النظام العالمي الجديد .. من روزفلت الى ترامب!

أبريل 24, 2026
88

الرئيس فرانكلين د. روزفلت ووينستون تشرشل خلال الاجتماع الذي أفضى إلى "ميثاق الأطلسي"، الذي أُستُبدِل فيما بعد بنظام "بريتون وودز

جبار جعفر

لقد أُسِّس “نظام العالم الجديد” —الذي يُشار إليه عادةً بالنظام الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية— بصفةٍ أساسيةٍ على يد الولايات المتحدة، بالتعاون مع شركائها من الحلفاء، وفي مقدمتهم المملكة المتحدة.

وقد شُيِّد هذا النظام على سلسلةٍ من المؤسسات والاتفاقيات متعددة الأطراف، التي صُمِّمت بهدف الحيلولة دون نشوب صراعٍ عالميٍ آخر، وتحقيق الاستقرار في الاقتصاد العالمي.

من هم المهندسون الرئيسيون للنظام؟

  • الولايات المتحدة: بصفتها القوة الاقتصادية والعسكرية المهيمنة في عام ١٩٤٥، قادت عملية صياغة وتصميم النظام الجديد. وكان من أبرز الشخصيات الفاعلة في هذا السياق كلاً من الرئيس فرانكلين د. روزفلت (صاحب الرؤية الأولية)، والرئيس هاري س. ترومان (المسؤول عن التنفيذ)، ووزير الخارجية جورج س. مارشال.
  • المملكة المتحدة: على الرغم من حالة الضعف التي كانت تمر بها، فقد اضطلعت المملكة المتحدة بدور الشريك الثانوي في هذه المفاوضات، حيث لعب الاقتصادي جون ماينارد كينز دوراً محورياً في صياغة التصميم الاقتصادي للنظام.
  • دول الحلفاء الأخرى: شارك ممثلون عن ٤٤ دولة في مؤتمر “بريتون وودز” التأسيسي، وذلك بهدف التوافق على القواعد النقدية الجديدة.

الأركان الأساسية للنظام العالمي

  • الأمم المتحدة (UN): تأسست عام ١٩٤٥ بهدف صون السلم والأمن الدوليين، لتحل محل “عصبة الأمم” التي مُنيت بالفشل.
  • نظام بريتون وودز: أدى إلى إنشاء صندوق النقد الدولي (IMF) والبنك الدولي، وذلك لإدارة الشؤون المالية العالمية وعمليات إعادة الإعمار. كما رسّخ هذا النظام الدولار الأمريكي باعتباره العملة الاحتياطية الرئيسية في العالم، وجعله مرتبطاً بسعر الذهب.
  • مشروع مارشال: برنامج مساعدات أمريكي ضخم وقّعه الرئيس “ترومان” عام ١٩٤٨، بهدف إعادة بناء اقتصادات دول أوروبا الغربية والحيلولة دون انتشار الشيوعية.
  • حلف الناتو (NATO): تحالف عسكري تشكّل عام ١٩٤٩ لتوفير الأمن الجماعي للدول الغربية في مواجهة الاتحاد السوفيتي.
  • الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة (GATT): تأسست عام ١٩٤٨ (وتُعرف حالياً باسم منظمة التجارة العالمية – WTO) بهدف الحد من الحواجز التجارية وتعزيز حركة التجارة العالمية.

تاريخ الاحتياطي الفيدرالي

وعلى الرغم من أن الاتحاد السوفيتي كان طرفاً منتصراً في الحرب وعضواً مؤسساً في الأمم المتحدة، إلا أنه اختار في نهاية المطاف النأي بنفسه عن الأنظمة الاقتصادية العالمية – كنظام بريتون وودز – مما أدى إلى انقسام العالم إلى كتلتين: الكتلة الغربية والكتلة الشرقية، وذلك إبان حقبة الحرب الباردة.

صُمم النظام العالمي الذي أعقب الحرب العالمية الثانية لضمان ألا تتكرر أبداً حالات اليأس الاقتصادي والعدوان العسكري التي سادت في ثلاثينيات القرن العشرين.

الجوانب الاقتصادية: الاستقرار والتكامل

صُمم النظام الاقتصادي للابتعاد عن النزعة القومية القائمة على مبدأ “المجموع الصفري” (حيث مكسب طرف يعني خسارة طرف آخر)، والتحول بدلاً من ذلك نحو نموذج تعود فيه التجارة الدولية بالنفع على جميع الدول المشاركة.

مؤسسة هوفر

  • نظام بريتون وودز (١٩٤٤): أسس هذا النظام صندوق النقد الدولي (IMF) لإدارة أسعار الصرف، والبنك الدولي لتقديم القروض اللازمة لإعادة الإعمار. وبذلك أصبح الدولار الأمريكي العملة الاحتياطية للعالم، حيث رُبط بسعر الذهب عند ٣٥ دولاراً للأوقية، مما وفر ركيزة مستقرة للتجارة العالمية.
  • خطة مارشال (١٩٤٨): عُرفت رسمياً باسم “برنامج التعافي الأوروبي”، وقدمت الولايات المتحدة بموجبها أكثر من ١٣ مليار دولار (ما يعادل نحو ١٨٠ مليار دولار بأسعار اليوم) لست عشرة دولة في أوروبا الغربية. ولم تكن هذه المساعدات مجرد عمل خيري؛ بل اشترطت على الدول الأوروبية تنسيق جهود التعافي فيما بينها، مما أرسى الأسس لقيام الاتحاد الأوروبي.
  • تحرير التجارة: جرى خفض متوسط ​​التعريفات الجمركية على المنتجات الصناعية بشكل حاد، إذ انخفضت من نحو ٤٠٪ في عام ١٩٤٧ إلى حوالي ٥٪ بحلول عام ٢٠١٦، مدفوعةً في ذلك بـ “الاتفاقية العامة للتعريفات والتجارة” (GATT). وقد ساعد هذا الانفتاح الولايات المتحدة وحلفاءها على عيش “عصر ذهبي” من النمو الاقتصادي.

الجوانب العسكرية: الأمن الجماعي والاحتواء

تحولت الاستراتيجية العسكرية من سياسة العزلة إلى نظام تحالف دائم ومتكامل تقوده الولايات المتحدة.

  • حلف الناتو (١٩٤٩): أرست منظمة حلف شمال الأطلسي مبدأ الدفاع الجماعي (الذي يقضي بأن أي هجوم على دولة واحدة يُعد هجوماً على الجميع). كما وضعت أوروبا الغربية تحت “المظلة النووية” الأمريكية، مما ساهم في ردع العدوان السوفيتي من خلال عقيدة “الرد الانتقامي الشامل”.
  • مبدأ ترومان: أُعلن عن هذه السياسة في عام ١٩٤٧، وتعهدت الولايات المتحدة بموجبها بدعم “الشعوب الحرة” التي تقاوم محاولات إخضاعها من قِبَل أقليات مسلحة أو ضغوط خارجية؛ مستهدفةً بذلك تحديداً انتشار الشيوعية في اليونان وتركيا.
  • الاحتواء: أصبح هذا المبدأ هو الهدف الاستراتيجي الشامل، والقاضي بمنع تمدد النفوذ السوفيتي إلى ما وراء “الستار الحديدي” من خلال مزيج يجمع بين الوجود العسكري والقوة الاقتصادية.
  • الاستخبارات والحضور العالمي: لدعم هذا النظام، أعادت الولايات المتحدة هيكلة قواتها العسكرية والاستخباراتية (حيث أنشأت وكالة الاستخبارات المركزية – CIA – في عام ١٩٤٧)، ويُذكر أن نحو ٥٪ من أموال “خطة مارشال” قد خُصصت للأنشطة الاستخباراتية في الخارج.

المنافسة مع الكتلة الشرقية السوفيتية (١٩٤٥-١٩٩١)

بينما كانت الولايات المتحدة تبني “الكتلة الغربية”، أسس الاتحاد السوفيتي نظاماً منافساً في وسط وشرق أوروبا، يفصل بينهما ما أسماه ونستون تشرشل “الستار الحديدي”.

  • التنافس العسكري: رداً على حلف الناتو، شكّل السوفييت “حلف وارسو” في عام ١٩٥٥. وقد أدى ذلك إلى خلق عالم “ثنائي القطب” حُوفظ فيه على السلام من خلال مبدأ “الدمار المتبادل المؤكد” (MAD)؛ وهي الفكرة القائلة بأن نشوب حرب نووية سيؤدي إلى الفناء التام لكلا الجانبين.
  • التنافس الاقتصادي: رفض السوفييت “مشروع مارشال” وأنشأوا منظمة “الكوميكون” (مجلس المساعدة الاقتصادية المتبادلة) لتنسيق الاقتصادات المخطط لها مركزياً في الدول الشيوعية.
  • الحروب بالوكالة: ونظراً لأن الصراع المباشر كان ينطوي على خطورة بالغة، تنافست القوى العظمى من خلال حروب بالوكالة في مناطق مثل كوريا وفيتنام وأفغانستان، وكذلك من خلال “سباق الفضاء” لإثبات التفوق التكنولوجي.

التطورات في القرن الحادي والعشرين

أدى انهيار الاتحاد السوفيتي في عام ١٩٩١ إلى جعل الولايات المتحدة، لفترة وجيزة، القوة العظمى الوحيدة في العالم؛ غير أن هذا النظام يواجه الآن تحولات جوهرية.

  • صعود التعددية القطبية: يتحول النظام العالمي مبتعداً عن الهيمنة الأمريكية، مع بروز الصين وروسيا والهند كجهات فاعلة عالمية رئيسية. ويُنظر إلى مبادرة “الحزام والطريق” الصينية باعتبارها بديلاً عصرياً لنماذج التنمية التي تقودها الدول الغربية.
  • الضغوط المؤسسية: تعاني العديد من المؤسسات التي أُنشئت في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية -مثل الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية- في سبيل التصدي للتحديات المعاصرة، كالتغير المناخي، والأوبئة، وصعود الذكاء الاصطناعي.
  • تهديدات أمنية جديدة: تتعرض التحالفات العسكرية التقليدية لاختبارات صعبة بفعل فاعلين من غير الدول، والحرب السيبرانية، وتآكل المعايير الدولية المتعلقة بالسلامة الإقليمية؛ وهو ما تجلى بوضوح في الصراع الدائر حالياً في أوكرانيا.
  • الجنوب العالمي: لم تعد الدول التي نالت استقلالها في حقبة ما بعد الاستعمار مجرد “مشاركين” سلبيين، بل أصبحت تعمل الآن بصفتها “جهات فاعلة ونشطة”، مطالبةً بالمزيد من القوة التصويتية والإصلاحات داخل مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

سياسة ترامب في تقويض النظام العالمي

ان الإجراءات التي اتخذها ترامب خلال السنة الأولى من ولايته الثانية التي بدأت في يناير/كانون الثاني ٢٠٢٥، دفعت النقاد والمحللون الدوليون إلى الإشارة الى أن سياسات الرئيس ترامب القائمة على مبدأ “أمريكا أولاً” قد تلحق ضرراً بالنظام الدولي، وذلك عبر تحويله من نظام قائم على القواعد إلى نظام تُحدده القوة القائمة على الصفقات والنهج الأحادي.

إضعاف المؤسسات الدولية

لقد اتخذ ترامب خطوات لسحب الولايات المتحدة من منظمات واتفاقيات عالمية محورية، بحجة انها تتعارض مع المصالح الأمريكية، ومن هذه الخطوات:

الانسحاب من منظمة الصحة العالمية: في عام 2025، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستغادر منظمة الصحة العالمية، قاطعاً بذلك التمويل المخصص لمبادرات الصحة العالمية، مثل التأهب للأوبئة وتوزيع اللقاحات.

اتفاقية باريس للمناخ: في يومه الأول في المنصب، أصدر أمراً تنفيذياً بالانسحاب من اتفاقية باريس، مما مثّل إشارةً إلى التراجع عن القيادة متعددة الأطراف في مجال المناخ.

مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة: قامت الإدارة بسحب الولايات المتحدة من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وقطعت كافة أشكال التمويل عن وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)

تفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID): منحت الإدارة الامريكية “إدارة الكفاءة الحكومية” (DOGE) صلاحيات لتفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية؛ وهو إجراء يقول النقاد إنه أحدث “صدمة في نظام المساعدات العالمية” لإنه يُعد تخلياً عن دور القيادة الإنسانية.

تآكل التحالفات

يتعامل نهج ترامب مع الالتزامات الأمنية باعتبارها ترتيبات قائمة على الصفقات، بدلاً من كونها التزامات استراتيجية:

إجهاد حلف الناتو: لقد هدد مراراً بحجب الحماية عن حلفاء الناتو الذين يفشلون في تحقيق الأهداف المرفوعة للنفقات الدفاعية (حيث يطالب بتخصيص ٥٪ من الناتج المحلي الإجمالي لهذا الغرض)، مما دفع الدول الأوروبية إلى السعي نحو تحقيق “استقلالية استراتيجية”.

التوترات في منطقة آسيا والمحيط الهادئ: استخدمت الإدارة الامريكية الرسوم الجمركية لانتزاع تنازلات اقتصادية من حلفاء رئيسيين مثل اليابان وكوريا الجنوبية، مما دفع هؤلاء الشركاء إلى التشكيك في مدى موثوقية الولايات المتحدة.

الدعم المشروط: في أوائل عام ٢٠٢٥، خفضت الولايات المتحدة بشكل كبير المساعدات العسكرية المقدمة لأوكرانيا، ضاغطةً عليها للدخول في مفاوضات يرى بعض المحللين أنها تصب في صالح المصالح الروسية.

تحديات تواجه القانون الدولي

تعرضت العديد من الإجراءات العسكرية والدبلوماسية الأخيرة لانتقادات لكونها انتهاكات للأعراف الدولية الراسخة:

التهديدات ضد إيران: في شهري مارس وأبريل من عام ٢٠٢٦، هدد ترامب بقصف البنية التحتية المدنية لإيران، بما في ذلك محطات الطاقة والجسور؛ وهو ما وصفه خبراء القانون الدولي ومنظمات مثل “منظمة العفو الدولية” بأنه تهديد بارتكاب جرائم حرب أو حتى إبادة جماعية.

فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية: فرضت الإدارة عقوبات على مسؤولين في المحكمة الجنائية الدولية (ICC) بسبب جهودهم للتحقيق مع أفراد أمريكيين أو إسرائيليين، وهو ما اعتبره النقاد هجوماً على استقلالية نظام العدالة العالمي.

الضربات العسكرية الأحادية: في أواخر عام ٢٠٢٥، أطلقت الإدارة “عملية مطرقة منتصف الليل” (Operation Midnight Hammer)، مستهدفةً المنشآت النووية الإيرانية دون مبرر قانوني حقيقي، مما أدى إلى تقويض الأطر الدبلوماسية بشكل أكبر.

اضطراب دبلوماسي واقتصادي

إفراغ وزارة الخارجية من محتواها: أدت عمليات إعادة التنظيم الواسعة وعمليات التطهير التي شملت أكثر من ١٣٠٠ دبلوماسي ومسؤول مهني إلى إزالة الذاكرة المؤسسية والخبرات الإقليمية.

حروب تجارية عالمية: أدى فرض تعريفات جمركية تحت مسمى “يوم التحرير” على الواردات القادمة من أكثر من ٩٠ دولة إلى إثارة صفقات تجارية انتقامية فيما بين الحلفاء، مما أدى إلى عزل الولايات المتحدة عن الأسواق العالمية.

 

 

اترك تعليقاً