في مشهد غير مألوف، أُغلقت بوابات المنطقة الخضراء في بغداد أواخر يونيو/ حزيران الماضي، لكن هذه المرة لم يكن الهدف منع المحتجين من الدخول، بل ـ بحسب تقرير مطول لصحيفة “الغارديان” نشرته اليوم الأحدـ الحيلولة دون خروج شخصيات من داخلها. وبحلول الصباح، كانت حملة أمنية قد أسفرت عن توقيف نحو 50 شخصاً، بينهم نواب ومسؤولون كبار، وسط إعلان ضبط مبالغ ضخمة من الأموال والذهب والممتلكات.
ويرى مسؤولون تحدثوا للصحيفة أن ما يجري قد يمثل محاولة مختلفة عن حملات مكافحة الفساد السابقة، هدفها ضرب الشبكات المالية التي بنتها الأحزاب داخل مؤسسات الدولة. لكن السؤال الذي يبقى مفتوحاً هو: هل يشهد العراق بداية تفكيك منظومة المحاصصة والفساد، أم أن البلاد أمام حملة جديدة قد تتوقف عند حدود معينة أو تتحول إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية؟
من حماية المنطقة الخضراء إلى محاصرة من بداخلها
يبدأ تقرير الصحفي العراقي غيث عبد الأحد بصورة رمزية لما حدث فجر 28 يونيو/ حزيران. فالمنطقة الخضراء، التي تُغلق أبوابها عادة لحماية مؤسسات الحكم من الاحتجاجات، أُغلقت هذه المرة فيما انتشرت دبابات أبرامز وقوات مكافحة الإرهاب في شوارعها.
وبحسب التقرير، انتهت العملية باعتقال نحو 50 شخصاً، بينهم نحو 12 نائباً ومسؤولاً كبيراً، مع تداول صور ومقاطع فيديو قيل إنها تظهر خزائن وأموالاً ومجوهرات وحقائب محشوة بالدولارات.
وقد لاقت الاعتقالات ترحيباً واسعاً في أوساط عراقية، في بلد بات الفساد فيه واحداً من أكثر الملفات التي تثير غضب الجمهور تجاه الطبقة السياسية التي حكمت منذ 2003.

الزيدي ووعود لا خطوط حمراء
يربط التقرير الحملة برئيس الوزراء علي الزيدي، الذي وضع عند توليه السلطة في مايو/ أيار ملفين في مقدمة أولوياته: حصر السلاح بيد الدولة ومحاربة الفساد «من دون خطوط حمراء».
وتكتسب هذه الملفات، وفق «الغارديان»، أهمية أكبر بسبب الأزمة المالية التي يواجهها العراق بعد التراجع الحاد في صادراته النفطية نتيجة الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران.
لكن الصحيفة تذكّر بأن رؤساء حكومات سابقين بدأوا ولاياتهم أيضاً بإعلانات كبيرة عن مكافحة الفساد، قبل أن تنتهي تلك الحملات من دون تغيير جذري في بنية النظام.
مع ذلك، يصف مصدر حكومي تحدث إلى الصحيفة ما يحدث هذه المرة بأنه “زلزال حقيقي داخل الدوائر السياسية”، معتبراً أن استهداف عدد محدود من الشخصيات قد يحمل رسالة إلى بقية القوى السياسية بأن الحماية الحزبية لم تعد ضمانة مطلقة.
المشكلة أعمق من مسؤول فاسد
يذهب التقرير أبعد من الاعتقالات، ويربط الفساد ببنية نظام المحاصصة الذي تشكل بعد 2003، حيث توزعت المناصب والمؤسسات بين القوى الشيعية والسنية والكردية وغيرها.
فما بدأ باعتباره صيغة لتقاسم السلطة ومنع عودة الحكم الاستبدادي، تحول ـ وفق توصيف التقرير ومصادره ـ إلى وسيلة تتنافس عبرها الأحزاب على الوزارات والمؤسسات المربحة، وتستخدمها لبناء شبكات مالية ونفوذ داخل الدولة.
وينقل التقرير عن مصرفي دولي سبق أن عمل مع الحكومة العراقية قوله إن الأحزاب أقامت ما يشبه «دولاً داخل الدولة»، مقدراً أن بعض هذه الشبكات تستقطع ما بين 5% و10% من قيمة العقود الحكومية.

قضية عدنان الجميلي.. نموذج للمنظومة
يخصص التقرير مساحة كبيرة لقضية عدنان الجميلي، وكيل وزارة النفط لشؤون المصافي، الذي اعتُقل في 30 مايو/ أيار.
كان الجميلي قد صعد سريعاً في مؤسسات قطاع التكرير، وظهر سابقاً إلى جانب رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني خلال افتتاح مشروعات، بل قُدّم في مرحلة ما باعتباره نموذجاً للمسؤول الشاب والكفوء.
لكن بعد اعتقاله، تقول التحقيقات التي يستند إليها التقرير إن السلطات عثرت على أسلحة وكميات كبيرة من الأموال والممتلكات والذهب.
وبحلول منتصف يوليو/ تموز، يشير التقرير إلى أن إجمالي المضبوطات المرتبطة بالقضية وصل إلى 127 مليار دينار عراقي و24 مليون دولار نقداً، إضافة إلى عقارات وسيارات و375 كيلوغراماً من الذهب.
كما ينقل عن الزيدي قوله إن الجميلي حاول قبل اعتقاله رشوته بـ200 مليون دولار للإبقاء عليه في منصبه، بينما تحدثت تقارير أخرى عن عرض قد يصل إلى 600 مليون دولار.
وهذه التفاصيل اتهامات ومعلومات منسوبة إلى التحقيقات والمسؤولين، وليست أحكاماً قضائية نهائية.
كيف تعمل شبكة الأموال؟
بحسب الرواية التي يعرضها التقرير، لم تكن القضية مجرد إثراء شخصي. إذ يُشتبه في استخدام عقود ومقاولات وشحنات وقود ووظائف وهمية لتحويل مبالغ ضخمة، إضافة إلى توجيه أموال إلى مرشحين وقوى سياسية.
ويقول سياسي تحدث للصحيفة إن اتساع علاقات الجميلي مع قوى متعددة منحه شعوراً بأنه أصبح محمياً سياسياً ولا يمكن الوصول إليه.
ويصف مصدر حكومي المناصب المربحة داخل مؤسسات الدولة بأنها أشبه بآلات «تعدين البيتكوين» بالنسبة للأحزاب: توضع شخصيات معينة فيها لكي تولد باستمرار إيرادات غير مشروعة للقوى التي تقف خلفها.
لماذا الآن؟
يضع تقرير «الغارديان» الحملة في سياق عاملين متزامنين: الأزمة المالية الحادة التي يواجهها العراق، والدور الأميركي الأكثر نشاطاً في السياسة العراقية.
وتقول مصادر حكومية وبرلمانية وقضائية للصحيفة إن واشنطن طورت تعاوناً أوثق مع القضاء العراقي، في وقت اتخذ فيه القضاء مواقف أكثر وضوحاً بشأن حصر السلاح بيد الدولة.
وبحسب التقرير، كان المطلوب العثور على قضية فساد كبيرة بما يكفي لإحداث صدمة سياسية وإعلامية، لكن من دون أن يؤدي فتحها إلى انهيار النظام السياسي بأكمله. وترى مصادره أن قضية الجميلي حققت هذه المعادلة، لأنها امتدت إلى سياسيين بارزين، لكنها لم تصل حتى الآن إلى كبار زعماء الأحزاب.
وهذه النقطة بالذات تفتح الباب أمام السؤال الأكثر حساسية: هل هناك سقف للحملة؟
هدفان: استعادة الأموال وقطع صلة الأحزاب بالدولة
بحسب مصدر حكومي تحدث إلى الصحيفة، تسعى الحكومة والقضاء إلى تحقيق هدفين أساسيين.
الأول هو استعادة أكبر قدر ممكن من الأموال التي يُعتقد أن شبكات سياسية استولت عليها خلال السنوات الماضية.
أما الثاني، والأكثر طموحاً، فهو قطع العلاقة المالية بين الأحزاب وأجهزة الدولة، بحيث لا تعود المكاتب الاقتصادية الحزبية قادرة على الحصول على الأموال عبر العقود والمشروعات والعمولات والمناصب.
وإذا تحقق ذلك فعلاً، فسيعني تغييراً يتجاوز اعتقال أفراد إلى محاولة تفكيك أحد الأسس الاقتصادية التي قامت عليها منظومة المحاصصة طوال العقدين الماضيين.
هل هي بداية دولة طبيعية؟
لا يقدم تقرير «الغارديان» إجابة حاسمة. فحتى المصادر المتفائلة بالحملة تقر بأنه لا توجد ضمانات بأن الفساد سينتهي أو أن الأحزاب ستتخلى عن شبكاتها الاقتصادية.
كما يطرح التقرير احتمالاً آخر لا يمكن تجاهله: أن تتحول مكافحة الفساد إلى عملية محدودة أو انتقائية، أو حتى إلى وسيلة لتصفية الحسابات، خصوصاً إذا توقفت التحقيقات قبل الوصول إلى القيادات السياسية التي وفرت الحماية لهذه الشبكات.
ولهذا فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في حجم الأموال المعروضة أمام الكاميرات أو عدد المعتقلين، بل في ما إذا كانت التحقيقات ستقود إلى:-
محاسبة قضائية شفافة، واستعادة الأموال، وإصلاح قواعد العقود والتعيينات، وإنهاء قدرة الأحزاب على التعامل مع مؤسسات الدولة بوصفها مصادر لتمويل نفوذها.
فالرهان الذي يصوره التقرير أكبر من قضية مسؤول أو مجموعة نواب: إنه محاولة، إن نجحت، لنقل العراق من دولة تتقاسمها شبكات حزبية ومسلحة إلى ما يصفه أحد المصادر بـ”دولة طبيعية/ عادية” تقدم الكهرباء والماء والوقود والخدمات، وتنجح وتفشل مثل بقية الدول، بدلاً من العيش في أزمة دائمة.
ويبقى السؤال الذي يصلح خاتمة للمادة: هل تمثل الاعتقالات بداية تفكيك منظومة عمرها أكثر من عقدين، أم أن “زلزال” مكافحة الفساد سيتوقف عندما يصل إلى أبواب القوى التي بنت هذه المنظومة؟






