الذكاء الاصطناعي يكشف أسرار ملحمة جلجامش وأدب بلاد الرافدين

يونيو 3, 2026
96

اللوح الخامس من ملحمة جلجامش، والمحفوظ في متحف السليمانية بالعراق (ويكيميديا كومنز)

بعد أكثر من قرن ونصف من البحث بين آلاف الألواح الطينية المتناثرة في متاحف العالم، أصبح الذكاء الاصطناعي أداة جديدة تساعد الباحثين على إعادة بناء النصوص المفقودة من حضارات بلاد الرافدين االقديمة.

ويقول علماء إن هذه التكنولوجيا تسرّع بشكل غير مسبوق عملية فك رموز الكتابة المسمارية وتجميع شظايا الأدب البابلي القديم، بما في ذلك ملحمة جلجامش، أقدم ملحمة معروفة في تاريخ البشرية.

وبحسب تقرير لموقع ” ذا كونفيرزيشن”، فإن الذكاء الاصطناعي يدخل عالم الأدب البابلي القديم، ويساعد مشروع مكتبة بابل الإليكترونية (eBL) الباحثين على إعادة بناء النصوص المسمارية المفقودة.

يعتمد المشروع على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل آلاف الألواح الطينية المجزأة وربطها ببعضها البعض.

■ ملحمة جلجامش نموذجاً

[الذي رأى الأعماق]، [وأرسى] أسس البلاد،

[الذي] عرف [… ] و[أدرك] كل شيء [… ]

 

[الذي رأى الأعماق]، [وأرسى] أسس البلاد،

[الذي] عرف [… ] و[أدرك] كل شيء [… ]

 

يمثل هذا المقتطف  بداية ملحمة جلجامش كما كانت معروفة منذ القرن التاسع عشر، حيث كانت أجزاء كبيرة من النص مفقودة أو غير مقروءة.

أما المقتطف التالي فيُظهر النص بعد استكماله وإعادة ترميمه بالكامل، بالشكل الذي وصل إليه بعد أكثر من مئة عام، إثر نشر قطعة أثرية جديدة من الملحمة عام 2007.

أما النص المكتمل الذي توصل إليه الباحثون فيُترجم إلى:

هو الذي رأى الأعماق وأدرك أسس البلاد،

وعرف السبل القويمة، وكان حكيماً في كل الأمور.

جلجامش، الذي رأى الأعماق وأدرك أسس البلاد،

وعرف السبل القويمة، وكان حكيماً في كل الأمور.

 

يعكس ذلك حجم الصعوبات التي تواجه الباحثين في إعادة بناء النصوص القديمة.

■ مشكلة عمرها آلاف السنين

معظم الألواح الطينية التي وصلت إلينا تعرضت للكسر والتلف عبر الزمن.

غالباً ما تكون أجزاء النصوص موزعة بين متاحف ومجموعات مختلفة حول العالم.

لذلك يحتاج الباحثون إلى مطابقة الشظايا المتفرقة لإعادة تكوين النصوص الأصلية.

صف هذا اللوح المسماري، الذي يزيد عرضه قليلاً على عشرة سنتيمترات، طقساً احتفالياً أو شعيرة دينية. وتبدو أسطر النص واضحة للعين عند النظر إليه من مسافة. لكن عند التدقيق عن قرب (يمين الصورة)، يتضح مدى التآكل الشديد الذي أصاب سطح اللوح عبر الزمن. ورغم ذلك، يساعد الذكاء الاصطناعي الباحثين على التعرف إلى الرموز المسمارية وقراءتها.(الصورة: دانيال شفيمر / جامعة فورتسبورغ الألمانية).
لوح مسماري يصف طقساً احتفالياً أو شعيرة دينية.( دانيال شفيمر/ جامعة فورتسبورغ الألمانية)

■ المتحف البريطاني يحتفظ بكنوز غير مقروءة

يضم المتحف البريطاني مئات الآلاف من الألواح المسمارية.

كثير من هذه الألواح لم تُقرأ منذ العصور القديمة.

تمكن المشروع من رقمنة عشرات الآلاف منها وإدخالها إلى قاعدة بيانات رقمية.

■ قاعدة بيانات ضخمة للأدب البابلي

يجمع مشروع مكتبة بابل الإليكترونية (eBL) نصوصاً وأجزاء ألواح من أشهر الأعمال الأدبية البابلية.

تشمل هذه الأعمال ملحمة الخلق البابلية وقصائد الحكمة والأدب الديني والأسطوري.

■ لماذا يصعب قراءة المسمارية؟

لا توجد طريقة موحدة لكتابة الكلمات في النصوص المسمارية.

كان الكتبة يختلفون في أساليب الكتابة والتهجئة بحسب المكان والعصر.

كما أن الرمز الواحد قد يحمل أكثر من معنى أو قراءة مختلفة.

■ الذكاء الاصطناعي يحقق دقة مذهلة

درب الباحثون نموذجاً ذكياً على أقل من 20 ألف سطر من النصوص.

تمكن النظام من تحقيق نسبة نجاح بلغت 98% في تفسير العلامات المسمارية ضمن سياقاتها المختلفة.

■ الكلمات تشبه الحمض النووي

يشبه الباحثون الاختلافات بين النصوص المسمارية بالطفرات الوراثية في الحمض النووي (DNA).

لذلك استخدموا خوارزميات مشابهة لتلك المستخدمة في علم الجينات لمقارنة النصوص القديمة.

ساعد ذلك في اكتشاف علاقات جديدة بين الشظايا المتفرقة.

إعادة تجميع اللوح المسماري K.4981+ من تسع قطع متناثرة
إعادة تجميع اللوح المسماري K.4981+ من تسع قطع متناثرة (موقع ” ذا كونفيرزيشن”)

■ آلاف القطع الجديدة تم التعرف عليها

خلال 150 عاماً من دراسات الآشوريات، تمكن العلماء من ربط نحو 5000 قطعة مكسورة بألواح معروفة.

أما خلال خمس سنوات فقط من مشروع مكتبة بابل الإليكترونية، فقد تم التعرف على أكثر من 1500 قطعة إضافية وربطها بالنصوص الأصلية.

كما جرى اكتشاف آلاف القطع الأخرى التي تحتاج إلى مزيد من الدراسة.

■ آفاق جديدة لفهم حضارات بلاد الرافدين

يأمل الباحثون أن يستخدم علماء آخرون والهواة هذه الأدوات الرقمية لاستكمال النصوص المفقودة.

يمكن أن يساعد ذلك في كشف جوانب جديدة من تاريخ وأدب وثقافة بابل وآشور والحضارات العراقية القديمة.

ما أهمية هذا الإنجاز؟

يسرّع إعادة بناء النصوص المفقودة من حضارات بلاد الرافدين.

يساعد في قراءة ألواح ظلت مجهولة المحتوى لقرون طويلة.

يفتح الباب أمام اكتشافات جديدة حول الأدب والتاريخ والدين والحياة اليومية في العراق القديم.

يبرهن على أن الذكاء الاصطناعي بات أداة أساسية في علوم الآثار والتراث الإنساني، وليس فقط في المجالات التقنية الحديثة.

حول هذه القصة

الجنائن المعلقة في بابل (لوف إكسبلورينغ)

من جنائن بابل إلى أهرامات الجيزة..كيف ستبدو عجائب الدنيا السبع اليوم؟

بلاد الرافدين كانت بيئة تفاعلية دفعت الإنسان إلى الابتكار والتنظيم (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

سرّ البداية… هكذا وُلدت أول حضارة في بلاد الرافدين

سواء كانت هذه الشخصيات حقيقية أم خيالية، فإن حضورها في الثقافة الإنسانية يظل مؤثرًا (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

من جلجامش إلى روبن هود.. هل كانوا شخصيات حقيقية؟

اترك تعليقاً