بينما تنشغل المنطقة بمفاوضات شاقة لإعادة فتح مضيق هرمز ومنع تجدّد المواجهة الواسعة بين الولايات المتحدة وإيران، بدأت جبهة أخرى أكثر خطورة في الاشتعال على الضفة المقابلة لشبه الجزيرة العربية.
ففي اليمن، تتسارع المواجهات بين الحوثيين والقوات التابعة للحكومة المعترف بها دولياً، بالتزامن مع تصعيد الهجمات على السعودية وممرات الملاحة في البحر الأحمر.
وجاء الهجوم الذي أعلن الحوثيون تنفيذه بطائرة مسيّرة على مصفاة أرامكو في جازان، اليوم الأحد، ليؤكد أن الصراع اليمني لم يعد منفصلاً عن الحرب الإقليمية الأوسع، وأن السعودية قد تجد نفسها أمام معضلة أمنية مزدوجة: حماية منشآتها النفطية وحدودها من جهة، وتأمين طرق تصدير الطاقة التي أصبحت أكثر أهمية مع استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز من جهة أخرى.
وزارة الطاقة:
– فرق إطفاء الأمن الصناعي التابعة لأرامكو السعودية تخمد حريقًا وقع فجر اليوم في إحدى المرافق التابعة لمصفاة أرامكو بجازان دون تسجيل إصابات
– الجهات المختصة تستكمل الإجراءات اللازمة للتعامل مع الحادثة pic.twitter.com/FGjpNp9tKK
— قناة الإخبارية (@alekhbariyatv) August 9, 2026
هجوم جديد على أرامكو
قال الحوثيون إنهم استهدفوا مصفاة أرامكو في جازان بطائرة مسيّرة، فيما أعلنت وزارة الطاقة السعودية أن حريقاً اندلع في المصفاة قبل أن تتم السيطرة عليه، من دون أن تحدد سبب الحريق.
ولم تسجل إصابات، بحسب السلطات السعودية.
وتُعد مصفاة جازان منشأة استراتيجية، إذ تبلغ طاقتها نحو 400 ألف برميل من النفط الخام يومياً، كما تنتج البنزين والديزل منخفض الكبريت.
ولم يكن الهجوم الأول من نوعه. فقد تعرضت منشآت تابعة لأرامكو في جازان وينبع لهجمات سابقة، فيما أوقفت الشركة مصفاة جازان في 27 يوليو بعد هجوم حوثي ألحق أضراراً بمنشآت مرتبطة بالتغويز وخزانات التخزين، وفق معلومات أوردتها رويترز.
وكان الرئيس التنفيذي لأرامكو أمين الناصر قد قال إن الهجمات الأخيرة تسببت في بعض الاضطرابات الإنتاجية، لكنه أكد قدرة الشركة على استعادة العمليات سريعاً، مشيراً إلى أنها لم تُحدث حتى الآن تأثيراً مالياً أو تشغيلياً جوهرياً.
فيديو استهداف ميناء المخاء من قبل الحوثيين. pic.twitter.com/aD4Tn3XLds
— أحمد الشلفي ahmed alshalfi (@alshalfia) August 9, 2026
لماذا عاد اليمن إلى الاشتعال؟
الصراع اليمني يعود إلى أكثر من عقد، لكنه دخل منذ عام 2022 مرحلة من الهدوء النسبي بعد هدنة خففت المواجهات المباشرة، من دون التوصل إلى اتفاق سلام نهائي.
يسيطر الحوثيون على صنعاء ومساحات واسعة من شمال اليمن وساحل البحر الأحمر، فيما تعمل الحكومة المعترف بها دولياً من المناطق الواقعة خارج سيطرتهم وتحظى بدعم سعودي.
وتشير شبكة “سي إن إن” الأميركية إلى أن الحوثيين أصبحوا خلال السنوات الماضية جزءاً من ما تيعرف بـ «محور المقاومة»، وحصلوا على أسلحة وتقنيات عسكرية، لكن قيادات في الجماعة تقول إن قراراتها العسكرية لا تصدر بالضرورة بأوامر من طهران، وإن لديها دوافع يمنية خاصة للصراع مع السعودية.
ومع اندلاع الحرب الأوسع بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بدأ الحوثيون توسيع نطاق تحركاتهم العسكرية، سواء ضد الملاحة البحرية أو ضد السعودية والقوات الحكومية اليمنية.
ويرى محللون أن الجماعة تعتبر الظروف الإقليمية الحالية فرصة لتحسين موقعها واستعادة بعض النفوذ الذي فقدته خلال السنوات الماضية.
🚨🇾🇪A major escalation in Yemen: Houthi ballistic missiles and drones struck government military camps in Marib and Hadramawt on Thursday, including al-Ruwayk, al-Abr and al-Wadiah near the Saudi border.
Reuters confirmed at least 30 soldiers were killed, while other medical… pic.twitter.com/VWGttUUSwT
— Eye OSINT (@AlexiaNoel94927) August 6, 2026
مأرب وحضرموت.. الجبهة الأخطر داخلياً
التصعيد لا يقتصر على الهجمات العابرة للحدود.
فقد شن الحوثيون هجمات على مواقع عسكرية في محافظتي مأرب وحضرموت الغنيتين بالنفط والغاز، ما دفع القوات التابعة للحكومة اليمنية إلى تنفيذ عمليات مضادة.
وذكرت نيويورك تايمز أن هجمات الحوثيين أوقعت قتلى في صفوف القوات الحكومية، فيما طالت هجمات أخرى مناطق مدنية ومخيماً للنازحين قرب مأرب.
وتثير هذه التطورات مخاوف من انهيار التهدئة الهشة التي صمدت منذ عام 2022، وعودة اليمن إلى حرب أهلية واسعة.
والأهمية الاستراتيجية لمأرب وحضرموت تتجاوز الجانب العسكري؛ فهما من أهم المناطق المنتجة للطاقة التي تعتمد عليها الحكومة اليمنية في تأمين مواردها المالية. ولذلك فإن أي تقدم حوثي طويل الأمد شرقاً يمكن أن يهدد أحد أهم شرايينها الاقتصادية.
الخيارات السعودية
بالنسبة للرياض، يعيد التصعيد الحوثي معضلة حاولت السعودية تجاوزها خلال الأعوام الماضية.
فالدخول في حرب جديدة واسعة ضد الحوثيين يمكن أن يجر المملكة مرة أخرى إلى صراع مفتوح يصعب تحديد مدته أو كلفته، في وقت تركز فيه الرياض على الاستثمار والتنمية والمشروعات الاقتصادية الضخمة.
وفي المقابل، فإن تقديم تنازلات كبيرة قد يسمح للحوثيين بتعزيز موقعهم العسكري والسياسي وتحويلهم إلى تهديد أكثر قوة في المستقبل.
ويلخص محللون هذه المعضلة بأنها اختيار صعب بين الردع والتسوية، من دون وجود طريق يضمن للسعودية نصراً استراتيجياً واضحاً.
وقد زادت المخاوف السعودية بعدما تحدث مسؤول سعودي لـ”سي إن إن” عن معلومات استخبارية تشير إلى احتمال تنفيذ هجمات منسقة تشارك فيها جماعات مسلحة عراقية والحوثيون، وسط اتهامات بأن الحرس الثوري الإيراني يقف وراء التنسيق بين هذه الأطراف.
تحالف دفاعي جديد مع تركيا وباكستان
وسط هذه التهديدات، اتجهت الرياض إلى تقوية شبكة تحالفاتها الأمنية.
فقد وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقاً للدفاع المشترك ينص على أن أي هجوم مسلح ضد إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً.
وجاء الاتفاق قبل يومين فقط من الهجوم الذي أعلن الحوثيون تنفيذه على مصفاة جازان.
ووصف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الاتفاق بأنه ليس موجهاً ضد إيران أو دولة بعينها، بل إطار عام للتعاون والدفاع المشترك.
لكن توقيت الاتفاق يمنحه أهمية خاصة، إذ تتعرض السعودية لضغوط من عدة اتجاهات في الوقت نفسه، بينما تحاول الدول الثلاث المشاركة أيضاً في المساعي الدبلوماسية المتعلقة بالحرب الأميركية الإيرانية.
JUST IN:
Yemen’s Ansarullah struck Al-Mokha port in Yemen with missiles and drones.
The targets were reportedly Saudi military supplies that were hit shortly after arriving at the port and were intended for Saudi-backed forces in Yemen. pic.twitter.com/itNBkbHqQ0
— Current Report (@Currentreport1) August 9, 2026
البحر الأحمر يتحول إلى جبهة موازية لهرمز
أحد أخطر أبعاد التصعيد يتعلق بأمن الطاقة.
فمع تعطل جزء كبير من حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أصبحت السعودية أكثر اعتماداً على نقل النفط غرباً عبر شبكة الأنابيب إلى ساحل البحر الأحمر، ثم تصديره من هناك.
لكن الحوثيين أعلنوا الشهر الماضي فرض حصار بحري على السفن السعودية في البحر الأحمر، رداً على ما يصفونه بالحصار السعودي المفروض على اليمن، وهو اتهام تنفيه الرياض.
وبذلك تواجه السعودية معضلة جغرافية غير مسبوقة تقريباً: اضطراب هرمز شرقاً وتهديد باب المندب والبحر الأحمر غرباً.
وتشير تقديرات نقلتها “سي إن إن” إلى أن صادرات الخام السعودية عبر باب المندب انخفضت إلى النصف على الأقل منذ إعلان الحوثيين حصار السفن السعودية.
ويمكن حالياً عبور نحو 1.5 مليون برميل يومياً، مقارنة بنحو 3.2 ملايين برميل يومياً في مرحلة سابقة من الحرب.
وهذا يفسر لماذا تحمل الهجمات الحوثية على السفن والمنشآت النفطية السعودية خطورة تتجاوز الحدود اليمنية، إذ قد تؤثر في طرق إمداد النفط والأسعار العالمية إذا طال أمد التصعيد.
هل يحاول الحوثيون استثمار حرب إيران؟
تقول “سي إن إن” إن الحوثيين يرون في الحرب الحالية فرصة لتعزيز موقعهم الإقليمي.
فقد دخلت الجماعة بصورة أعمق في الصراع بعد بدء الحرب ضد إيران، وأطلقت صواريخ باتجاه إسرائيل، قبل أن توسع عملياتها في البحر الأحمر وتستأنف الاشتباك بقوة مع السعودية والقوات اليمنية.
ورغم ارتباطها الوثيق بطهران، يؤكد الحوثيون أن لديهم حساباتهم الخاصة، وخاصة ما يتعلق بإنهاء القيود الاقتصادية والعسكرية المفروضة على مناطق سيطرتهم.
لكن النتيجة العملية واحدة: كلما اتسعت الحرب بين إيران وخصومها، ازدادت قدرة الحوثيين على ربط مطالبهم المحلية بموازين القوى الإقليمية.
خطر العودة إلى الحرب الأهلية
الخطر الآخر هو أن يتحول التصعيد الخارجي إلى شرارة تعيد إشعال الحرب اليمنية نفسها.
فالحكومة اليمنية أعلنت تنفيذ عمليات عسكرية مضادة بعد أيام من هجمات الحوثيين، فيما حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من أن البلاد تواجه أكبر خطر لعودة الحرب منذ هدنة أبريل/ نيسان 2022، داعياً الأطراف إلى أقصى درجات ضبط النفس.
وكانت سنوات الحرب السابقة قد خلفت واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع تدمير الاقتصاد والبنية التحتية واعتماد ملايين اليمنيين على المساعدات.
ولهذا فإن استئناف المواجهة الشاملة لن يقتصر أثره على الطرفين المتحاربين، بل يمكن أن يدفع ملايين المدنيين مجدداً إلى أزمة إنسانية واقتصادية أعمق.
من هرمز إلى باب المندب.. حرب الممرات البحرية
تكشف التطورات الأخيرة عن تحول أوسع في طبيعة الحرب الإقليمية.
فإيران تستخدم موقعها على مضيق هرمز للضغط على خصومها، بينما يمتلك الحوثيون القدرة على تهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، ما يعني أن اثنين من أهم الممرات البحرية للطاقة والتجارة العالمية أصبحا جزءاً من معادلة الصراع في الوقت نفسه.
وتحاول واشنطن وطهران، عبر الوساطة العُمانية، التوصل إلى ترتيبات تسمح باستئناف الملاحة في هرمز. لكن حتى إذا نجحت هذه المفاوضات، فإن اشتعال جبهة اليمن قد يبقي أسواق النفط والملاحة الدولية تحت الضغط.
وهنا تكمن خطورة التطورات الأخيرة: الحرب لم تعد مرتبطة بجبهة واحدة، بل بشبكة مترابطة من الجبهات تبدأ من الخليج وتمتد عبر اليمن والبحر الأحمر، بحيث يمكن لأي هجوم محلي أن يتحول سريعاً إلى أزمة إقليمية أوسع.








