بدأت الروائية الأميركية آن باتشيت التفكير في التخلص من الأشياء التي لا تحاتجها بعد وفاة والد صديقتها، الذي ترك وراءه منزلاً ممتلئاً بعشرات السنين من المقتنيات.
بعد موته، وجدت ابنتاه نفسيهما أمام مهمة شاقة: فرز الملابس، الأواني، الأعمال الفنية، الأسلاك، الكتب والهدايا.
إحدى ابنتيه لخّصت الصدمة بقولها إن والدها كان يجعل كل شيء يبدو ساحراً وهو حي، أما بعد رحيله فأصبحت المقتنيات مجرد أشياء.
عندها وعدت الكاتبة وصديقتها نفسيهما بألا تتركا هذا العبء لمن يأتي بعدهما.
الفكرة التي بدأت منها التجربة
لم تكن باتشيت تريد الانتقال من منزلها، لكنها سألت زوجها: لماذا لا نتصرف كما لو أننا سننتقل؟
أي أن يفتحا كل خزانة ودرج وصندوق، ويتخلصا مما لم يعودا بحاجة إليه.
خلف هذا السؤال كان سؤال أكبر: ماذا لو استعددنا للرحيل عن الحياة نفسها، وليس فقط عن المنزل؟
البداية من المطبخ
اكتشفت أنها تملك أواني وأدوات أكثر بكثير مما تستخدم.
وجدت نحو 35 منشفة مطبخ، فاحتفظت بعشر فقط.
كان لديها عدة مصافٍ وأوعية وأدوات كهربائية ظلت سنوات بلا استخدام.
الغريب بالنسبة إليها لم يكن عدد الأشياء، بل المشاعر التي أثارتها: الذنب والحرج والحنين وحتى الشفقة على بعض المقتنيات.
أشياء اشتريتها لحياة لم تعشها
وجدت 12 كأساً فاخراً جمعتها في الثلاثينيات من عمرها.
كما وجدت كؤوساً أخرى وأكواب إسبريسو لم تستخدمها قط، لأنها أساساً لا تحب الإسبريسو.
عندها أدركت أن هذه الأشياء تمثل المرأة التي تخيلت في شبابها أنها ستصبحها.
كانت تتصور حياة مليئة بالحفلات والضيوف والأجواء الأنيقة، لكن حياتها الفعلية سارت بطريقة مختلفة.
استنتاجها اللافت: بعض ما نحتفظ به ليس ذكرى لما كنا عليه، بل لما كنا نظن أننا سنصبحه.
ماذا حدث عندما بدأت تعطي الأشياء للآخرين؟
أعطت كثيراً من الكؤوس والأواني لامرأة شابة كانت تستعد للزواج.
في البداية شعرت بالذنب، وكأنها تنقل عبئها إلى شخص آخر.
لكن بعد خروج الأشياء من المنزل، حل شعور مختلف تماماً: الخفة.
ومع الوقت لم يعد مهماً أن تجد «الشخص المثالي» لكل قطعة.
أصبحت الفكرة ببساطة: إذا لم أعد أحتاجها، فلتخرج من حياتي.
الأصعب كان الأشياء المرتبطة بالذكريات
وجدت مجوهرات رخيصة كانت تخص جدتها.
عثرت على أسنان نزعت منها وهي مراهقة، وحصان خشبي قديم، وحجر احتفظت به طويلاً من دون أن تتذكر مصدره.
وجدت كذلك دميتين من طفولتها، إحداهما كانت تحبها بشدة.
اكتشفت أن قيمة هذه الأشياء لا تأتي من فائدتها، بل من الذكريات التي نعلقها عليها.
لكنها سألت نفسها: إذا رحلت، من سيفهم أصلاً لماذا كانت هذه الأشياء مهمة لي؟
لذلك تخلت عن كثير منها، مع الاحتفاظ ببعض المقتنيات ذات المعنى الحقيقي.
هل كانت تريد العيش بلا ممتلكات؟
لا.
لم تتخلص من الأشياء الجميلة التي تحبها أو الأثاث الذي تستخدمه يومياً.
لم يكن هدفها الزهد أو تحويل المنزل إلى مكان فارغ.
كانت تريد فقط التخلص من الأشياء التي لا تستخدمها، ولا تحتاجها، ولا تحبها فعلاً.
الآلة الكاتبة كانت الاختبار الحقيقي
عثرت على آلة كاتبة يدوية قديمة من طراز «هيرميس 3000» استخدمتها منذ سنوات الجامعة.
كتبت عليها قصصها الأولى وأبحاثها الجامعية، وكانت جزءاً من بدايتها ككاتبة.
هنا أصبح التخلص من الأشياء أكثر صعوبة.
الكؤوس كانت تمثل الشخص الذي تخيلت أن تصبحه ولم تصبحه.
الدمى كانت تمثل الشخص الذي كانت عليه ولم تعد كذلك.
أما الآلة الكاتبة فكانت تمثل الاثنين معاً: حلمها بأن تصبح كاتبة وحقيقة أنها أصبحت كذلك بالفعل.
طفلة وضعت الفكرة أمام اختبار
التقت بطفلة في الثامنة كانت تحلم بامتلاك آلة كاتبة يدوية.
فكرت باتشيت في منحها الآلة التي أحبتها طوال حياتها.
كانت مستعدة فعلاً للتخلي عنها لأنها رأت أن استخدامها من جانب طفلة تحلم بالكتابة أفضل من بقائها على رف.
لكن زوجها أخبرها أن لديه آلة كاتبة أخرى كانت هي نفسها قد أهدتها إليه قبل سنوات ونسيتها تماماً.
فأعطت الطفلة تلك الآلة، وكانت سعادتها بها هائلة.
ما علاقة التخلص من الأشياء بالموت؟
هنا تصل المقالة إلى فكرتها الأساسية.
تقول باتشيت إن الممتلكات لا تحمينا من الموت، لكنها أحياناً تقف بيننا وبين التفكير فيه.
نحن ننشغل بما جمعناه واحتفظنا به ونظمناه، بدلاً من التفكير في محدودية الحياة والاستمتاع بما لدينا الآن.
لذلك رأت أن التخلص التدريجي من الأشياء يمكن أن يكون نوعاً من التدرب على التخلي.
لماذا نتمسك بأشياء لم نعد نستخدمها؟
المقال ليس عن تنظيف المنزل فقط، بل عن سؤال أعمق: لماذا نتمسك بأشياء لم نعد نستخدمها؟
وتصل باتشيت إلى أن ما نملكه قد يمثل أحلاماً قديمة، أو ذكريات، أو أشخاصاً فقدناهم، أو نسخاً سابقة من أنفسنا. لكن تعلم التخلي عن بعضها يمنحنا مساحة أكبر للحاضر، ويجعل فكرة الرحيل نفسها أقل تجريداً.
وتخلص باتشيت إلى أننا “لسنا بحاجة إلى التخلص من كل ما نملك، بل إلى أن نسأل أنفسنا: هل هذا الشيء ما زال جزءاً من حياتي، أم أنني فقط أخشى أن أتركه؟”.










