أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
علوم وتقنية

حرارة قياسية وطقس متطرف.. هل تغيّر المناخ حقيقة أم مبالغة؟

حرارة قياسية وطقس متطرف.. هل تغيّر المناخ حقيقة أم مبالغة؟

يحاول مقال نيويورك تايمز، الذي أعدته الصحفية وعالمة الجيولوجيا جوليا روزن، الإجابة بطريقة مبسطة عن أكثر الأسئلة إثارة للجدل بشأن تغيّر المناخ: هل الكوكب يسخن فعلاً؟ هل البشر هم السبب؟ أليس هذا مجرد جزء من دورات طبيعية؟ وما الذي سيحدث إذا لم نتحرك؟


ويؤكد المقال أن العلم في هذا الملف أكثر رسوخاً مما توحي به النقاشات السياسية والإعلامية، وأن المشكلة الأساسية هي صعوبة التمييز بين الأدلة العلمية والمعلومات المضللة.

كيف نعرف أن الأرض تزداد حرارة؟

الفكرة، وفق المقال، لا تعتمد فقط على نماذج الكمبيوتر. العلماء يملكون سلسلة طويلة من الأدلة تبدأ بقياسات درجات الحرارة في محطات الطقس والسفن منذ منتصف القرن التاسع عشر، ثم أضيفت إليها قياسات الأقمار الصناعية والسجلات الجيولوجية.

والنتيجة التي تتفق عليها هذه المصادر هي أن الأرض تزداد حرارة. ويذكر المقال أن متوسط حرارة الكوكب ارتفع منذ عام 1880 بنحو 1.2 درجة مئوية، وأن اليابسة احترت أكثر من المحيطات، بينما شهد القطب الشمالي ارتفاعاً أكبر بكثير.

ولا تظهر الأدلة في ميزان الحرارة فقط. فالجليد والأنهار الجليدية تنكمش، ومستويات البحار ترتفع، والثلوج تذوب في الربيع في وقت أبكر، والنباتات تزهر مبكراً، كما تتحرك أنواع من الحيوانات نحو مناطق أبرد. وفي الوقت نفسه أصبحت بعض موجات الجفاف والفيضانات والحرائق أكثر تطرفاً.

وماذا عن المحيطات؟

هنا يشير المقال إلى نقطة مهمة قد تجعل الاحترار الذي نشعر به على اليابسة أقل من الصورة الكاملة.

فالمحيطات امتصت نحو 90% من الحرارة الزائدة التي احتجزتها غازات الدفيئة، ولذلك فإن قياس حرارة سطح الأرض وحده لا يكشف الحجم الحقيقي للطاقة التي تراكمت داخل النظام المناخي.
رسم بياني يوضح أدلة تغير المناخ، أسبابه البشرية، الإجماع العلمي حوله، والتكاليف الاقتصادية للتحرك أو التجاهل.

هل يتفق العلماء بالفعل؟

بحسب الدراسات التي يستشهد بها المقال، هناك إجماع واسع للغاية بين المتخصصين في علوم المناخ على أمرين: الكوكب يزداد حرارة، والنشاط البشري هو السبب الرئيسي وراء الاحترار الحالي.

ويشير المقال، وفق البيانات المتاحة عند نشره في 2021، إلى أن أكثر من 97% من علماء المناخ الذين ينشرون أبحاثاً في المجال يتفقون على وجود تغيّر المناخ وأسبابه البشرية. كما تتبنى المؤسسات العلمية الكبرى مثل ناسا والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية هذا الاستنتاج.

أما الاعتقاد بأن العلماء ما زالوا منقسمين بالتساوي بشأن القضية، فيربطه المقال جزئياً بحملات سياسية وإعلامية سعت إلى تضخيم صورة الخلاف العلمي.

لدينا قياسات منذ نحو 150 عاماً فقط.. فكيف نعرف ما حدث قبل ذلك؟

صحيح أن سجلات درجات الحرارة المباشرة تمتد أساساً إلى أواخر القرن التاسع عشر، لكن العلماء لا يعتمدون عليها وحدها.

فهم يستخدمون ما يشبه أرشيفاً طبيعياً للمناخ: حلقات الأشجار، ولبّ الجليد المستخرج من غرينلاند والقارة القطبية، والشعاب المرجانية والرواسب.

وعندما تُجمع هذه الأدلة، تظهر صورة واضحة: درجات الحرارة بقيت ضمن نطاق مستقر نسبياً لقرون طويلة، ثم ارتفعت بشدة خلال السنوات الـ150 الأخيرة. ويقول المقال إن الأدلة تشير إلى أن الأرض أصبحت أكثر حرارة مما كانت عليه منذ ألف عام على الأقل، وربما منذ فترة أطول بكثير.

لكن كيف يعرف العلماء أن البشر هم السبب؟

درس الباحثون الأسباب الطبيعية المعروفة لتغير المناخ، وأبرزها:

  • التغير في نشاط الشمس.
  • النشاط البركاني.
  • تغيرات دوران المحيطات.
  • تغير تركيز غازات الدفيئة.

لكن عندما تُقارن هذه العوامل بما حدث منذ منتصف القرن العشرين، لا يستطيع نشاط الشمس أو البراكين تفسير الارتفاع السريع في درجات الحرارة.

بل إن نشاط الشمس انخفض في جزء من الفترة التي ازداد فيها الاحترار، بينما تؤدي الانفجارات البركانية الكبرى عادة إلى تبريد مؤقت للكوكب وليس تسخينه. ولذلك يخلص المقال إلى أن الارتفاع الكبير في غازات الدفيئة الناتجة عن حرق الفحم والنفط والغاز هو التفسير الذي يتوافق مع الأدلة.

بصمة الوقود الأحفوري موجودة في الهواء

من الأدلة اللافتة التي يشرحها المقال أن العلماء يستطيعون حتى معرفة مصدر الكربون الموجود في الغلاف الجوي.

فالوقود الأحفوري يمتلك بصمة كيميائية مميزة في نظائر الكربون. والتغير الذي رصده العلماء في نسب هذه النظائر يتطابق مع زيادة حرق الفحم والنفط والغاز، ما يقدم دليلاً مستقلاً على أن الزيادة في ثاني أكسيد الكربون مصدرها النشاط البشري.

إذا كان ثاني أكسيد الكربون طبيعياً، فلماذا أصبح مشكلة؟

وجود غازات الدفيئة بحد ذاته أمر طبيعي وضروري للحياة؛ فلولاها لكانت الأرض شديدة البرودة.

المشكلة هي الكمية الإضافية التي يضيفها البشر بسرعة كبيرة إلى الغلاف الجوي.

ويشرح المقال أن جزيئات غازات الدفيئة تمتص جزءاً من الحرارة التي تحاول الأرض إشعاعها إلى الفضاء ثم تعيد جزءاً منها نحو السطح، وهو مبدأ فيزيائي معروف منذ القرن التاسع عشر.

وبحسب بيانات المقال، ارتفع تركيز ثاني أكسيد الكربون من نحو 280 جزءاً في المليون قبل الثورة الصناعية إلى أكثر من 420 جزءاً في المليون في الفترة التي تناولها التقرير.

أليس تغيّر المناخ ظاهرة طبيعية حدثت سابقاً؟

نعم، مناخ الأرض تغير باستمرار عبر التاريخ الجيولوجي. فقد مرت الأرض بعصور جليدية وفترات أكثر دفئاً بكثير.

لكن المقال يقول إن وجود تغيرات طبيعية في الماضي لا يعني أن التغير الحالي طبيعي.

فالعلماء يعرفون الأسباب التي قادت إلى كثير من التحولات القديمة، ومنها التغيرات البطيئة في مدار الأرض أو نشاط الشمس أو البراكين. أما الاحترار الحالي فيحدث بسرعة وبالتزامن مع الارتفاع الحاد في غازات الدفيئة الناجمة عن الأنشطة البشرية.

إذا كان العالم يسخن، فلماذا نشهد أحياناً برداً وعواصف ثلجية؟

لأن الطقس ليس هو المناخ.

يمكن أن تشهد مدينة عاصفة ثلجية شديدة خلال عام يواصل فيه متوسط حرارة العالم الارتفاع. ويشير المقال إلى أن أيام الحرارة القياسية أصبحت أكثر من أيام البرد القياسية، حتى مع استمرار حدوث موجات برد قاسية من وقت إلى آخر.

كما أن تغيّر المناخ قد يغير أنماط دوران الغلاف الجوي والمحيطات، ما يجعل بعض المناطق تشهد تأثيرات مختلفة أو حتى فترات برد مؤقتة.

ماذا عن الحرائق والأعاصير والفيضانات؟

المقال لا يقول إن تغيّر المناخ «يخلق» كل حريق أو عاصفة، فهذه الظواهر كانت موجودة دائماً.

لكن الاحترار يمكن أن يغيّر الاحتمالات والشدة؛ فارتفاع الحرارة يزيد الجفاف في بعض المناطق ويجفف النباتات، ما يوفر وقوداً أكبر للحرائق. كما أن الهواء الأكثر دفئاً يستطيع حمل كميات أكبر من بخار الماء، الأمر الذي يمكن أن يزيد شدة الأمطار في بعض العواصف.

لذلك أصبح علماء المناخ قادرين بصورة متزايدة على دراسة ما إذا كان تغير المناخ جعل حدثاً متطرفاً معيناً أكثر احتمالاً أو أكثر شدة.

من سيدفع الثمن الأكبر؟

لن تتوزع الأضرار بالتساوي.

يشير المقال إلى أن المجتمعات الأكثر فقرا أكثر عرضة للمخاطر لأنها تمتلك قدرة أقل على التكيف: من لا يستطيع تحمل تكلفة التكييف أو الانتقال أو إصلاح منزله بعد كارثة سيكون أكثر عرضة للضرر.

حتى داخل الدول الغنية، يُتوقع أن تكون الفئات ذات الدخل المنخفض أكثر تأثراً، بينما يمكن أن يؤدي تغيّر المناخ عالمياً إلى زيادة الهجرة ومخاطر أزمات الغذاء وانتشار بعض الأمراض التي تحملها الحشرات، وأن يعمل باعتباره «مضاعفاً للتهديدات» في النزاعات.

أيهما أغلى: مواجهة التغير المناخي أم تجاهله؟

هذه واحدة من أهم خلاصات المقال.

التحول إلى اقتصاد منخفض الكربون سيكلف أموالاً ضخمة، من الطاقة المتجددة إلى السيارات الكهربائية والبنية التحتية والتكيف مع ارتفاع مستوى البحر والحرارة.

لكن الفكرة القائلة إن البديل هو «عدم دفع شيء» خاطئة؛ لأن عدم التحرك له فاتورة أيضاً: خسائر في الممتلكات والبنية التحتية، وتراجع الإنتاج الزراعي، ومشكلات صحية، وتراجع الإنتاجية، وندرة المياه، وارتفاع تكاليف الطاقة.

ووفق التقديرات التي أوردها المقال آنذاك، قد يكلف ارتفاع الحرارة بمقدار درجتين مئويتين الاقتصاد العالمي عشرات التريليونات من الدولارات بحلول نهاية القرن. كما أشارت دراسات إلى أن التغير المناخي كان قد خفض إنتاجية الزراعة العالمية بنحو 21% منذ عام 1961، وأن الكوارث المرتبطة بالمناخ في الولايات المتحدة وحدها أحدثت أضراراً قاربت 100 مليار دولار في 2020.

لماذا يقول اقتصاديون إن التحرك الآن أرخص؟

لأن التأخير يجعل المهمة أكثر تكلفة.

ويورد المقال تحليلاً خلص إلى أن الوصول إلى صافي انبعاثات صفري في الولايات المتحدة بحلول 2050 قد يكلف تقريباً ضعف المبلغ إذا تأخر التحرك حتى 2030 مقارنة بالبدء مبكراً.

كما قد تحمل مكافحة التغير المناخي فوائد إضافية: تقليل تلوث الهواء، وإنقاذ أرواح، وربما خلق وظائف جديدة وتحفيز قطاعات اقتصادية مرتبطة بالطاقة النظيفة.

الخلاصة 

الحجة الأساسية في تقرير نيويورك تايمز ليست أن العلماء يستطيعون التنبؤ بكل تفصيل في مناخ المستقبل، بل أن الأسئلة الكبرى حُسمت بدرجة عالية من الثقة العلمية:

الأرض تزداد حرارة، والاحترار الحالي لا يمكن تفسيره بالشمس أو البراكين أو الدورات الطبيعية وحدها، والدليل الأقوى يشير إلى أن زيادة غازات الدفيئة الناتجة عن النشاط البشري هي العامل الرئيسي.

أما مقدار الضرر في المستقبل، فليس رقماً ثابتاً. كلما ارتفعت الانبعاثات ارتفعت الحرارة والأضرار، وكلما تحرك العالم مبكراً أمكن تقليل جزء أكبر من الخسائر.

وهنا تكمن الرسالة الأهم في المقال: السؤال لم يعد فقط «هل تغير المناخ حقيقي؟» بل أصبح «إلى أي حد سنسمح له بأن يتفاقم، وكم سندفع إذا تأخرنا؟»

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.