يوميات فاوتشي تفجّر معركة جديدة.. ماذا أخفى عن منشأ كورونا؟ 

يوليو 29, 2026
53

ما زال منشأ فيروس كورونا موضع خلاف، رغم مرور سنوات على ظهوره ( منظمة الصحة العالمية)

بعد أكثر من ست سنوات على تفشي جائحة كورونا، يعود الجدل بشأن منشأ الفيروس إلى قلب المشهد السياسي الأميركي، مع مثول كبير خبراء الأمراض المعدية السابق الدكتور أنتوني فاوتشي أمام مجلس الشيوخ اليوم الأربعاء، في جلسة استماع رفض فيها  فاوتشي الإجابة عن أسئلة أعضاء مجلس الشيوخ ، بشأن أصول فيروس كورونا وكيفية تعامل الحكومة الأميركية مع الجائحة.

وأكد فاوتشي،خلال الجلسة، أنه سيتمسك بحقه الدستوري بموجب التعديل الخامس، لتجنب احتمال استخدام الجمهوريين شهادته في ملاحقته بتهمة الإدلاء بشهادة زور.

وأثار هذا القرار المفاجئ أجواء الجلسة، التي كان من المتوقع أن تكون محتدمة، في ظل الخلافات العلنية السابقة بين فاوتشي ورئيس اللجنة، السيناتور الجمهوري راند بول عن ولاية كنتاكي.

وفي كلمته الافتتاحية أمام لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ، اتهم فاوتشي راند بول بأنه لديه “هوس واضح” بالدعوة إلى ملاحقته قضائياً، مشيراً إلى ما وصفه بـ”التصريحات التشهيرية المتكررة” بحقه، إضافة إلى نشر السيناتور مذكراته الشخصية على الملأ.

وقال فاوتشي إن الاستنتاج الوحيد الذي توصل إليه هو أن استدعاءه إلى اللجنة يهدف إلى دفعه لقول أي شيء يمكن استخدامه لتبرير تعهدات بول المتكررة بإرساله، على حد تعبيره، إلى “خلف القضبان”.

وأضاف أن أي شخص تابع ما وصفه بـ”الهوس غير المنطقي” الذي أبداه راند بول تجاهه سيصل إلى النتيجة نفسها، موضحاً أنه، وبناءً على نصيحة محاميه، قرر التمسك بحقه المكفول في التعديل الخامس من الدستور الأمريكي والامتناع عن الإجابة عن الأسئلة، رغم احترامه للسلطة التشريعية وسجله الطويل في التعاون مع الكونغرس.

كما أشار فاوتشي إلى أنه سبق أن مثل أمام لجان مجلسي النواب والشيوخ مرات عديدة، مؤكداً أنه خلال نحو 40 عاماً قضاها مديراً للمعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، أدلى بشهادات أو قدم إحاطات للكونغرس أكثر من 200 مرة، وهو ما قال إنه يعكس إيمانه بأهمية الرقابة البرلمانية واحترامه لها.

ورغم امتناع فاوتشي عن الرد، استغل السيناتور راند بول الوقت المخصص له في الجلسة لتوجيه سلسلة من الأسئلة إلى الطبيب، دون أن يتلقى إجابات بسبب تمسكه بحقه الدستوري في عدم الإدلاء بالشهادة.

ولا تقتصر القضية هذه المرة على فرضية تسرب الفيروس من مختبر في مدينة ووهان الصينية أو طبيعة الأبحاث التي موّلتها الولايات المتحدة، بل تشمل أيضاً أكثر من 1100 صفحة من يوميات فاوتشي الشخصية، نُشرت قبيل الجلسة وكشفت جانباً من نقاشاته العلمية وعلاقته المتوترة بإدارة الرئيس دونالد ترامب، فضلاً عن صعوده المفاجئ إلى مصاف الشخصيات الأميركية الأكثر شهرة خلال الجائحة.

استدعاء قسري ومواجهة مرتقبة

استدعى راند بول فاوتشي، البالغ من العمر 85 عاماً، للمثول أمام لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ، بعدما رفض الخبير المتقاعد الحضور طوعاً، مشيراً عبر محاميه إلى أن الدعوة تأتي في إطار حملة سياسية وشخصية مستمرة ضده.

ويتهم بول فاوتشي بتقديم روايتين مختلفتين بشأن منشأ الفيروس: إحداهما في ملاحظاته الخاصة، والأخرى أمام الرأي العام والكونغرس. وكتب السيناتور الجمهوري أن ما دوّنه فاوتشي سراً لا يتطابق، بحسب رأيه، مع ما قاله للأميركيين خلال الجائحة.

في المقابل، وصف محامو فاوتشي هذه الاتهامات بأنها «بلا أساس»، واتهموا بول بخوض حملة طويلة تهدف إلى ملاحقته قضائياً بسبب خلافات علمية وسياسية مرتبطة بإدارة الجائحة.
إنفوجرافيك يشرح الجدل المحيط بأنطوني فاوتشي بشأن منشأ فيروس كورونا وعلاقته بالسياسة والتمويل والجمهور.

ماذا تكشف اليوميات؟

تغطي اليوميات الفترة بين أواخر عام 2019 ونهاية عام 2022، وتتناول الأيام الأولى لانتشار الفيروس، والنقاشات التي دارت بين العلماء بشأن منشئه، والارتفاع المتسارع في أعداد الإصابات والوفيات، والخلافات داخل الإدارة الأميركية حول الإغلاق واللقاحات والرسائل الموجهة إلى الجمهور.

وتظهر الملاحظات أن فاوتشي ناقش، في الأسابيع الأولى، عدة احتمالات بشأن مصدر الفيروس، بينها الانتقال الطبيعي من الحيوانات واحتمال التسرب من مختبر. إلا أنه كتب لاحقاً أن الأدلة المتاحة جعلته أكثر اقتناعاً بالمنشأ الطبيعي، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام الاحتمالات الأخرى.

ويرى مؤيدو فاوتشي أن هذا التحول يعكس المسار المعتاد للبحث العلمي؛ إذ يبدأ العلماء بعدة فرضيات ثم يعيدون تقييمها كلما ظهرت معلومات جديدة. أما منتقدوه فيعتبرون أن الشكوك المبكرة الواردة في اليوميات تؤكد أن فرضية المختبر لم تكن مستبعدة بالقدر الذي عُرضت به على الجمهور.

جدل «اكتساب الوظيفة»

يُتوقع أن تتمحور الجلسة بصورة أساسية حول الأبحاث التي موّلتها المعاهد الوطنية للصحة الأميركية في الصين، من خلال منح قدمت إلى تحالف الصحة البيئية (إيكو هيلث ألاينس) الأميركية، التي تعاونت مع مختبر ووهان في دراسة فيروسات كورونا الموجودة لدى الخفافيش.

ويتهم بول فاوتشي بالسماح بتمويل أبحاث «اكتساب الوظيفة»، وهي تجارب يمكن أن تمنح الفيروسات خصائص جديدة أو تزيد قدرتها على الانتشار، بهدف دراسة المخاطر المحتملة وتطوير وسائل لمواجهتها.

لكن فاوتشي يؤكد أن الأبحاث الممولة لم تندرج ضمن التعريف الحكومي للتجارب عالية الخطورة، وأن التحليل الجيني يجعل من المستحيل، من الناحية الجزيئية، أن تكون الفيروسات المستخدمة في تلك الدراسات قد تحولت إلى فيروس «سارس-كوف-2» المسبب لكوفيد-19.

ولم تعثر لجنة فرعية يقودها الجمهوريون ودرست القضية عام 2024 على دليل يربط فاوتشي بارتكاب مخالفة أو بالتسبب في تفشي الجائحة.

لا حسم نهائياً لمنشأ الفيروس

ما زال منشأ فيروس كورونا موضع خلاف، رغم مرور سنوات على ظهوره. ويعتقد كثير من العلماء أن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو انتقال الفيروس بصورة طبيعية من الحيوانات إلى البشر، وربما برز انتشاره لأول مرة في سوق للحيوانات بمدينة ووهان الصينية.

في المقابل، اكتسبت فرضية التسرب العرضي من مختبر نفوذاً سياسياً واسعاً داخل الأوساط الجمهورية، وتبنتها إدارة ترامب بوصفها احتمالاً رئيسياً، مستندة إلى مخاوف سابقة بشأن إجراءات السلامة في مختبر ووهان.

غير أن الدراسات الجينية المتاحة لم تقدم دليلاً على تعديل الفيروس صناعياً، كما لم يظهر حتى الآن دليل علمي جديد وحاسم يثبت أنه تسرب من المختبر. ولذلك يبقى النقاش قائماً بين احتمالين، مع اختلاف كبير بشأن الوزن العلمي الذي ينبغي منحه لكل منهما.

فاوتشي وترامب.. توتر خلف الكواليس

تكشف اليوميات أيضاً تفاصيل الخلاف المتصاعد بين فاوتشي وترامب خلال عام 2020. فقد كتب فاوتشي أنه حذر الرئيس من التقليل من خطورة الفيروس، لكنه لاحظ أن ترامب استمر في تقديم رسائل أكثر تفاؤلاً إلى الجمهور.

وأشار إلى أن ترامب كان يضغط من أجل إنهاء إجراءات الإغلاق وإعادة فتح الاقتصاد قبل الانتخابات الرئاسية، وأنه أبدى انزعاجاً عندما أبلغه المسؤولون بأن اللقاح قد لا يكون جاهزاً قبل موعد التصويت.

كما اتهم فاوتشي بعض المسؤولين بمنعه من الظهور في وسائل الإعلام عندما كانت تصريحاته تتعارض مع رواية البيت الأبيض. ووصف علاقته بترامب بأنها متناقضة، إذ كان الرئيس يظهر الود تجاهه في اللقاءات المباشرة، ثم يعيد نشر رسائل تنتقده أو تهاجمه.

من طبيب حكومي إلى نجم اجتماعي

أثارت الأجزاء المتعلقة بشهرة فاوتشي اهتماماً واسعاً، إذ تظهر أنه كان يتابع بتفصيل غير معتاد حجم الاهتمام الإعلامي الذي حظي به، والجوائز التي حصل عليها، ودعوات الحفلات والمناسبات التي تلقاها من شخصيات سياسية وفنية.

وتحدث في يومياته عن اتصالات مع مشاهير مثل باربرا سترايسند وجوليا روبرتس وروبرت دي نيرو وبراد بيت، وعن حضوره حفلات ومناسبات في واشنطن أصبح خلالها محاطاً بأشخاص يطلبون التقاط الصور معه.

ويرى منتقدوه في هذه الملاحظات دليلاً على انشغاله بشهرته في وقت كانت فيه أعداد الوفيات ترتفع. بينما يقول المدافعون عنه إن التركيز على حياته الاجتماعية يصرف الأنظار عن مضمون اليوميات العلمي، وعن عمله لساعات طويلة خلال أكبر أزمة صحية شهدتها الولايات المتحدة منذ عقود.

علماء يدافعون عنه

قبيل الجلسة، وقّع أكثر من 150 خبيراً في الأمراض المعدية وباحثاً رسالة مفتوحة دفاعاً عن فاوتشي، قالوا فيها إن الاتهامات الموجهة إليه لم تستند إلى أدلة موثوقة، وإن التحقيقات تحولت إلى حملة تشهير ومضايقة سياسية.

وأكد الموقعون أن الشكوك والنقاشات التي ظهرت في الأيام الأولى للجائحة كانت جزءاً طبيعياً من عملية البحث العلمي، وليست دليلاً على مؤامرة أو محاولة لإخفاء الحقيقة.

وعلى الجانب الآخر، يقول الجمهوريون إن الجلسة ضرورية لمحاسبة المسؤولين، والتحقق من طبيعة الأبحاث التي موّلت بأموال دافعي الضرائب، ومعرفة ما إذا كانت المؤسسات الصحية قد قدمت معلومات غير كاملة بشأن مخاطر الأبحاث الفيروسية.

معركة سياسية أكثر منها جلسة علمية

من غير المتوقع أن تقدم الجلسة حلاً نهائياً للغز منشأ كورونا، خصوصاً أن بول وبعض حلفائه أقروا بأنهم لا يتوقعون الحصول على اعترافات أو معلومات حاسمة جديدة من فاوتشي.

لكن الجلسة ستعيد فتح واحدة من أكثر القضايا التي قسمت المجتمع الأميركي خلال الجائحة: حدود سلطة المؤسسات الصحية، ودور الخبراء في صنع القرار، وشفافية تمويل الأبحاث الخطرة، والمسؤولية عن الإغلاقات وفرض الكمامات واللقاحات.

وهكذا، يعود فاوتشي إلى الكونغرس بعد تقاعده، ليس فقط للدفاع عن قراراته العلمية، بل أيضاً لمواجهة سرديتين متعارضتين عن سنوات الجائحة: إحداهما تراه خبيراً قاد البلاد خلال أزمة غير مسبوقة، والأخرى تحمله جانباً كبيراً من مسؤولية السياسات والأخطاء التي رافقتها.

حول هذه القصة

منظمة الصحة العالمية أكدت أن الخطر العام لا يزال منخفضاً ولا يمثل بداية جائحة جديدة (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

سفينة “فيروس هانتا” تقترب من إسبانيا… وست حالات مؤكدة 

الباحثون يأملون أن يصبح اللقاح متاحًا خلال خمس إلى سبع سنوات (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

بخاخ أنفي قد يغيّر مستقبل الطب.. لقاح واحد ضد أمراض تنفسية متعددة

اترك تعليقاً