالة أو التفسير الذي ينتظره عادة من روايات الجرائم والانتقام.

ومع ذلك، يبقى أسلوب لانشستر، في رأيها، سبباً كافياً لمواصلة القراءة.

المنزل الذكي يعرف الكثير

لا تأتي أسرار الرواية من العلاقات البشرية وحدها.

فالتكنولوجيا تؤدي دوراً مهماً في الحبكة، وخصوصاً نظام «المنزل الذكي» الذي كان يستخدمه جاك، إلى جانب وسائط التخزين الرقمية.

وهنا تتسع القصة من سؤال الخيانة إلى سؤال أكبر عن الخصوصية: كم تعرف أجهزتنا عن حياتنا؟ وماذا يحدث عندما تصبح الكلمات والتصرفات التي نظن أنها خاصة قابلة للتسجيل والاستعادة والاستغلال؟

وتشير قراءة «نيويورك تايمز» إلى أن الرواية تتعامل بخفة مع الطريقة التي جعلت بها التكنولوجيا البشر جميعاً، بدرجات مختلفة، قادرين على التجسس وأخذ ما يخص الآخرين.

فالمنزل الذي يفترض أن يكون أكثر الأماكن خصوصية يمكن أن يتحول، بفضل الأجهزة التي تملأه، إلى مستودع للذاكرة والأسرار.

من يملك حق رواية حياتنا؟

لكن أحد أعمق الأسئلة التي تطرحها الرواية يتعلق بالكتابة نفسها.

فيبي، بوصفها كاتبة تلفزيونية، ترى في الكتابة شكلاً استثنائياً من أشكال السيطرة؛ فالكاتب يستطيع أن يقرر ما يحدث لشخصياته، ومن يحب من، ومن يختفي، وأين تبدأ الحكاية وأين تنتهي.

وهذه الفكرة تكتسب معنى آخر عندما تبدأ كيت برؤية حياتها الخاصة وقد تحولت، بطريقة ما، إلى مادة درامية.

فمن يملك القصة حين تتحول تجربة عاشها شخصان إلى مسلسل يشاهده الملايين؟

وهل يستطيع أحد أن يستولي على ذكريات الآخرين ويعيد صياغتها بحيث يصبح هو صاحب الرواية الجديدة؟

بهذا المعنى، لا تصبح المعركة بين كيت وفيبي مجرد صراع محتمل على رجل مات، وإنما أيضاً صراعاً على ملكية الماضي ومن يملك الحق في روايته.

حرب أجيال أم صراع على القوة؟

تضع الرواية في خلفيتها كذلك التوتر بين الأجيال في بريطانيا بعد اتفاقية انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي المعروفة بـ”بريكست” مطلع عام 2020، وخصوصاً بين جيل طفرة المواليد وجيل الألفية.

لكن هارايدا ترى أن هذه الزاوية ليست دائماً مقنعة، وأن بعض الشخصيات تبدو أحياناً أقرب إلى الصور النمطية المتبادلة بين الأجيال.

وتذهب إلى أن قراءة الرواية بوصفها بحثاً في اختلال العمر والقوة داخل العلاقات أكثر إثارة من قراءتها باعتبارها مجرد مواجهة بين جيلين.

فالفارق في العمر والمال والنجاح المهني والقدرة على التحكم في الرواية التي يعرفها الآخرون عنك، كلها أشكال مختلفة من القوة تتحرك تحت سطح الأحداث.

هل نعرف فعلاً من نتزوجهم؟

في النهاية، ربما لا يكون السؤال الأكثر إثارة في رواية انظر ماذا جعلتني أفعل”  هو ما إذا كان جاك قد خان كيت أم لا، بل ما يحدث للإنسان عندما يبدأ فجأة بإعادة تفسير عقود كاملة من حياته.

كيت لا تبحث فقط عن امرأة محتملة في ماضي زوجها، وإنما تعيد فحص القصة التي كانت ترويها لنفسها عن زواجها.

هل كانت السعادة التي عاشتها حقيقية بالصورة التي تتذكرها؟ هل الكلمات الخاصة التي جمعتها بجاك كانت فعلاً خاصة بهما؟ وهل يمكن لاكتشاف واحد بعد موت الشريك أن يعيد كتابة تاريخ علاقة كاملة؟

وهنا تكمن إحدى أكثر أفكار الرواية إزعاجاً: قد يعيش شخصان تحت سقف واحد لعقود، ويتشاركان الحب والنكات والأسرار والذكريات، ثم يكتشف أحدهما أن الآخر احتفظ دائماً بغرفة مغلقة في حياته لم يسمح له بدخولها.

ورغم أن النقاد يختلفون حول مدى نجاح الحبكة ونهايتها، فإن لانشستر ينجح في تحويل لغز شخصي صغير إلى سؤال أكبر عن الزواج والخيانة والذاكرة والتكنولوجيا والانتقام، ومن يملك في النهاية حق كتابة القصة التي نعتقد أنها حياتنا.

المصادر/ نيويورك تايمز- نشرة “جانسبليننغ” الأدبية على منصة سابستاك
*******************

دار «فيبر آند فيبر» البريطانية للنشر
جون لاتشستر ( دار«فيبر آند فيبر» البريطانية للنشر)

جون لانشستر

وُلد الكاتب البريطاني جون لانشستر في مدينة هامبورغ عام 1962، ونشأ في الشرق الأقصى قبل أن يتلقى تعليمه في إنجلترا.

عمل محرراً في دار «بنغوين» للنشر، ثم شغل منصب نائب رئيس تحرير مجلة «لندن ريفيو أوف بوكس»، ولا يزال عضواً في مجلس تحريرها. كما كتب عموداً أسبوعياً في صحيفة «ديلي تلغراف» البريطانية.

أصدر لانشستر روايته الأولى («الدَّين للمتعة») عن دار «بيكادور» عام 1996، وحصلت على عدد من الجوائز الأدبية، بينها جائزة ويتبريد للرواية الأولى، وجائزة بيتي تراسك، وجائزة هوثورنْدن.

وفي عام 2000 أصدر روايته الثانية («السيد فيليبس») عن دار «فيبر»، ووُصفت بأنها بمثابة «عوليس ما بعد الحداثة». ثم جاءت روايته الثالثة («الميناء العَطِر») عام 2002.

وتُرجمت أعمال لانشستر إلى 21 لغة.

وفي عام 2007 نشر مذكراته («رومانسية عائلية»)، ثم أصدر كتاب ووبس! عام 2008، الذي قدم فيه تحليلاً ذكياً وساخراً للأزمة المالية العالمية.

وفي ربيع 2012 صدرت روايته الشهيرة  («رأس المال»)، التي تتناول المجتمع والمال والحياة في لندن في ظل تداعيات الأزمة المالية. وفي عام 2015 حولت هيئة الإذاعة البريطانية الرواية إلى مسلسل تلفزيوني من ست حلقات.

وفي عام 2014 أصدر لانشستر كتاب(«كيف تتحدث لغة المال»)، الذي يسعى إلى تبسيط عالم المال وشرح الطريقة التي تعمل بها المنظومة المالية فعلياً.

وفي عام 2019 أصدرت دار «فيبر» روايته («الجدار»)، وهي رواية ديستوبية تتخيل مستقبلاً قاتماً، وحظيت بإشادة عدد من الكتاب والنقاد.

وبهذه المسيرة، رسخ جون لانشستر مكانته ككاتب يجمع بين الرواية والنقد الاقتصادي والاجتماعي والصحافة، ويستخدم أعماله الأدبية وغير الأدبية لمحاولة فهم التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يشهدها العالم.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.