في ظهيرة 19 آب/ أغسطس 2003، دوّى انفجار هائل في فندق القناة شرقي بغداد، الذي كان يتخذه مقر الأمم المتحدة في العراق. لم يكن التفجير مجرد هجوم آخر في بلد خرج لتوه من الحرب؛ فقد قتل سيرجيو فييرا دي ميلو، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، إلى جانب 21 شخصاً آخرين، وغيّر الطريقة التي تنظر بها المنظمة الدولية إلى العمل الإنساني في مناطق الصراع.
كان دي ميلو، الدبلوماسي البرازيلي البالغ 55 عاماً، واحداً من أبرز وجوه الأمم المتحدة وأكثرها خبرة في التعامل مع الأزمات. أمضى أكثر من ثلاثة عقود متنقلاً بين مناطق الحروب والنزاعات، من بنغلادش وموزمبيق ولبنان وكمبوديا إلى كوسوفو وتيمور الشرقية. وفي 2002 أصبح مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، قبل أن يختاره الأمين االعام للأمم المتحدة آنذاك كوفي أنان لقيادة مهمة المنظمة في بغداد بعد غزو العراق عام 2003.
Rumbo a Guadalajara para participar en la instrumentación de la red de cátedras “Sergio Vieira de Mello” sobre asilo y refugio.
Mexico-Brasil pic.twitter.com/srcR5FYGHn— Letiche 🇲🇽 (@letichelius) October 11, 2024
مهمة قصيرة في أخطر مكان
وصل دي ميلو إلى العراق مطلع يونيو/حزيران 2003 في مهمة كان يفترض أن تستمر أربعة أشهر فقط. كانت مهمته شديدة الحساسية: مساعدة العراقيين في إعادة بناء مؤسسات الدولة وتقديم المساعدات الإنسانية، مع التعامل في الوقت نفسه مع سلطة الاحتلال التي تقودها الولايات المتحدة.
وبحسب الأمم المتحدة، جعل دي ميلو حقوق الإنسان واستعادة العراقيين سيادتهم الكاملة محوراً أساسياً لعمله. ورغم قدرته على بناء علاقة عمل مع المسؤولين الأميركيين، لم يُخفِ إدراكه لما يعنيه الاحتلال بالنسبة للعراقيين، واصفاً تلك المرحلة بأنها تجربة «مهينة» لشعب يرى قوات أجنبية في بلاده.
الشاحنة التي وصلت إلى فندق القناة
في 19 آب/ أغسطس 2003، وصلت شاحنة محملة بالمتفجرات إلى مقر الأمم المتحدة في فندق القناة وانفجرت، مدمرة أجزاء واسعة من المبنى. كان دي ميلو داخل مكتبه عندما وقع الانفجار، فحُوصر تحت الأنقاض.
عملت فرق الإنقاذ لساعات للوصول إليه وإلى آخرين. وكان الأكاديمي الأميركي جيل لوشير عالقاً بالقرب منه ونجا بعد إصابته بجروح بالغة، لكن دي ميلو توفي تحت الركام قبل إخراجه.
أعلنت الأمم المتحدة في الساعات الأولى مقتل 15 شخصاً وإصابة نحو 100، قبل أن ترتفع الحصيلة النهائية لاحقاً إلى 22 قتيلاً. وأصبح تفجير فندق القناة آنذاك أكثر هجوم دموية يستهدف موظفي الأمم المتحدة في تاريخ المنظمة.
من كان وراء الهجوم؟
بعد نحو عام، نشرت صحيفة الغارديان تقريراً عن شريط فيديو نسب تنفيذ التفجير الانتحاري إلى مسلح مصري يُدعى أبو فريدة المصري سبق له أن لعب الهوكي لنادٍ إيطالي بارز. ووفق الشريط، استُهدف دي ميلو بصورة خاصة بسبب أدواره السابقة في ملفات دولية، ولا سيما تيمور الشرقية ويوغوسلافيا السابقة.
وتشير روايات لاحقة إلى ارتباط الهجوم بتنظيم القاعدة في العراق. لكن المادة التي نشرتها الغارديان عام 2004 كانت تستند تحديداً إلى الشريط الذي حصلت عليه.
ضربة موجعة للأمم المتحدة
كان وقع مقتله شديداً على كوفي أنان، الذي قطع عطلته في أوروبا وعاد إلى مقر الأمم المتحدة في نيويورك. ووصف رحيل دي ميلو بأنه «ضربة موجعة للأمم المتحدة، ولي شخصياً»، معتبراً أن قتله لم يكن جريمة ضد المنظمة الدولية فحسب، بل ضد العراق أيضاً.
وفي نيويورك، نُكست أعلام الدول الأعضاء أمام مقر الأمم المتحدة، بينما عقد مجلس الأمن مشاورات طارئة وأكد أن الهجوم لن يوقف الجهود الدولية لمساعدة العراقيين.
Se você não sabe quem foi Sergio Vieira de Mello, não tem maneira melhor de saber do que em um filme com o Wagner Moura. Estreia dia 17 de abril. pic.twitter.com/m5ZwJoDuRP
— Netflix Brasil (@NetflixBrasil) January 15, 2020
دبلوماسي كان مرشحاً لما هو أكبر
لم يكن دي ميلو موظفاً أممياً تقليدياً. فقد اكتسب سمعة دبلوماسي يفضل الميدان والمفاوضات الصعبة على المكاتب، ونجح في إدارة المرحلة الانتقالية في تيمور الشرقية وصولاً إلى الاستقلال، وعمل في كوسوفو وكمبوديا ولبنان والسودان ومناطق أزمات أخرى.
وكان يُنظر إليه داخل الدوائر الدولية باعتباره شخصية مرشحة مستقبلاً للوصول إلى منصب الأمين العام للأمم المتحدة.
وبعد سنوات، تحولت حياته وموته إلى موضوع أفلام وكتب، من بينها فيلم سيرجيو الذي جسّد فيه الممثل البرازيلي فاغنر مورا شخصيته.
الهجوم الذي غيّر العمل الإنساني
لم تنته قصة فندق القناة بمقتل دي ميلو ورفاقه. فقد أصبح 19 آب/ أغسطس لاحقاً تاريخاً رمزياً للعاملين في المجال الإنساني، واعتمدته الأمم المتحدة يوماً عالمياً للعمل الإنساني.
وفي الذكرى العشرين للهجوم، قال الأمين العام أنطونيو غوتيريش إن تفجير بغداد غيّر الطريقة التي يعمل بها العاملون في المجال الإنساني. فبعده أصبحت حماية موظفي الإغاثة والمنظمات الدولية في مناطق النزاع قضية أكثر إلحاحاً.
بعد 23 عاماً، يبقى مشهد فندق القناة المدمّر واحداً من الصور التي تختصر بدايات المرحلة المضطربة التي أعقبت غزو العراق: دبلوماسي جاء إلى بغداد في مهمة تستغرق أربعة أشهر للمساعدة في إعادة بناء بلد خرج من الحرب، لكنه لم يغادرها حياً.








