من زقورة أور ومدن سومر القديمة إلى مواقع كردستان والأهوار الجنوبية، لا تزال أرض العراق تقدم اكتشافات تغير فهم العالم لبدايات المدن والكتابة والإدارة والحياة الاجتماعية.
لكن مقالاً في موقع “ذا كونفرسيشن”، شارك في كتابته جعفر الجوذري، أستاذ آثار المشهد الطبيعي في جامعة القادسية والمرتبط أيضاً بجامعة دورهام، وكلوديا غلاتز أستاذة الآثار في جامعة غلاسكو، ودانيال كالدربانك المحاضر الأول في الآثار بجامعة غلاسكو، يلفت إلى مفارقة لافتة: بينما يحتل العراق قلب قصة الحضارة الإنسانية، لا يزال كثير من علمائه ومؤسساته بعيدين عن مركز القرار في الأبحاث التي تُجرى عن تراث بلدهم.
خلال السنوات الأخيرة، احتفل علماء آثار حول العالم بمرور مئة عام على عدد من أهم الاكتشافات الأثرية في العراق. ومن أبرزها التنقيبات في مدينة أور القديمة، التي غيرت فهم الباحثين لنشوء المدن الأولى والتجارة بعيدة المدى والقبور الملكية وطقوس الدفن، إلى جانب قرن من الدراسات المتعلقة بـفترة جمدة نصر، وهي مرحلة حاسمة في تطور بعض أقدم أنظمة الإدارة والكتابة في التاريخ.
وترى المقالة أن هذه المحطات تؤكد أن آثار بلاد ما بين النهرين لا تزال ذات تأثير هائل في دراسة الحضارة الإنسانية، وأن العراق لم يتحول إلى مجرد «موقع أثري من الماضي»، بل ما زال يقدم بيانات وأفكاراً جديدة للباحثين.
ومن الأمثلة الحديثة أعمال التنقيب في موقع شاخي كورا في إقليم كردستان العراق، التي قادتها جامعة غلاسكو وأسهمت في تقديم تصورات جديدة عن نشأة المؤسسات العامة الأولى، وكيف تطورت ثم انهارت.
وفي جنوب العراق، تسعى مشاريع أخرى إلى فهم العلاقة الطويلة بين السكان والبيئة، ولا سيما الأهوار التي تتراجع مساحاتها سريعاً بفعل التغيرات البيئية.

المشكلة ليست في الاكتشافات.. بل فيمن يروي قصتها
تقول المقالة إن النقاش الدولي حول آثار العراق ظل لعقود أسيراً لصورة «الكارثة والإنقاذ».
فمن نهب المتاحف والمواقع عقب الغزو الأميركي عام 2003، إلى الدمار الذي ألحقه تنظيم «داعش» بالمواقع الأثرية، ركزت التغطيات والمشاريع الدولية غالباً على فكرة أن التراث العراقي مهدد وأن المؤسسات الخارجية تأتي لإنقاذه.
ولا تنكر المقالة حقيقة تلك الكوارث، لكنها ترى أن هذه الصورة صنعت مشكلة أخرى: فقدمت علماء الآثار العراقيين في كثير من الأحيان باعتبارهم متلقين للمساعدة والخبرة، لا شركاء متساوين في تحديد الأسئلة العلمية وصياغة اتجاهات البحث.
وحتى اليوم، بحسب المقال، لا يزال علماء الآثار العراقيون ممثلين بصورة أقل من اللازم داخل المؤسسات والهيئات التي تحدد أولويات البحث وتفسيرات نتائجه، فيما تُدار نسبة كبيرة من المشاريع المتعلقة بالعراق من خارج البلاد.
من يقرر ماذا نبحث في تاريخ العراق؟
هذا السؤال كان محور ورشة عقدت في غلاسكو في مايو/أيار 2025، جمعت 20 من علماء الآثار والمتخصصين بالتراث من العراق وإقليم كردستان مع باحثين دوليين.
لم تقتصر المناقشات على الحفريات والمواقع، بل شملت مشكلات التضليل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومشاركة النساء في العمل الأثري، وتأثير تغير المناخ في المواقع الأثرية والمجتمعات المحلية.
لكن السؤال الذي ظل يتكرر كان بسيطاً وحساساً في الوقت نفسه: من يملك حق تحديد أولويات علم الآثار في العراق؟
وترى المقالة أن مجرد إعطاء علماء الآثار العراقيين مساحة لتحديد القضايا التي يرونها ملحة يمثل تحولاً عن نموذج قديم كانت فيه أجندات البحث تُصاغ في الخارج ثم تُطبق داخل العراق.
مفارقة النساء في علم الآثار
تكشف المقالة عن مفارقة واضحة في التعليم والعمل الميداني.
ففي جامعة القادسية بالديوانية، تشكل النساء نحو 70% من طلبة علم الآثار، لكن حضورهن في فرق التنقيب العراقية لا يتجاوز تقريباً 2%، بينما لا تزيد نسبتهن في المواقع القيادية الأكاديمية على نحو 15%.
ولا تنظر المقالة إلى المسألة بوصفها مجرد قضية تمثيل عددي، بل تسأل عما إذا كان تنوع الباحثين يمكن أن يغير نوع الأسئلة التي يطرحها علم الآثار نفسه.
فزيادة مشاركة النساء، على سبيل المثال، قد تدفع إلى اهتمام أكبر بتاريخ العمل والرعاية والعلاقات الاجتماعية والحياة اليومية والمجتمعات القديمة، بدلاً من التركيز التقليدي شبه الدائم على الملوك والمعابد والدول والحروب.
أي أن تنوع من يقوم بالتنقيب قد يؤدي أيضاً إلى تنوع ما نبحث عنه في الماضي.

آثار مهددة بالمناخ
وتوسع المقالة مفهوم «التراث» ليتجاوز حماية الأبنية واللقى الأثرية.
فالعراق من الدول شديدة التأثر بالتغير البيئي، مع ارتفاع درجات الحرارة والعواصف الترابية الحادة وشح المياه وزيادة ملوحة التربة وتدهور النظم البيئية.
ولا تهدد هذه الظواهر المواقع الأثرية فقط، بل أيضاً المجتمعات التي تعتمد على الأهوار والينابيع والأراضي الرطبة.
ومن هنا، بدأ بعض الباحثين ينظرون إلى علم الآثار بطريقة مختلفة: ليس بوصفه وسيلة لاستعادة الماضي فقط، وإنما أداة لفهم كيفية تكيف المجتمعات القديمة مع بيئات متغيرة، وما الذي يمكن أن نتعلمه من علاقتها بالمياه والأرض والموارد لمواجهة أزمات الحاضر.
وبهذا المعنى، قد تساعد دراسة الماضي العراقي في تصور مستقبل أكثر استدامة.
تغيير بطيء لكنه مهم
وبحسب روزين محمد أمين، رئيسة منظمة التراث الثقافي في إقليم كردستان العراق، كان من أهم نتائج لقاء غلاسكو أنه جمع أشخاصاً غالباً ما تفصل بينهم الانقسامات السياسية والمؤسساتية.
وخلال أشهر من الورشة، رُقيت امرأتان إلى مناصب عليا في جامعة القادسية، كما تحدث المشاركون عن تحسن التواصل بين الجامعات العراقية والهيئة العامة للآثار والتراث.
قد تبدو هذه التطورات صغيرة مقارنة باكتشاف مقبرة ملكية أو مدينة أثرية جديدة، ولا تحظى عادة بالعناوين الكبرى، لكن المقالة ترى أنها ربما تكون بالقدر نفسه من الأهمية لمستقبل علم الآثار في العراق.
فالرهان لم يعد فقط على اكتشاف ما تركه السومريون والبابليون والآشوريون، بل أيضاً على من سيكتشفه، ومن سيحدد الأسئلة، ومن سيكتب الرواية العلمية عن هذا الماضي.
وتخلص المقالة إلى مفارقة عميقة: العراق منح العالم بعض أهم الأدلة على بدايات الكتابة والمدن والدولة والإدارة، لكن علماءه ما زالوا بحاجة إلى مساحة أكبر ليكونوا في قلب البحث الذي يفسر هذا الإرث.
وبكلمات أخرى، فإن إعادة التوازن إلى علم الآثار العراقي قد تكون الاكتشاف الأهم القادم؛ ليس تحت الأرض هذه المرة، بل داخل المؤسسات التي تقرر كيف نفهم تاريخ الحضارة نفسها.










