ليس السعر وحده.. كيف تكسب شركات التوصيل العراقية ثقة العملاء؟

يوليو 9, 2026
186

الدراسة رصدت اعتماد الشركات بصورة واسعة على اللهجة العراقية الدارجة في مخاطبة الجمهور

في سوق يتغير بوتيرة متسارعة، لم تعد المنافسة بين شركات التوصيل العراقية تدور حول سرعة تسليم الطلبات أو انخفاض الأسعار فقط، بل انتقلت إلى معركة أكثر تعقيدًا تتمثل في كسب ثقة المستهلك وصناعة صورة ذهنية راسخة. ومع تزايد اعتماد العراقيين على التجارة الإلكترونية، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيما “فيسبوك”، الساحة الرئيسية التي تتنافس فيها الشركات على جذب العملاء والاحتفاظ بهم.

وتكشف دراسة أكاديمية حديثة، أعدتها الباحثة هيلين محمد رحيم الوائلي في كلية الإعلام بجامعة بغداد، كجزء من متطلبات نيل شهادة الماجستير في فلسفة الإعلام/ العلاقات العامة، أن الإعلان الرقمي لم يعد مجرد وسيلة للترويج، بل تحول إلى أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي تبني سمعة شركات التوصيل وتعزز مكانتها في سوق يشهد منافسة متصاعدة.

واعتمدت الدراسة، التي أشرف عليها الأستاذ الدكتور سالم جاسم محمد العزاوي، على تحليل 153 إعلانًا منشورًا على صفحات شركات الوسيط والمندوب وبرايم على موقع فيسبوك خلال المدة من الأول من سبتمبر حتى 31 ديسمبر 2025، إلى جانب إجراء مقابلات مع مسؤولي هذه الشركات، بهدف فهم الكيفية التي تُصنع بها الصورة الذهنية في البيئة الرقمية.

وسيلة لبناء الثقة
وأظهرت النتائج أن الشركات الثلاث تتعامل مع الإعلان بوصفه وسيلة لبناء الثقة قبل بيع الخدمة. فقد تصدر أسلوب التكرار قائمة الأدوات الإقناعية المستخدمة، في محاولة لترسيخ أسماء الشركات وخدماتها في ذاكرة الجمهور، بينما جرى توظيف تأثير رأي الأغلبية والرسائل الواضحة لتعزيز الانطباع الإيجابي لدى العملاء.

وكشفت الدراسة أيضًا أن الحملات الإعلانية لا تعتمد على المنطق وحده، ولا على العاطفة وحدها، بل تمزج بينهما بصورة مدروسة؛ إذ تستخدم الشركات استمالات عقلية تبرز السرعة والكفاءة وجودة الخدمة، إلى جانب استمالات عاطفية تعزز مشاعر الأمان والاطمئنان، مع اللجوء في بعض الحالات إلى استمالات التخويف لإقناع العملاء بأهمية اختيار شركات موثوقة.

وفي جانب آخر، رصدت الدراسة اعتماد الشركات بصورة واسعة على اللهجة العراقية الدارجة في مخاطبة الجمهور، باعتبارها أكثر قربًا من المستخدمين وأكثر قدرة على بناء علاقة مباشرة معهم، فيما جاءت الإعلانات التي تجمع بين النص والصورة في صدارة الأشكال الإعلانية المستخدمة، بما يعكس تنامي أهمية المحتوى البصري في جذب انتباه مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي.

الخدمات الرقمية
كما أظهرت النتائج أن الشركات لم تركز على خدمات التوصيل التقليدية فقط، بل أولت اهتمامًا كبيرًا بإبراز الخدمات الرقمية التي تقدمها عبر تطبيقاتها، مثل تتبع الشحنات، وإدارة الطلبات، واستلام الأرباح إلكترونيًا، في محاولة لترسيخ صورة ذهنية تعكس الحداثة والاحترافية وسهولة الاستخدام.

ولم تغفل الحملات الإعلانية الجانب المجتمعي؛ إذ حرصت على إبراز دور شركات التوصيل في دعم التجار وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتقديم نفسها كشريك في نمو التجارة الإلكترونية، وليس مجرد مزود لخدمة لوجستية.

وترى الدراسة أن هذه الاستراتيجيات مجتمعة تعكس تحولًا في فلسفة التسويق الرقمي داخل العراق، حيث أصبحت السمعة الرقمية عنصرًا لا يقل أهمية عن جودة الخدمة نفسها، في وقت بات المستهلك يتخذ كثيرًا من قراراته الشرائية استنادًا إلى الانطباعات التي يصنعها المحتوى المنشور على وسائل التواصل الاجتماعي.

وخلصت الباحثة إلى أن نجاح شركات التوصيل في السنوات المقبلة سيعتمد بدرجة كبيرة على قدرتها على إدارة حضورها الرقمي، وتطوير محتواها الإعلاني، والاستجابة السريعة لتفاعل الجمهور، إلى جانب الاستثمار في الابتكار والخدمات الرقمية.

وأوصت الدراسة بتوسيع استخدام اللغات في المحتوى الإعلاني للوصول إلى شرائح أوسع من الجمهور، وتعزيز التفاعل مع تعليقات العملاء وشكاواهم، فضلاً عن توفير بيئة تشريعية وتقنية تدعم شركات التوصيل بوصفها أحد المكونات الرئيسية للاقتصاد الرقمي العراقي.

وتقدم هذه الدراسة واحدة من أوائل القراءات الأكاديمية المتخصصة التي توثق العلاقة بين الإعلان الرقمي والصورة الذهنية في قطاع التوصيل العراقي، في وقت يتوقع فيه أن يشهد هذا القطاع نموًا متواصلًا مع توسع التجارة الإلكترونية وتغير سلوك المستهلكين.

المصدر: أوج 24

حول هذه القصة

هل حرية التعبير مجرد شعار؟ دراسة تكشف ما يحدث داخل المؤسسات الإعلامية

اترك تعليقاً