العلم يقتحم عالم الأساطير.. هل كُشف أخيراً سر “طريق العمالقة” الشهير؟
واحدة من أشهر الأساطير الأوروبية نسجت حول طريق العمالقة
لآلاف السنين، حيّرت أعمدة “طريق العمالقة” الحجرية في أيرلندا الشمالية العلماء والزوار على حد سواء، حتى نسجت حولها واحدة من أشهر الأساطير الأوروبية التي تقول إن عملاقاً أيرلندياً شيدها ليعبر البحر ويقاتل خصمه الإسكتلندي.
لكن دراسة علمية جديدة قد تكون اقتربت أكثر من كشف الحقيقة، مقدمة تفسيراً جيولوجياً مذهلاً لا يقل إثارة عن الأسطورة نفسها، ويربط هذا المعلم الطبيعي بانفجارات بركانية هائلة غيّرت شكل شمال المحيط الأطلسي قبل نحو 60 مليون عام.

أسطورة عمرها قرون
تقول الحكاية الشعبية إن العملاق الأيرلندي “فين ماكول” بنى جسراً حجرياً عبر البحر للوصول إلى إسكتلندا ومواجهة العملاق “بيناندونر”.
وبفضل الشكل الهندسي المذهل للموقع، الذي يتكون من آلاف الأعمدة الحجرية المتشابكة، بدت الأسطورة لقرون أقرب إلى الخيال الذي يصعب دحضه.
العلم يقدم تفسيراً جديداً
لكن دراسة حديثة نشرتها مجلة “جيولوجي” وأعدها باحثون من هيئة المسح الجيولوجي البريطانية وهيئة المسح الجيولوجي لأيرلندا الشمالية، تشير إلى أن هذه الأعمدة ليست من صنع العمالقة، بل نتاج نشاط بركاني ضخم.
واعتمد العلماء على تقنيات حديثة لتحديد عمر الصخور، ما سمح بإعادة رسم التسلسل الزمني لتشكل الموقع.
تكوّن أسرع مما كان يُعتقد
الدراسات السابقة كانت تفترض أن تكوين “طريق العمالقة” استغرق نحو 13.5 مليون سنة.
أما التحليل الجديد فيقترح أن العملية استغرقت نحو 5.5 ملايين سنة فقط، أي أقل بكثير من التقديرات السابقة.
ويربط الباحثون تشكل الموقع بسلسلة من الانفجارات البركانية العملاقة التي أثرت في مناطق واسعة من أيرلندا وإسكتلندا وغرينلاند وشمال الأطلسي القديم.
حين كانت القارات مختلفة
في ذلك الزمن السحيق، لم تكن غرينلاند قد انفصلت تماماً عن الجزر البريطانية، وكان المحيط الأطلسي الشمالي في بداية تشكله.
وأدت الحركات البركانية الهائلة إلى خروج كميات ضخمة من الحمم البركانية، التي لعبت دوراً أساسياً في رسم ملامح القارات كما نعرفها اليوم.
سر الأعمدة السداسية
أما الأعمدة الحجرية الشهيرة، فيقول العلماء إنها تشكلت عندما بردت طبقات ضخمة من الحمم البركانية وانكمشت تدريجياً.
ومع تراكم الضغوط داخل الصخور، بدأت تتشقق وفق أنماط هندسية متكررة تعرف باسم “المفاصل العمودية”، ما أدى إلى ظهور الأعمدة الشهيرة.
ورغم أن معظمها سداسي الأضلاع، فإن بعضها يتكون من أربعة أو خمسة أو سبعة أضلاع، بل وأكثر في بعض الحالات، ما يؤكد أنها نتاج عمليات طبيعية وليست تصميماً مثالياً.

ظاهرة عالمية وليست فريدة
يشير الباحثون إلى أن هذه الظاهرة ليست محصورة في أيرلندا الشمالية، إذ يمكن رؤية تشكيلات مشابهة في أماكن مختلفة حول العالم، أشهرها نصب “برج الشيطان” الصخري في ولاية وايومنغ الأميركية.

الحقيقة لا تقل إثارة عن الأسطورة
ورغم أن التفسير العلمي قد يبدد قصة العملاق “فين ماكول” الذي قذف الصخور في البحر لتحدي خصمه، فإن العلماء يرون أن الحقيقة لا تقل روعة.
ففكرة أن انفجارات بركانية هائلة استطاعت، عبر ملايين السنين، نحت نحو 40 ألف عمود بازلتي متشابك بهذه الدقة الهندسية، تجعل الطبيعة نفسها بطلة لقصة أسطورية تستحق أن تُروى.
وبينما قد يخسر عالم الأساطير إحدى أشهر حكاياته، يكسب العلم دليلاً جديداً على أن كوكب الأرض قادر على صنع عجائب تفوق الخيال.
حول هذه القصة
وفاة "العنكبوت اليمني" تكشف عن الوجه الآخر لثقافة المغامرات الخطرة التي تنتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي