بعد أشهر من القصف وارتفاع أسعار الوقود واستنزاف الذخائر، يلوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإيران بسلاح مختلف: «حرب اقتصادية» غير مسبوقة، عبر ما يسميه «يوماً اقتصادياً حاسماً» يهدف إلى عزل إيران وخنق مصادر تمويلها، وفرض «عواقب اقتصادية هائلة» على أي دولة تواصل توفير ما وصفه بـ«شريان حياة». لكن خلف لغة التهديد القاسية تكمن معضلة يصعب على واشنطن إخفاؤها؛ فالرئيس الأميركي يريد دفع طهران إلى التراجع من دون العودة إلى حرب واسعة.
وهنا تكمن المفارقة: كلما شدد ترامب الخناق الاقتصادي، ازدادت احتمالات أن تقرأ إيران هذا التحول باعتباره دليلاً على أن واشنطن لا تريد القتال مجدداً. وبذلك قد تصبح العقوبات، التي يفترض أن تدفع طهران إلى التراجع، اختباراً جديداً لمعرفة أي الطرفين يستطيع تحمل الضغط مدة أطول.
لكن نجاح هذه الاستراتيجية لا يتوقف على حجم العقوبات الأميركية وحدها. فخلف المواجهة بين واشنطن وطهران تقف قوة ثالثة تمتلك جانباً مهماً من مفاتيحها: الصين، التي تستحوذ على معظم صادرات النفط الإيراني، وتملك في الوقت نفسه أدوات تجعل ترامب حذراً من تحويل الضغط على إيران إلى حرب اقتصادية جديدة مع بكين.
وأدانت وزارة الخارجية الإيرانية بتهديد ترامب، ووصفته بأنه غير قانوني، محذرة من أن من يصدر أو ينفذ هذه الإجراءات قد يكون «عرضة للملاحقة والعقاب».

لماذا انتقل ترامب إلى الاقتصاد؟
قراءة صحيفة «نيويورك تايمز» لهذا التحول تذهب أبعد من كونه مجرد تصعيد جديد. فالصحيفة ترى أن اختيار العقوبات والخنق المالي بعد أشهر من العمليات العسكرية يحمل أيضاً رسالة ضمنية إلى إيران مفادها أن ترامب يريد زيادة الضغط، لكنه لا يرغب في الوقت الراهن في العودة إلى حملة قصف واسعة.
وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قال صراحة إن تطبيق «أقصى ضغط اقتصادي» يعني على الأرجح عدم وجود عودة وشيكة إلى عمليات عسكرية واسعة، مع تشديده على أن ذلك ينطبق «في الوقت الحالي».
وهذه الرسالة قد تكون لها نتيجة مزدوجة.
فمن جهة، تحاول واشنطن إقناع الأسواق والرأي العام بأن لديها أدوات أخرى غير الحرب. ومن جهة ثانية، قد تستنتج طهران أن الرئيس الأميركي أصبح أكثر تردداً في استخدام القوة العسكرية.
الدبلوماسي الأميركي السابق دينيس روس يرى أن الإيرانيين باتوا يقرأون ترامب على أنه لا يريد مزيداً من التصعيد العسكري، وهو تقدير قد يمنحهم، بدلاً من دفعهم إلى التراجع، حافزاً لاختبار حدود واشنطن وربما زيادة الضغط عليها أو على حلفائها في الخليج.

حرب فرضت كلفة على الطرفين
التحول الأميركي نحو الاقتصاد يأتي بعد أن أظهرت إيران، بحسب التحليلات الأميركية، قدرة على تحمل ضربات واسعة، وفي الوقت نفسه على فرض تكلفة على الولايات المتحدة وحلفائها، خصوصاً من خلال تهديد الملاحة وناقلات النفط في مضيق هرمز.
وتشير «نيويورك تايمز» إلى أن أسعار البنزين في الولايات المتحدة ما زالت أعلى بأكثر من دولار للغالون مقارنة بما قبل الحرب، بينما تعرضت قواعد أميركية في الخليج لأضرار، وقُتل 18 عسكرياً أميركياً، وتراجعت مخزونات بعض الذخائر.
كما لم تنجح الجهود الدبلوماسية حتى الآن في الوصول إلى تسوية تنهي المواجهة أو تعيد فتح مضيق هرمز بصورة كاملة.
وبحسب بيانات شركة كبلر المتخصصة في بيانات الطاقة وحركة الشحنالتي نقلتها رويترز، لم تعبر المضيق يوم الخميس سوى سبع سفن تحمل سلعاً، أي نصف العدد المسجل في اليوم السابق، ما يعكس استمرار هشاشة الملاحة في أحد أهم ممرات الطاقة العالمية.
الصين.. الحلقة التي لا يمكن تجاوزها
إذا كان الهدف الأميركي هو خنق موارد إيران، فإن النفط يبقى الساحة الأهم، وهنا تظهر الصين.
بحسب بيانات شركة فورتكسا المتخصصة في تتبع تدفقات الطاقة والشحن البحري التي نقلتها رويترز، تشتري الصين نحو 90% من صادرات الخام الإيراني، ما يجعلها أكبر منفذ اقتصادي لطهران وأصعب عقبة أمام حملة ترامب.
ويرى الخبير في جامعة ستانفورد ماتين ميرامزاني أن العقوبات الأميركية تستطيع إلحاق أذى حقيقي بالاقتصاد الإيراني إذا نُفذت بفاعلية، لكن نجاحها يرتبط بدرجة كبيرة بقدرة واشنطن على تقييد مشتريات الصين من النفط الإيراني.
المشكلة أن الولايات المتحدة لا تملك حرية كاملة في الضغط على بكين.
فقد سبق لواشنطن أن فرضت عقوبات على مصافٍ صينية مستقلة تستورد النفط الإيراني، لكن بكين طلبت من شركاتها تجاهل تلك القيود. كما أن الصين لا تعترف رسمياً في بياناتها الجمركية باستيراد النفط الإيراني.
وزير الخزانة سكوت بيسنت دعا بكين إلى الانضمام إلى الحملة الأميركية، لكن الصين رفضت المنطق نفسه، وقالت وزارة خارجيتها إن «العقوبات وسياسة الضغط ليستا الحل»، داعية إلى المسار السياسي والدبلوماسي.
لماذا يصعب على ترامب الضغط على بكين؟
ترامب يحاول بالتوازي تحسين علاقاته مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، ومن المتوقع أن يلتقيا في واشنطن في 24 سبتمبر/أيلول.
وبعد عام شهد توترات تجارية ورسومًا جمركية متبادلة، فإن الدخول في مواجهة جديدة بسبب إيران قد يهدد أي تهدئة بين أكبر اقتصادين في العالم.
ثم هناك ورقة صينية أكثر حساسية: المعادن الأرضية النادرة.
فالصين تعالج نحو 90% من الإمدادات العالمية لهذه المعادن، التي تدخل في صناعات تمتد من الهواتف والسيارات الكهربائية إلى الأسلحة والطائرات المقاتلة. ولذلك فإن استهداف التجارة الصينية مع إيران بعقوبات واسعة قد يدفع بكين إلى الرد في قطاع تحتاجه الصناعات الأميركية والغربية بصورة مباشرة.
وهنا تظهر المعضلة التي تواجه ترامب: كلما حاول إغلاق شريان النفط الإيراني، اقترب أكثر من مواجهة اقتصادية مع الصين قد تكون كلفتها كبيرة على الولايات المتحدة نفسها.

إيران ترد برسالة عسكرية
في المقابل، لا تتعامل طهران مع الضغط الجديد باعتباره اقتصادياً فقط.
فالحرس الثوري الإيراني حذر من أنه يستطيع استخدام أسلحة «أكثر تدميراً» إذا استؤنفت الحرب، في رسالة تبدو موجهة إلى واشنطن مفادها أن إيران لا تزال تحتفظ بخيارات عسكرية إذا تجاوز الضغط الاقتصادي حدوداً معينة.
جي دي فانس نائب الرئيس الأميركي وصف العقوبات بأنها «الأداة الأكثر فاعلية» التي تملكها واشنطن ضد إيران، لكنه أقر بأن استخدامها يمثل «رقصة دقيقة»، قائلاً إن الهدف النهائي هو منع إيران من إعادة بناء قدراتها النووية.
ويعكس هذا الكلام جوهر المعضلة الأميركية: واشنطن تريد زيادة الألم الاقتصادي إلى درجة تدفع طهران إلى التنازل، لكن من دون دفعها في الوقت نفسه إلى تصعيد عسكري جديد يعيد الولايات المتحدة إلى حرب تحاول تجنبها.
BREAKING: The George Washington Carrier Strike Group arrives in the Middle East, US military says pic.twitter.com/rTFfzwEAkS
— Insider Paper (@TheInsiderPaper) August 20, 2026
حاملات الطائرات تقول شيئاً آخر
ورغم التركيز المتزايد على الاقتصاد، فإن الولايات المتحدة لا تسحب ثقلها العسكري من المنطقة.
فقد وصلت حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» إلى الشرق الأوسط لتحل محل «يو إس إس أبراهام لينكولن»، التي بدأت رحلة العودة إلى سان دييغو بعد انتشار طويل استمر قرابة تسعة أشهر.
وتكتسب الخطوة أهمية استراتيجية لأن «جورج واشنطن» تتمركز عادة في اليابان ضمن ترتيبات الردع الأميركية تجاه الصين.
الأدميرال الأميركي المتقاعد أندرو لوازيل قال لشبكة “سي إن إن” إن إخراج الحاملة من مسرح آسيا والمحيط الهادئ يشير إلى أن المهمة الجديدة تعتبر «بالغة الأهمية»، لافتاً إلى أن نقلها إلى الشرق الأوسط يعني عملياً أن واشنطن أعطت أولوية مؤقتة لهذا المسرح على حساب انتشارها المعتاد في مواجهة الصين.
وبحسب سي إن إن، يترك انتقال «جورج واشنطن» الولايات المتحدة مؤقتاً من دون حاملة طائرات في المحيط الهادئ.
أما «أبراهام لينكولن»، فتعود بعد انتشار اتسم بصعوبات غير معتادة. فقد تحدث أفراد من طاقمها عن تراجع المعنويات ومشكلات في بعض الخدمات الأساسية، إضافة إلى غياب التوقفات المعتادة في الموانئ نتيجة الحرب واضطراب الملاحة في هرمز.
الضغط يمتد إلى حزب الله
وفي موازاة استهداف إيران، وسعت إدارة ترامب حملتها إلى حلفائها.
فقد فرضت وزارة الخزانة عقوبات على عشرة أشخاص قالت إنهم جزء من شبكة مسؤولة عن نقل أموال إلى حزب الله، تستخدم رحلات تجارية بين لبنان وتركيا والإمارات وإيران لنقل مبالغ قد تصل إلى مئات الملايين من الدولارات خارج النظام المالي التقليدي.
كما أعادت واشنطن تصنيف حزب الله باعتباره وكيلاً لإيران، معتبرة أن عملياته العسكرية وشبكاته المالية تعمل امتداداً لفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.
ويأتي ذلك بينما تحاول الإدارة الأميركية، في الوقت ذاته، الدفع نحو مسار تفاوضي بين إسرائيل ولبنان.
معركة بثلاثة أطراف
ما يتشكل الآن ليس مجرد جولة جديدة من العقوبات الأميركية على إيران، بل معادلة أكثر تعقيداً.
واشنطن تحاول استخدام الاقتصاد لتحقيق ما لم تحسمه الحرب، وطهران تحاول إثبات أن قدرتها على المقاومة والرد لم تُستنفد، بينما تقف الصين في المنتصف باعتبارها السوق الرئيسية للنفط الإيراني والقوة التي لا تستطيع الولايات المتحدة الضغط عليها بلا ثمن.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمدى قسوة العقوبات المقبلة، بل بمدى استعداد ترامب للذهاب إلى نهايتها.
فإذا تجنب استهداف الصين بقوة، ستبقى أمام إيران نافذة اقتصادية مهمة. وإذا قرر الضغط على بكين بصورة واسعة، فقد يجد نفسه أمام جبهة تجارية جديدة في الوقت الذي يحاول فيه احتواء حرب غير شعبية وارتفاع أسعار الطاقة وتراجع مخزونات الذخائر.
وتلك هي المفارقة في «اليوم الاقتصادي الحاسم» الذي يتحدث عنه ترامب: قد يكون أداة قوية للضغط على إيران، لكنه يكشف أيضاً حدود الخيارات الأميركية.
وفي الخلفية، يكشف نقل حاملة «جورج واشنطن» من آسيا إلى الشرق الأوسط أن الولايات المتحدة، رغم حديثها عن أولوية الضغط الاقتصادي، لا تزال تحتفظ بثقل عسكري كبير في المنطقة.
وكما لخّص دينيس روس المشكلة، فإن إدارة ترامب تبدو منشغلة بالخطوة التالية أكثر من تصور نهاية اللعبة.






