أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
جولة الصحافة

من المخا إلى باب المندب.. ماذا يريد الحوثيون؟

من المخا إلى باب المندب.. ماذا يريد الحوثيون؟
مقاتل من قوات المقاومة المتحالفة مع القوات الحكومية يطلق قذيفة خلال اشتباكات مع الحوثيين غرب تعز ( قوات المقاومة الوطنية)

لم يعد صعود الحوثيين في اليمن مرتبطاً فقط بما يصلهم من أسلحة ودعم من إيران. وترسم صحيفة “نيويورك تايمز” صورة لجماعة راكمت خبرة عسكري وتقنية على مدى سنوات، وطورت شبكات إمداد وقدرات تصنيع محلية، مستفيدة في الوقت نفسه من موقع اليمن عند باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

لكن هذه الصورة لا تعني، بحسب الخبراء الذين تحدثت إليهم الصحيفة، أن الحوثيين أصبحوا مستقلين عسكرياً عن طهران. فما زالوا يعتمدون على إيران في مكونات متطورة وخبرات فنية، فيما يثير تمددهم جنوباً وسيطرتهم على المخا وجزر قريبة من باب المندب مخاوف تتجاوز الحرب اليمنية إلى أمن البحر الأحمر وتدفقات النفط والتجارة العالمية.

من البنادق إلى الصواريخ بعيدة المدى

تبدأ «نيويورك تايمز» تقريرها المنشور في 15 سبتمبر/ أيلول بمفارقة لافتة: الصورة التقليدية للحوثيين كانت لمقاتلين يحملون البنادق على مركبات رباعية الدفع، لكن الجماعة باتت قادرة على إطلاق صواريخ بعيدة المدى، واستخدام طائرات وزوارق مسيرة، وتهديد أهداف تبعد أكثر من ألف ميل عن مناطق سيطرتها.

ويقول تيموثي ليندركينغ، المبعوث الأميركي السابق إلى اليمن، إن الحوثيين استغلوا الفرص المتاحة لاختبار قدراتهم وتطويرها، حتى أصبحوا، وفق تقييمه، من أكثر الجماعات المسلحة غير الحكومية فتكاً في الشرق الأوسط.

وتشير الصحيفة إلى أن الهدنة التي بدأت عام 2022 منحت الجماعة فترة لإعادة تنظيم قواتها وتدريبها وتجديد مخزونها العسكري.

الذكاء الاصطناعي يدخل صناعة السلاح

الجديد في تقرير الصحيفة هو البعد المتعلق بالذكاء الاصطناعي. إذ استندت إلى تقرير أصدرته شركة أنثروبيك، المطورة لنظام ” كلود”، قالت فيه إن خلية من مستخدمين في شمال اليمن استخدمت النظام ضمن محاولة مستمرة لتطوير أسلحة موجهة.

وبحسب أنثروبيك، وصلت المحاولات إلى مرحلة إجراء اختبار ميداني لصاروخ موجه، كما بحث المستخدمون في تصميم صاروخ باليستي متعدد المراحل يزيد مداه على 1200 ميل، إضافة إلى مركبة انزلاقية فرط صوتية.

لكن الشركة شددت على أنها لم تجد دليلاً على نجاح المجموعة في إنتاج منظومة عملياتية قابلة للاستخدام. وهذه نقطة مهمة عند نقل التقرير، لأن الحديث يدور عن محاولات تطوير وتجارب وليس عن إثبات امتلاك الحوثيين سلاحاً فرط صوتي جديداً جاهزاً للعمل.


من «مختبر» إلى مصنع

وتقول الصحيفة إن اليمن كان في البداية بمثابة ساحة لاختبار الأسلحة والتكتيكات الإيرانية، لكنه يتحول تدريجياً إلى مكان يجري فيه تصنيع أجزاء متزايدة من منظومات السلاح.

ويرى الباحث بيتر سالزبري أن أجزاء كبيرة، مثل هياكل الصواريخ، بات من الممكن تصنيعها في المناطق الخاضعة للحوثيين بدلاً من نقلها كاملة من إيران.

كما استثمرت إيران وحزب الله اللبناني، وفق سالزبري، في نقل الخبرة المتعلقة بتصنيع الأسلحة وتشغيلها، ما ساعد الحوثيين خصوصاً على توطين أجزاء من إنتاج الطائرات المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه.

وهذه ليست عملية بدأت حديثاً. فقد كان الحوثيون ومستشارون إيرانيون يختبرون الزوارق غير المأهولة منذ نحو عقد، واستخدمت الجماعة عام 2017 زورقاً مفخخاً يتم التحكم فيه عن بعد لمهاجمة فرقاطة سعودية، ما أدى إلى مقتل شخصين.

لكن إيران لا تزال مهمة

ورغم التقدم في التصنيع المحلي، تحذر الصحيفة من الخلط بين زيادة الاكتفاء الذاتي والاستقلال العسكري الكامل عن إيران.

فالحوثيون، بحسب الخبراء، ما زالوا بحاجة إلى مكونات يصعب تصنيعها محلياً، من بينها بعض أنظمة التوجيه ومحركات الصواريخ وأجزاء دقيقة تتطلب مستوى متقدماً من الهندسة.

ويرى فرزين نديمي، الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، أن الجماعة لا تزال تحتاج إلى مساعدة كبيرة من الحرس الثوري الإيراني، بل يعتقد أن ضباطاً إيرانيين يشاركون في التخطيط والتنفيذ خلال المرحلة الحالية من القتال. وهذه تقديرات للباحثين الذين تحدثت إليهم الصحيفة وليست حقائق مستقلة أثبتتها «نيويورك تايمز» ميدانياً.

شبكات إمداد تتجاوز إيران

أحد أسباب صعوبة قطع إمدادات الحوثيين هو تغير طبيعة سلسلة التوريد. فبدلاً من الاعتماد على شحن منظومات كبيرة جاهزة من إيران، يستطيع الحوثيون الحصول على كثير من المكونات عبر السوق العالمية وشبكات التهريب.

وتشير الصحيفة إلى أن قطعاً تجارية متاحة من دول مثل الصين تدخل في تصنيع الطائرات المسيّرة في أنحاء مختلفة من العالم.

أما المكونات الصغيرة الأكثر حساسية فيمكن نقلها على سفن متوسطة وصغيرة، أو عبر القرن الأفريقي، أو بواسطة عمليات نقل من سفينة إلى أخرى قبالة الساحل الصومالي.

وهذا يعني أن اعتراض السفن الكبيرة وحده لا يكفي بالضرورة لوقف تدفق المكونات العسكرية.

لماذا يتحرك الحوثيون الآن؟

يربط تقرير نيويورك تايمز بين هذه القدرات والتصعيد الذي بدأ الصيف الماضي. وتقول الصحيفة إن وفداً حوثياً عاد من طهران في يوليو/ تموز على متن طائرة تابعة لشركة «ماهان إير» الإيرانية.

وتعتقد السعودية والحكومة اليمنية المعترف بها دوليا أن الطائرة كانت تحمل عسكريين إيرانيين وأسلحة، وهي رواية ينبغي نسبها إليهما، إذ لا يقدم التقرير إثباتاً مستقلاً لمحتويات الطائرة.

وبعد منعها من الهبوط في مطار صنعاء وتحويل مسارها إلى منطقة أخرى خاضعة للحوثيين، شن الحوثيون هجمات على مطار أبها في جنوب السعودية، في أول هجوم من نوعه على المملكة منذ عام 2022، بحسب التقرير.

الحوثيون وإيران.. تحالف وليس تطابقاً

في تقرير منفصل، تحاول «نيويورك تايمز» الإجابة عن سؤال: ماذا يريد الحوثيون؟

وترى الصحيفة أن وصف الجماعة بأنها «مدعومة من إيران» صحيح لكنه لا يفسر كامل سلوكها. فطهران توفر لها الدعم والسلاح والخبرة، ويمنح الضغط الحوثي في البحر الأحمر إيران ورقة إضافية في صراعها الإقليمي، لكن الحوثيين يملكون في الوقت نفسه أهدافاً يمنية خاصة بهم.

فهم يقدمون أنفسهم باعتبارهم السلطة الشرعية في اليمن، ويريدون إنهاء الدعم السعودي لخصومهم اليمنيين، والحصول على موارد مالية تشمل حصة من إيرادات النفط اليمني وتعويضات مرتبطة بالحرب.

وتصف الصحيفة سلطتهم في شمال اليمن بأنها سلطة أمر واقع، وتشير إلى الظروف الإنسانية الصعبة في مناطق سيطرتهم ومحدودية الخدمات، لكنها تلفت في الوقت نفسه إلى أنهم يديرون مناطقهم تحت قيادة موحدة ويوفرون مستوى من الأمن النسبي، في مقابل الانقسامات التي يعانيها المعسكر المناهض لهم.

باب المندب يحول القوة المحلية إلى ورقة عالمية

العامل الأكثر أهمية في صعود الحوثيين قد لا يكون عدد المقاتلين أو الصواريخ، بل الجغرافيا.

فباب المندب يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ومنه تمر السفن المتجهة شمالاً نحو قناة السويس وأوروبا.

ومع اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز في سياق الحرب الإقليمية الحالية، ازدادت أهمية البحر الأحمر بالنسبة إلى صادرات النفط السعودية. ولذلك فإن توسع الحوثيين على الساحل الغربي وسيطرتهم، وفق التقارير، على المخا وجزر قريبة من باب المندب يمنحهم قدرة أكبر على الضغط على حركة الملاحة.

وهنا تستخلص الصحيفة درساً أوسع: جماعة مسلحة لا تحتاج بالضرورة إلى جيش تقليدي ضخم لكي تؤثر في الاقتصاد العالمي، إذا كانت تملك صواريخ ومسيّرات وتسيطر على جغرافيا شديدة الحساسية.

المخا.. الجائزة التي تجمع التاريخ والجغرافيا

ويضيف تقرير ثالث للصحيفة بعداً مختلفاً لفهم أهمية مدينة المخا، التي ارتبط اسمها لقرون بالقهوة قبل أن تصبح اليوم ساحة صراع.

فبين القرنين السادس عشر والثامن عشر، تحولت المخا إلى مركز عالمي لتجارة البن، وساعد موقعها على البحر الأحمر وقربها من باب المندب في ربط تجارتها بالبحر المتوسط وآسيا والمحيط الهندي.

ومن اسم المدينة جاءت تسمية «موكا» المرتبطة بالقهوة حتى اليوم.

لكن الجغرافيا نفسها التي صنعت ثروة المخا التاريخية جعلتها هدفاً عسكرياً مهماً. فالمدينة تقع على بعد نحو 50 ميلاً، أي قرابة 80 كيلومتراً، من باب المندب.

حرب تهدد عودة القهوة اليمنية

وتشير الصحيفة إلى مفارقة أخرى. فبعد تراجع صناعة البن اليمني لعقود، جزئياً لمصلحة زراعة القات، ظهرت خلال السنوات الأخيرة محاولات لإحياء القهوة اليمنية وربط آلاف المزارعين بالأسواق العالمية.

لكن تجدد الحرب والسيطرة على المخا يهددان هذا التعافي، بسبب المخاطر التي يتعرض لها المزارعون وصعوبة التصدير واحتمال عودة بعض الأراضي إلى زراعة القات.

وهكذا تعود المخا إلى قلب التجارة العالمية، ولكن هذه المرة ليس بسبب أكياس البن التي كانت تغادر ميناءها، وإنما بسبب الصراع على من يسيطر على الساحل المؤدي إلى باب المندب.

الخلاصة

الصورة التي ترسمها التقارير الثلاثة أكثر تعقيداً من اختزال الحوثيين في كونهم مجرد وكيل لإيران أو قوة يمنية محلية. الجماعة لا تزال تعتمد على إيران في الدعم والخبرة وبعض المكونات المتطورة، لكنها بنت في الوقت نفسه قدرات محلية وشبكات توريد أوسع، وطورت أهدافاً ومصالح خاصة بها.

ومع تقدمها نحو الساحل الغربي، أصبحت تلك القدرات مرتبطة بميزة أكبر: السيطرة أو القدرة على التهديد بالقرب من باب المندب. وهنا يتحول الصراع اليمني من حرب على السلطة داخل بلد فقير ومنقسم إلى عامل يمكن أن يؤثر في أمن السعودية، وحركة النفط، والملاحة في البحر الأحمر، والطريق التجاري بين آسيا وأوروبا.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.