لم يعد ممر واخان مجرد شريط جبلي معزول في أقصى شمال شرقي أفغانستان، بل يتحول تدريجياً إلى عقدة جيوسياسية تربط الصين وأفغانستان وآسيا الوسطى وباكستان وإيران، وتثير في الوقت نفسه حسابات أمنية واقتصادية لدى الهند وروسيا ودول المنطقة.

ما هو ممر واخان ولماذا عاد إلى الواجهة؟
ممر واخان هو شريط أفغاني ضيق يمتد لنحو 350 كيلومتراً ، في قلب جبال بامير، وتحيط به سلاسل جبال هندوكوش والهيمالايا وقراقرم وكونلون، ويفصل بين طاجيكستان شمالاً وباكستان جنوباً، وينتهي شرقاً بحدود قصيرة مع إقليم شينجيانغ الصيني.
تاريخياً، أُنشئ الممر أواخر القرن التاسع عشر ليكون منطقة عازلة بين الإمبراطوريتين الروسية والبريطانية. أما اليوم، فموقعه يجعله نقطة التقاء بين ثلاث مناطق كبرى: آسيا الوسطى وجنوب آسيا وشرق آسيا.
لكن التضاريس شديدة الوعورة والارتفاع، وضعف الطرق والبنية التحتية، والمخاوف الأمنية، أبقت الممر طوال عقود بعيداً عن التجارة الحديثة.

الصين ترسل إشارة جديدة من حدود أفغانستان
مجلة ذا دبلومات تسلط الضوء على قرار بكين إنشاء مقاطعة سينلينغ بمحاذاة ممر واخان في مارس/ آذار 2026.
وترى المجلة أن الخطوة لا ينبغي قراءتها باعتبارها إجراء أمنياً فقط، بل ربما جزءاً من استعداد أوسع لتحويل الحدود الغربية للصين من منطقة هامشية إلى بوابة اقتصادية واستراتيجية.
فالمنطقة الجديدة قد تساعد بكين مستقبلاً على:
- تنظيم الحركة عبر الحدود.
- تعزيز السيطرة الأمنية.
- بناء البنية التحتية.
- الاستعداد لاحتمال فتح طريق مباشر بين أفغانستان والصين.
ويذهب المقال إلى أن إنشاء المقاطعة قد يكون مؤشراً مبكراً على أن الصين أصبحت أكثر جدية تجاه مشروع “طريق واخان”، وإن لم تعلن بكين حتى الآن موافقة رسمية نهائية عليه.
لماذا تريد طالبان فتح الطريق؟
منذ عودتها إلى الحكم عام 2021، جعلت حركة طالبان فتح طريق واخان إحدى أولوياتها الاقتصادية.
بالنسبة لكابل، المسألة أكبر من مجرد طريق جبلي. فتح الحدود مباشرة مع الصين يعني تقليل الاعتماد على باكستان كممر للتجارة الخارجية.
وهذا مهم خصوصاً مع التوترات السياسية والعسكرية المتكررة بين كابل وإسلام آباد، وإغلاق باكستان أحياناً طرق العبور أمام التجارة الأفغانية.
لذلك ترى الحكومة الأفغانية التي تقودها حركة طالبان في واخان وسيلة لتحقيق قدر أكبر من الاستقلال الاقتصادي والجيوسياسي: أن تتعامل مع الصين مباشرة، بدلاً من المرور عبر الأراضي والموانئ الباكستانية.
وبحسب مقال موقع بي إن إي إنتلي نيوز، أنجزت السلطات الأفغانية أجزاء من الطريق المؤدي نحو الحدود الصينية، وقال مسؤولون أفغان في نهاية 2025 إن العمل في المشروع وصل إلى مراحل متقدمة، لكن الصين لم تفتح حدودها حتى الآن أمام حركة التجارة الطبيعية.
ماذا تستفيد الصين اقتصادياً؟
إذا أصبح الطريق واقعاً، فستحصل الصين على مسار بري إضافي نحو أفغانستان وآسيا الوسطى والشرق الأوسط.
وهذا قد يمنح بكين عدة مكاسب:
- الوصول بصورة أسهل إلى الموارد الأفغانية، ومنها النحاس والنفط والليثيوم ومعادن أخرى.
- تنويع طرق التجارة بعيداً عن الطرق البحرية التي أصبحت أكثر عرضة للأزمات.
- ربط غرب الصين بشبكات الطرق والسكك الحديدية في آسيا الوسطى.
- توفير ممر أقصر محتمل نحو إيران والشرق الأوسط.
وتكتسب هذه النقطة أهمية أكبر في ظل ما أظهرته أزمات مضيق هرمز والبحر الأحمر من هشاشة طرق التجارة البحرية العالمية.

لكن هل تريد الصين حقاً تجاوز باكستان؟
هنا تظهر واحدة من أهم نقاط التنافس.
الصين استثمرت عشرات المليارات من الدولارات في الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني، الذي يربط شينجيانغ بميناء جوادر على بحر العرب.
لذلك لا تزال بكين ترى باكستان طريقاً رئيسياً لوصول أفغانستان وآسيا الوسطى إلى شبكات التجارة الصينية.
لكن طالبان تفضّل طريقاً آخر: حدود مباشرة بين أفغانستان والصين عبر واخان.
وهذا يعني أن نجاح طريق واخان قد يقلل جزئياً من أهمية باكستان بوصفها البوابة الإلزامية للتجارة الأفغانية الصينية.
مقال موقع “بي إن إي إنتلي نيوز” يصف هذه المسألة بأنها من أكثر عناصر المشروع حساسية: كابول تريد تجاوز باكستان، بينما بكين لا تريد الإضرار بمشروع الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني الذي يعد أحد أهم استثماراتها الخارجية.
هل يمكن أن تخسر باكستان من فتح الممر؟
نعم، ولهذا تتعامل إسلام آباد مع واخان بحذر.
فإذا أصبح الطريق الأفغاني الصيني المباشر عملياً، قد تفقد باكستان جزءاً من نفوذها بوصفها دولة عبور بين الصين وأفغانستان.
لكنها قد تستفيد أيضاً إذا تم ربط واخان بالممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني عبر ممرات جبلية تربط شمال باكستان بأفغانستان.
ولهذا توجد رؤيتان متنافستان:
- رؤية أفغانية: واخان بوابة مباشرة للصين من دون المرور بباكستان.
- رؤية باكستانية-صينية محتملة: دمج واخان ضمن شبكة أكبر مرتبطة بالممر الاقتصادي الصيني–الباكستاني.

ممر واخان يقع في قلب جبال بامير (الوكالة الأميركية للتنمية الدولية)
لا تصدقوا شائعات السيطرة على واخان
صحيفة «إكسبريس تريبيون» الباكستانية الناطقة بالإنجليزية تقدم وجهة نظر مختلفة، وتركز على شائعات تحدثت عن احتمال تحرك باكستان للسيطرة على الممر.
الكاتب يرفض هذه الفكرة ويرى أنها غير واقعية لعدة أسباب.
أولاً، يؤكد أن واخان أرض أفغانية تاريخياً وقانونياً.
ثانياً، المنطقة شديدة الوعورة ولا يمكن السيطرة عليها عسكرياً بسهولة، وستحتاج أي عملية من هذا النوع إلى قوات ضخمة وإمدادات مستمرة في بيئة تشبه في صعوبتها مرتفعات سياشين.
وثالثاً، فإن أي تحرك باكستاني من هذا النوع قد يفتح جبهة عسكرية جديدة مع أفغانستان ويضر بعلاقات إسلام آباد مع الصين وطاجيكستان وروسيا.
ولذلك يرى الكاتب أن تكلفة أي مغامرة عسكرية ستكون أكبر بكثير من مكاسبها المحتملة.
الأمن هو العقبة الأكبر أمام الصين
رغم الفرص الاقتصادية، تجمع المقالات على أن بكين لا تزال شديدة الحذر.
أكبر مخاوفها هو احتمال استخدام الممر من قبل جماعات مسلحة للوصول إلى شينجيانغ.
وتتحدث التقارير بصورة خاصة عن:
- داعش-خراسان ISKP.
- الحركة الإسلامية لتركستان الشرقية (وتعرف أيضاً بالحزب الإسلامي التركستاني) هي تنظيم مسلّح أسسه أشخاص من أقلية الويغور عام 1993 في منطقة شينجيانغ (تركستان الشرقية) بهدف الانفصال عن الصين وإقامة دولة إسلامية. تصنفها الصين وعدة دول كمنظمة إرهابية، بينما تباينت المواقف الدولية بشأنها عبر السنين
- شبكات تهريب المخدرات والجريمة المنظمة.
وقد تعرض مواطنون ومصالح صينية لهجمات في أفغانستان وباكستان وطاجيكستان خلال السنوات الأخيرة، ما جعل بكين أكثر تشدداً في مطالبة طالبان بضمان الأمن.
ولهذا تكرر الصين أن الأمن شرط مسبق للتنمية، وتدعو إلى زيادة الدوريات المشتركة والتعاون في مكافحة الإرهاب حول واخان.
هل الخطر الأمني كبير فعلاً؟
هنا يظهر اختلاف بين المصادر.
بعض المقالات تصف الجماعات المتشددة باعتبارها تهديداً حقيقياً يمكن أن يعرض العمال والمشاريع الصينية للخطر.
لكن مقال موقع بي إن إي إنتلي نيوز ينقل عن الباحثة نارغيزا أوماروفا قولها إن الخطر الذي تشكله الحركة الإسلامية لتركستان الشرقية على الصين قد يكون مبالغاً فيه، مستشهدة بتقديرات أممية تشير إلى أن عدد مقاتلي التنظيم محدود وقدراتهم ليست كبيرة بما يكفي لتهديد الصين بصورة مباشرة.
إذن، الخلاف ليس حول وجود الجماعات المسلحة، بل حول حجم الخطر الذي تمثله فعلاً ومدى استخدامه لتبرير إبقاء الحدود مغلقة.
ماذا يعني واخان لآسيا الوسطى؟
المشروع لا يخص أفغانستان والصين وحدهما.
إذا أصبح الطريق جزءاً من شبكة إقليمية أوسع، فقد تتحول أفغانستان تدريجياً من بلد كان يُنظر إليه باعتباره حاجزاً أمام التجارة إلى بلد عبور يربط آسيا الوسطى بجنوب آسيا والصين والشرق الأوسط.
وهذا يتزامن مع مشاريع أخرى تتقدم داخل أفغانستان، مثل:
- خط أنابيب الغاز TAPI.
- مشروع الكهرباء CASA-1000.
- خط السكة الحديدية العابر لأفغانستان الذي تدفع به أوزبكستان.
كما ارتفعت تجارة أفغانستان مع دول آسيا الوسطى، ما يعكس توجهاً إقليمياً متزايداً نحو دمجها اقتصادياً.
طاجيكستان قد تربح.. وقد تخسر
طاجيكستان من أكثر الدول التي يمكن أن تستفيد من فتح واخان.
فشبكة طرق حديثة عبر جبال بامير يمكن أن تمنحها منفذاً أسرع إلى باكستان وأفغانستان والصين، وتساعد المناطق الجبلية الفقيرة على جذب الاستثمار والتجارة.
لكن هناك أيضاً مخاطرة: إذا أصبحت التجارة الصينية الأفغانية تمر مباشرة عبر واخان، قد تتراجع أهمية بعض الطرق الحالية التي تمر عبر قيرغيزستان وأوزبكستان.
وقد يؤثر ذلك حتى في مشاريع ضخمة مثل خط سكة حديد الصين-قيرغيزستان-أوزبكستان.
وماذا عن إيران؟
إيران يمكن أن تكون من المستفيدين غير المباشرين الكبار.
فإذا ارتبط غرب أفغانستان بشبكة واخان، يمكن نظرياً أن تنشأ سلسلة برية تربط الصين بإيران عبر الأراضي الأفغانية.
وهذا قد يوفر طريقاً برياً جديداً بين اقتصادين كبيرين، ويمنح الصين طريقاً إضافياً نحو الخليج والمحيط الهندي.
لكن نجاح هذا المسار قد يعني في الوقت نفسه تجاوز أجزاء من آسيا الوسطى، ما قد يسبب خسائر للدول التي تعتمد على رسوم العبور.
الهند ترى تطوراً مقلقاً
موقع «يوراسيا ريفيو” ينظر إلى واخان من زاوية هندية واضحة، ويرى أن تحول الممر إلى شبكة نقل تقودها الصين قد يزيد تهميش الهند في آسيا الوسطى وأفغانستان.
الهند قريبة جغرافياً من المنطقة، لكنها لا تملك طريقاً برياً مباشراً إليها بسبب باكستان.
ومع توسع الحضور الصيني في شينجيانغ وأفغانستان وغيلغيت-بلتستان، يخشى الكاتب من تشكل حزام نفوذ صيني يمتد من غرب الصين إلى أفغانستان وباكستان.
ويعتبر أن ذلك قد يؤدي إلى:
- تراجع النفوذ الهندي في أفغانستان.
- صعوبة أكبر في الوصول إلى آسيا الوسطى.
- تعزيز النفوذ الصيني حول الحدود الشمالية للهند.
ماذا تستطيع الهند أن تفعل؟
حاولت نيودلهي تجاوز الجغرافيا عبر ميناء تشابهار الإيراني وممر النقل الدولي شمال-جنوب، كما استثمرت لسنوات في البنية التحتية الأفغانية.
لكن المقال يرى أن هذه الأدوات لم تمنح الهند وزناً يعادل النفوذ الذي تبنيه الصين.
ومع تقلص الوجود الهندي في طاجيكستان أيضاً، أصبحت الخيارات البرية لنيودلهي أكثر محدودية.
ومع ذلك، لا يعني ذلك أن الهند خرجت تماماً من الصورة؛ فطالبان نفسها بدأت تبعث رسائل أكثر إيجابية تجاه نيودلهي، ما يترك مساحة محدودة للدبلوماسية والاستثمار الإنساني والاقتصادي.
لماذا قد تكون مقاطعة سينلينغ الصينية مهمة؟
هنا تعود المقالات إلى نقطة البداية.
إنشاء المقاطعة الجديدة قرب الحدود الأفغانية قد يبدو مجرد تعديل إداري، لكن ذا دبلومات يراه احتمالاً لشيء أكبر: بكين تبني الآن مؤسسات إدارية وبنية أمنية في منطقة قد تصبح غداً بوابة تجارية.
فالطريق لم يُفتح بعد، ولا يوجد اتفاق صيني أفغاني نهائي، لكن الصين ربما تتحرك بأسلوبها المعتاد: خطوات صغيرة وتدريجية قبل الالتزام بمشروع أكبر.
ولهذا فإن المؤشرات التي ينبغي مراقبتها مستقبلاً هي:
- توسع البنية التحتية داخل سينلينغ.
- زيادة الدوريات المشتركة قرب الحدود.
- إنشاء مرافق جمركية أو لوجستية.
- توقيع اتفاق رسمي بين بكين وكابول بشأن واخان.
الصورة الأكبر
تجمع هذه التقارير على أن واخان قد ينتقل من هامش الخريطة إلى قلب لعبة الربط البري في أوراسيا.
أفغانستان تريد استخدامه لتقليل اعتمادها على باكستان. الصين ترى فيه مخرجاً محتملاً نحو أفغانستان والشرق الأوسط، لكنها تخشى المخاطر الأمنية. باكستان تخشى خسارة جزء من دورها كدولة عبور، لكنها قد تحاول دمجه مع الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني. دول آسيا الوسطى تبحث عن طرق جديدة إلى الأسواق والموانئ، بينما تخشى الهند اتساع نفوذ الصين من حولها.
لكن كل هذه الخطط تبقى حتى الآن أقرب إلى مشروع استراتيجي قيد التشكّل منها إلى واقع مكتمل. فالطريق صعب، والحدود الصينية لم تُفتح، والتوتر بين طالبان وباكستان مستمر، والمخاطر المسلحة لم تختف.
الخلاصة الأهم: إذا فُتح واخان فعلاً أمام التجارة واسعة النطاق، فلن يكون مجرد طريق جديد في جبال بامير؛ بل قد يعيد رسم جزء من خريطة التجارة والنفوذ بين الصين وأفغانستان وباكستان وآسيا الوسطى وإيران، وربما يحدد أيضاً من يكسب ومن يخسر من التحول نحو طرق التجارة البرية في أوراسيا.
المصادر/ مجلة ذا دبلومات- موقع “بي إن إي إنتلي نيوز” – «يوراسيا ريفيو”- «إكسبريس تريبيون»







