أزمة الحاكمية.. عندما يتقاطع الدين والسياسة وهوية الدولة

يوليو 27, 2026
103

سعد صلاح السامرائي / كاتب عراقي

لم يعد الجدل حول العلاقة بين الدين والدولة مجرد نقاش أكاديمي أو خلاف بين النخب الفكرية، بل تحول إلى أحد أكثر الأسئلة تأثيراً في رسم ملامح الأنظمة السياسية ومستقبل المجتمعات. فكلما تصاعدت الأزمات السياسية أو تعثرت مشاريع الإصلاح، عاد إلى الواجهة سؤال يبدو بسيطاً في صياغته لكنه معقد في إجابته: من أين تستمد السلطة شرعيتها؟

من هذا السؤال ينطلق الكاتب سعد صلاح السامرائي، ليقدم قراءة تتجاوز السجال التقليدي بين الإسلاميين والعلمانيين، متتبعاً تطور مفهوم الحاكمية في المدارس الإسلامية المختلفة، ثم يقارن ذلك بالتجربة الغربية بعد فصل الدين عن الدولة، وما يراه من أزمة روحية رافقت صعود العلمانية، قبل أن يناقش انعكاسات هذه التحولات على الهوية السياسية والثقافية في العالم العربي والإسلامي.

أولاً: مفهوم الحاكمية في الفكر الإسلامي

لا بد في البداية من الإشارة إلى تباين مفاهيم الحاكمية واشتباكاتها بين المدارس الإسلامية المختلفة؛ حيث تنوعت الرؤى بين:

  • مدرسة الإخوان المسلمين (سيد قطب وأبو الأعلى المودودي): التي ذهبت إلى أن الحاكمية جزء أصيل لا يتجزأ من عقيدة الإسلام والمسلمين والمرتكزات الكبرى للعقيدة الإسلامية. ومع ذلك، فقد استغل بعض المتطرفين أفكار سيد قطب ليتخذوها مبرراً للتكفير.. ورغم ذلك هناك تباين بين أراء حسن البنا والهضيبي حول مفهوم الحاكم والحاكمية وهو أن الحكم لله تعالى وأن الحاكم يخضع لمفاهيم الانتخابات والشورى.
  • السلفية العلمية: التي نظرت إلى الحاكمية بوصفها جزءاً من المعتقد الذي يصحح عمل الحاكم وواجبات الرعية، مستندة في ذلك إلى منهج ابن تيمية في كتابه المتميز (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية)، أو آراء ابن القيم وهو أيضاً قائم على أن الحاكمية لله تعالى وهو المشرع.. وفرق بين الحاكم باختياره وأن لا يحق الخروج على الحاكم وهو ما ذهب إليه ابن باز وابن عثيمين.
  • السلفية الجهادية: التي تذهب إلى أن الحاكمية لله وأن الحاكم يجب أن يكون مطبقاً لشرع الله وإلا جاز الخروج عليه.
  • التيارات التقليدية والصوفية: التي ذهبت إلى إخراج الحاكمية من دائرة العقيدة الصارمة، تاركةً الشأن السياسي والسلطوي للحاكم دون تدخل مباشر في شؤون الحكم وإدارته.
  • المدرسة الإمامية: ترى أن الحاكمية لله تعالى وأن السلطة ملك الله، وأن أي سلطة لا تستمد مرجعيتها من الله لا تعتبر حاكمية إسلامية مع وجود مفهوم الشورى
    إنفوجرافيك يوضح صراع الهوية بين المرجعية الدينية والبدائل العلمانية وأثرهما على المجتمعات.

ثانياً: أزمة العلمانية الكبرى في الغرب (فراغ الروح والبحث عن البدائل)

إذا استطلعنا التاريخ الديني لصراع الكنيسة والعلمانية في أوروبا، نجد أن أزمة العلمانية الكبرى منذ أن انتصرت في مواجهتها مع الكنيسة تمثلت في إزاحة الدين عن الحكم والحياة بلا هوادة. غير أن ضريبة هذا الإبعاد كانت قاسية للغاية.

وفي محاولة لملء هذا الفراغ، ابتكرت العلمانية مفهوم (الدين المدني)؛ فتحول التقديس من الخالق -سبحانه وتعالى- إلى الأمة، وتغيرت معايير الأخلاق من هداية الدين إلى العقل والمنفعة البحتة كأساس للأخلاق والقانون. ومع انطلاقة الثورة الفرنسية، كتب أحد قادتها، وهو أونوريه ميرابو: “إن إعلان حقوق الإنسان أصبح إنجيلاً سياسياً، والدستور الفرنسي ديناً يمكن للبشر أن يضحوا بحياتهم في سبيله”.

لم يمنح هذا الدين الجديد شعائر تبعث الطمأنينة، بل وثق أواصره بالمادية المغفلة لحق الروح وتأثيرها العميق في حياة الإنسان. لقد كان البحث عن معنى للحياة بمعزل عن الروح هو أزمة العلمانية الكبرى خلال قرونها الثلاثة الأخيرة. وكما أشار اللاهوتي الألماني ديتريش بونهوفر، فإن الوظيفة الإدراكية للإنسان أصبحت محل صراع بين علم يجرد إيمان الإنسان من إنسانيته، وإيمان يشوه التأويل الديني؛ لتُفرغ المعرفة الإنسانية من معانيها المقدسة، ويظن الإنسان أنه قادر على خلق عالمه بنفسه دون حاجة إلى هداية السماء.

تناولت العديد من الكتب الغربية الحديثة هذه الأزمة الروحية المتفاقمة والمساعي الحثيثة لملء الفراغ بغير الدين (أي عبر مسكنات للروح بدلاً من علاجها الجذري):

كتاب (النعمة من دون الله) للصحفية كاثرين أوزمنت: يعرض محاولة علمانية للإجابة عن الأسئلة الوجودية الكبرى التي يستعصي على الآباء الإجابة عنها دون دين، متجاهلاً الحاجة الماسة للدين في التنشئة وبناء النفس الإنسانية وإمداد الروح بيقين حقيقي.

كتاب (الحياة بعد الإيمان) لفيليب كيتشر: يعترف بأهمية المعنى في ملء الفراغ الروحي ومواجهة قضايا الموت والفناء، لكنه يتهرب من حلول الدين ليقترح بدائل واهية مثل قوة الموسيقى والفن.

كتاب (الروحانية العلمانية) لهارالد والاك: محاولة لتطويع الروح من منظور نفعي بحت يخدم استمرار العلمانية، وليس اعترافاً حقيقياً بالأبعاد الروحية المتجاوزة.

كتاب (اختراع الرب) لعالم النفس جون ميلز: ينكر وجود الخالق، لكنه يقر بأن الإنسان بحاجة إلى “اختراعه” لمنح نفسه مسكنات تكف الروح عن طرح تساؤلاتها الكبرى، في محاولة مشابهة لطروحات سام هاريس في كتابه (البحث عن الروحانيات بدون دين).

كتاب (الإيمان العلماني والحرية الروحية) لمارتن هاجولند: يروج لإيمان علماني مكرس للحياة المادية المحدودة، رابطاً المعاني الروحية بالواقع الاقتصادي في تشابه واضح مع منطق الدهريين الذين تحدث عنهم القرآن الكريم.

كتاب (الدين الفردي) لعالم النفس توماس مور: يسعى لتدريب الفرد على صناعة روحانيته الخاصة بعيداً عن الدين المنظم، رغم أن أصول نصائحه تستمد جذوراً دينية مصاغة في قوالب لفظية معاصرة.

إن ما يجري في الجانب العلماني لرعاية الروح هي مجرد محاولات إصلاح سطحية مؤقتة لرفع معدلات الإنتاجية والحد من حالات الاكتئاب والانتحار، وليست إيماناً حقيقياً بأن الإنسان مكون من مادة (طين) وروح (نفخة إلهية)؛ فمن دون الروح يصبح الإنسان كائناً مادياً بحتاً بلا معنى ولا قيمة.

ثالثاً: العلمانية في العالم العربي والإسلامي (أزمة النماذج وتغريب الهوية)

أما في العالم الثالث والشرق الأوسط العربي والإسلامي، فقد قدمت العلمانية نماذج بالغة السوء في ملف الحاكمية وفصل الدين عن الدولة تحت ذريعة تنوع المجتمع. لقد نقلت هذه الأيديولوجيا المجتمعات نحو المادية البحتة، وسعت لهدم المنظومة القيمية والاجتماعية.

وكما يشير المفكر الكبير مالك بن نبي -رحمه الله-: “لكل مجتمع قيم جمالية”، إلا أن العلمانية استهدفت مفاهيم الإنسان المسلم وتغيير معتقده بفرض أنماط اجتماعية غربية مستوردة؛ كالدعاوى المجرّدة للمساواة المطلقة، وإباحة حرية الرأي حتى وصل الأمر إلى التطاول على الذات الإلهية ومقدسات الدين تحت غطاء “الحرية”، بينما تبرز ازدواجية المعايير العلمانية جلياً في منع الحجاب ببعض الدول الغربية (مثل فرنسا) بحجة مدنية الدولة.

إننا لسنا بصدد مهاجمة العلمانية لمجرد الهجوم، بقدر ما نحتاج إلى فهم حقيقي مفاده أن المدنية التي تسعى لعزل المجتمع عن دينه وقيمه تحت يافطة الحداثة هي مجرد “وهم”. فالمدنية الحقيقية التي ينشدها المجتمع هي التي تحافظ على جوهر الدين، وتصون القيم الجمالية والمجتمعية كالعفة، والكرم، والبذل، واحترام الجار، والفضيلة.

* الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لموقع أوج 24.
المصدر: أوج 24

اترك تعليقاً