التشكيلية العراقية شذى عبو: الدوحة وسّعت رؤيتي وبغداد تسكن لوحاتي

مايو 20, 2026
243

شذى عبو تبحث عن التوازن بين الذاكرة العراقية والحداثة المعاصرة ( أوج 24)

حاورها/ كريم حسين 

في محترفها الممتد بين ذاكرة بغداد وحيوية الدوحة، تبدو الفنانة التشكيلية العراقية شذى فرج عبو وكأنها تواصل حواراً طويلاً مع الإرث الفني الذي نشأت داخله، لا بوصفه عبئاً ثقيلاً لاسمٍ رائد، بل كمساحة دائمة لإعادة اكتشاف الذات.

فابنة الفنان العراقي الراحل فرج عبو، أحد أبرز مؤسسي الحركة التشكيلية الحديثة في العراق وأحد الأسماء التي ارتبطت بتأسيس معهد الفنون الجميلة في بغداد، ومن الشخصيات المحورية في تكوين ملامح الحداثة البصرية العراقية، اختارت أن تسلك طريقاً مختلفاً يحمل أثر الأب دون أن يكرر تجربته.

في هذا الحوار، تتحدث شذى عبو عن البدايات التي تلت رحيل والدها، وعن تأثير والدتها في احتضان تجربتها، كما تستعيد علاقتها المعقدة باسم فرج عبو بين الحافز والمسؤولية، وتشرح كيف قادتها الدوحة إلى توسيع رؤيتها الفنية والتجريب خارج القوالب التقليدية، وصولاً إلى حلمها بإنجاز عمل تركيبي ضخم يزيّن فضاءً عاماً في بغداد أو الدوحة.

                                                                                                                                                                            المحور الأول: البدايات والتأثيرات

س: كيف تصفين بدايتكِ مع الفن التشكيلي؟ وهل كان للبيئة العائلية دور حاسم في ذلك؟

 باعتباري متخصصة في التصميم الصناعي، كانت بداياتي في الفن التشكيلي متواضعة، لم تتجاوز حدود الضرورة الدراسية الأكاديمية وبعض المحاولات والتجارب الشخصية. وفي نهايات صيف عام 1984، شهدت مسيرتي إقامة أول معرض شخصي لي في “نادي الشبيبة الأرمنية” ببغداد، والذي افتتحه الأستاذ الدكتور مصطفى السالم.

كانت البداية بسيطة عبر أعمال احتوت على مناظر وأفكار وتكوينات تصميمية متأثرة بدراستي واطلاعاتي الفنية آنذاك. هذا المعرض رأى النور بتشجيع كبير من والدتي -رحمها الله-؛ إذ كان لدعمها أثر بالغ في مستقبلي الفني، لا سيما بعد وفاة والدي في مطلع عام 1984، لتكمل هي مسيرته في احتضاني ودعمي، واصلتُ بعدها المشاركة في معارض “جمعية الشبيبة الأرمنية” و”نادي الهومنتمن الرياضي الأرمني” برعاية كاملة منها.

س: إلى أي مدى أثّر والدكِ الفنان الرائد فرج عبو في تشكيل ذائقتكِ الفنية وهويتكِ التشكيلية؟ وهل شعرتِ يومًا بأن اسمه كان تحديًا أم حافزًا في مسيرتكِ؟

 نعم، بالتأكيد. كان لحضور والدي، الفنان العراقي الرائد الراحل فرج عبو، في حياتي ونشأتي الأكاديمية والاجتماعية دور كبير وعميق، خصوصًا وأن السنوات الثلاث الأولى من دراستي الجامعية كانت بمعيته وتحت إشرافه المباشر. إن اسم فنان رائد بحجم والدي يمثل حافزاً ومسؤولية في آن واحد؛ وبفضل هذا الإرث، وتكاملًا مع تشجيع والدتي، تبلور الأثر العميق في بناء مسيرتي وانطلاقتها في عالم الفن التشكيلي.

نداء الوعي، وسائط مختلطة، 1 متر × 1 متر، 2021.
نداء الوعي، 1 متر × 1 متر، 2021  (أوج 24)

 المحور الثاني: الهوية والأسلوب الفني

س: كيف تعرّفين أسلوبكِ الفني اليوم؟ وما الموضوعات التي تشغل حيزًا أكبر في لوحاتكِ؟

 أسلوبي الفني اختلف في بداياته عن مرحلتي الآنية؛ في البدايات، استهوتني الدوائر والمنحنيات في تشكيلات المشهد البصري الذي كنت أستعرضه مع الرموز الثقافية والتراث العراقي، وغدا التلاعب بين المستويات الثلاثة في العمل الفني -مع إبراز البطل أو الرمز في المقدمة- من صميم فكرة أعمالي.

س: هل تميلين إلى التجريد كما في تجربة والدكِ الذي يعد من أوائل من دمجوا النص العربي في لوحاته التجريدية، أم أنكِ تبحثين عن مسار مختلف؟

الفنانة شذى عبو: بالنسبة لأعمال الوالد، فلا يمكنني مقارنة أي من أعمالي بها، وتظل تجاربي متواضعة أمام قامته؛ فقد امتلك الوالد خبرة أكاديمية وعملية متمرسة، ونظرة فنية عميقة متشربة بالتراث الموصلي العراقي العتيق، ودمجه لاحقاً بالتراث البغدادي والإسلامي في تجربة رائعة عشق فيها الحرف العربي بتكوينات تشكيلية رمزية أدهشت الشارع الفني، حيث كان من رواد الحروفيّة والتجريد التشكيلي آنذاك.

من اعمالي المبكرة عن مدرسة بغداد للفن الحديث بعنوان السوق
من أعمال شذى عبو المبكرة عن مدرسة بغداد للفن الحديث بعنوان السوق (أوج 24)

أما اليوم، فقد اتجهتُ إلى مسار مختلف يدمج التجريدية بالتعبيرية في أعمال جديدة برؤيتها ومنظورها العام، وأتمنى أن تنال إعجاب المتلقي.

 المحور الثالث: التجربة في الدوحة

س: كيف أثّرت إقامتكِ في الدوحة على تجربتكِ الفنية؟ وما الذي يميّز المشهد التشكيلي في قطر من وجهة نظركِ؟

أستطيع القول إن الخطوة الأولى الحقيقية والجدية في مسيرتي التشكيلية كانت في الدوحة عام 2009، عندما شاركت في معرض  مع ثلاث فنانات عراقيات هن: (رؤية رؤوف، والراحلة سعاد خليل، وصبا حمزة)، بالتعاون مع المنسق العام للمعرض الفنان زياد بقوري. أقيم المعرض آنذاك تحت رعاية وزارة الثقافة والفنون والتراث وبدعم الهيئة العامة للسياحة والمعارض في “مركز إبداع الفتاة”، وشهدتُ فيه طرح أسلوبي التشكيلي الجديد الذي اعتمد على المنحنيات والدوائر في الخلفية، مع التركيز على إبراز الرموز العراقية وسرد الحياة الاجتماعية للمرأة والموروث التراثي الأصيل المترسخ في ذاكرتي.

للدوحة أثر إيجابي عميق على اتجاهاتي الفنية عبر إتاحة الفرص المثرية؛ حيث ارتقت الدوحة كعاصمة للفن والثقافة لتكون ورشة مفتوحة كبيرة تجمع المثقفين والأدباء والفنانين المحليين والعالميين. عندما قدمت إلى الدوحة قبل 26 عاماً، تفاجأت بحجم الإبداع والمعاصرة والطروحات الفنية الأصيلة في المشهد التشكلي. وشرفت بلقاء الفنانين القطريين الرواد والعمل مع بعضهم، مثل: جاسم الزيني، حسن الملا، فرج دهام، علي حسن، ويوسف أحمد.

 بغداديات، زيت على كنفاس ، 1983، اللوحة موجودة في مديرية الفنون ببغداد
زيت على كنفاس معروضة في مديرية الفنون ببغداد ( أوج 24)

س: هل تجدين أن البيئة الفنية في الدوحة منحتكِ مساحة أكبر للتجريب والانتشار؟

 بكل تأكيد؛ ومما زادني فخراً وانتماءً معرفتي بأن الفنان القطري الرائد جاسم زيني -رحمه الله- والفنان القدير حسن الملا كانا قد تتلمذا في جامعة بغداد في سبعينيات القرن الماضي على يد فناني العراق في أكاديمية الفنون الجميلة، ومن بينهم والدي فرج عبو.

النشاطات العالمية التي تزخر بها الدوحة ارتقت بمداركي وفتحت آفاقي لمنحي قدرة التفكير خارج الصندوق. اليوم، تمتلك الدوحة موقعاً مهماً على خارطة الثقافة العالمية، مما ينعكس إيجاباً على الفنانين من خلال الإثراء البصري والفكري. إن زمالتي للفنانين القطريين والأجانب، والانتماء للجمعيات الثقافية، منحني مساحة واسعة للتجريب والتعددية في المدارس الفنية؛ فأنا أرى قطر اليوم بمثابة ورشة فنية كبرى، ومعرض في الهواء الطلق، ومسرح لأعمال عالمية رائدة ذات طراز راقٍ وأصيل.

الشيخة موزا مع شذى عبو
شذى عبو مع الشيخة موزا بنت ناصر المسند خلال افتتاح معرض “ويش”   (أوج 24)

 المحور الرابع: المعارض والتجربة المهنية

س: شاركتِ في العديد من المعارض الدولية.. ما المعرض الأقرب إلى قلبكِ؟ وما التحديات التي تواجه الفنان العربي اليوم؟

 نعم، شاركت في العديد من المعارض التشكيلية المتنوعة، بين لوحات مرسومة، ومعارض للتصوير الضوئي، والملصقات (البوستر)، وصولاً إلى الفن التركيبي، وذلك في عواصم ومدن عدة مثل: بغداد، الدوحة، لندن، روما، موسكو، القاهرة، والمنامة.

منمنمات 1، حبر على ورق 15 سم فس 15 سم
منمنمات 1، حبر على ورق 15 سم فس 15 سم (أوج 24)

لكن المعرض الأقرب إلى قلبي هو ذلك الذي أقيم على هامش مؤتمر الابتكار العالمي للصحة “ويش” التابع لمؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع عام 2018؛ حيث فزت بالجائزة الأولى لأفضل عمل نحتي، وتشرفت بزيارة رئيس مجلس إدارة مؤسسة قطر الشيخة موزا بنت ناصر المسند لافتتاح المعرض، وكان ذلك أول عمل نحتي وثلاثي الأبعاد أقدمه وأفوز به بجائزة في دولة قطر. أما عن التحديات، فالفنان العربي اليوم يواجه تحدي الموازنة بين الحفاظ على أصالة الهوية واللحاق بتسارع الحداثة والتقنيات الفنية المعاصرة.

 المحور الخامس: المستقبل والطموح

س: ما المشاريع التي تعملين عليها حاليًا؟ وما هو الحلم الفني الذي تسعين لتحقيقه؟

 أعمل حالياً على التجهيز لمعرض شخصي جديد قادم -إن شاء الله-، أطرح من خلاله تجربة وأسلوباً جديدين، بالإضافة إلى بعض التجارب في الفن التركيبي التي أروم عرضها، والتي تمثل محاولات معاصرة للأفكار المبتكرة خارج الصندوق.

أما حلمي الأكبر الذي أسعى إلى تحقيقه، فهو إنجاز عمل فني تركيبي ضخم وضمن مساحة مفتوحة، ليزين إحدى الحدائق العامة الكبرى في مدينة بغداد أو مدينة الدوحة.

المصدر: أوج 24

حول هذه القصة

الغرب لم ينظر إلى الساهر بوصفه مجرد “مطرب ناجح”، بل كشخصية عربية مثقفة ومتزنة (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

مجلة فرنسية: كاظم الساهر آخر قياصرة الشرق

الصائغ رحل مساء الجمعة في لندن بعد معاناة مع المرض

وداعا صادق الصائغ.. شاعر الحداثة الذي كتب وجع المنفى

رباب.. أيقونة الصمت البليغ قصيدة للشاعر العراقي عباس راضي

اترك تعليقاً