أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
أسلوب حياة

هل بغداد لأهلها أم لكل العراقيين؟.. لماذا تتجدد عقدة العاصمة والمحافظات؟

هل بغداد لأهلها أم لكل العراقيين؟.. لماذا تتجدد عقدة العاصمة والمحافظات؟

أعادت قضية مديرة متحف الإعلام العراقي، مينا الحلو، فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في المجتمع العراقي، بعد إحالتها إلى التحقيق وسحب يدها من إدارة المتحف على خلفية منشور فُهم على أنه إساءة لزوار أربعينية الإمام الحسين بن علي ( رضي الله عنهما).

لكن الجدل تجاوز حدود المنشور نفسه، ليتحول إلى نقاش أوسع: هل تعكس مثل هذه التصريحات تمييزاً مناطقياً؟ أم أنها تحمل أبعاداً طائفية؟ ولماذا تتكرر هذه السجالات في العراق أكثر من غيره من الدول العربية؟
Image

ماذا حدث؟

أثارت مينا الحلو موجة واسعة من الانتقادات بعد نشرها تعليقا قالت فيه “بغداد اليوم تشبه بغداد” وهو ما فسره متابعون على أنه إساءة إلى ملايين العراقيين الذين توجهوا لإحياء زيارة أربعينية الإمام الحسين، ورأوا أنه يوحي بأن العاصمة تبدو أفضل في غياب الزوار، الذين يشكل أبناء محافظات الوسط والجنوب نسبة كبيرة منهم.

ورأى منتقدون أن العبارة لم تكن مجرد شكوى من الازدحام، بل حملت ازدراءً لشريحة واسعة من العراقيين، فيما اعتبرها آخرون تعبيراً عن رأي شخصي يتعلق بازدحام العاصمة.

وعقب تصاعد الجدل، أعلنت شبكة الإعلام العراقي إحالة الحلو إلى التحقيق، ومعاقبتها، وسحب يدها من إدارة المتحف.

وتعليقا على ذلك، قالت مينا الحلو ( وهي أبنة الإعلامي العراقي الراحل أمير الحلو) إن مقطع الفيديو الذي نشرته قبل أيام كان يوثق سيرها في أحد الشوارع خلال الدوام الرسمي، موضحة أنها كانت تستذكر الأيام التي كانت فيها الشوارع أقل ازدحاماً قبل الزيادة الكبيرة في أعداد المركبات، إلا أن بعض المتابعين فسروا المنشور على أنه يحمل إساءة إلى فئات من المجتمع. وأكدت أن هذا التفسير “بعيد تماماً عن المقصود وعن أخلاقياتنا المتوارثة”.

Image

هل هي عنصرية أم تمييز مناطقي؟

يرى علماء الاجتماع أن التمييز لا يأخذ شكلاً واحداً.

فإذا كان الحكم على الأشخاص بسبب المدينة أو المحافظة التي ينتمون إليها، فهو تمييز مناطقي.

أما إذا ارتبط الرفض أو الازدراء بهوية دينية أو مذهبية، فإنه يكتسب بعداً طائفياً.

وفي الحالة العراقية، كثيراً ما يتداخل البعدان، لأن بعض المحافظات ترتبط في الوعي العام بانتماءات مذهبية معينة، ما يجعل الفصل بينهما أكثر تعقيداً.

لماذا تتكرر هذه الظاهرة في العراق؟

يرى باحثون أن هناك عدة عوامل ساهمت في بروز هذا النوع من الخطاب، من أبرزها:

  • المركزية الشديدة لبغداد منذ تأسيس الدولة العراقية، باعتبارها مركز السلطة والإدارة والتعليم.
  • الهجرة الداخلية الكبيرة إلى العاصمة خلال العقود الماضية، وما رافقها من ضغوط على الخدمات والسكن.
  • الاستقطاب السياسي والطائفي بعد عام 2003، الذي غذّى الصور النمطية بين المكونات والمناطق.
  • ضعف مفهوم المواطنة المدنية مقابل صعود الهويات الفرعية.

هل هذه الظاهرة عراقية فقط؟

ليس تماماً.

ففي القاهرة، ظهرت تاريخياً صور نمطية تجاه أبناء الصعيد أو الأقاليم، وفي دمشق وبيروت والدار البيضاء وعمّان توجد أيضاً أشكال من التمييز الاجتماعي بين العاصمة والأطراف.

لكن الفارق أن هذه النظرة لم تتحول في الغالب إلى عنصر رئيسي في الصراع السياسي أو الهوية الوطنية كما حدث في العراق خلال العقود الأخيرة.

التجربة المصرية… نموذج مختلف

رغم وجود بعض الصور النمطية الاجتماعية، فإن مصر قدمت نموذجاً مختلفاً في العلاقة بين العاصمة والأقاليم.

فمعظم رموز النهضة الحديثة لم يأتوا من القاهرة، بل من المحافظات والقرى، مثل:

  • طه حسين من المنيا.
  • محمد عبده من البحيرة.
  • أحمد زويل من البحيرة.
  • مصطفى محمود من المنوفية.
  • عباس العقاد من أسوان.
  • عبد الرحمن الأبنودي من قنا.
  • يوسف إدريس وعبد الحليم حافظ وصلاح عبد الصبور من الشرقية.
  • محمود مختار من الغربية.

ولم يُنظر إلى أصولهم الجغرافية بوصفها عائقاً أمام قيادتهم للحياة الفكرية والثقافية، بل أصبحت جزءاً من التنوع الذي أغنى الهوية المصرية.

رموز عراقية   
وفي المقابل شهدت العاصمة بغداد استقرار آلاف الشخصيات التي ولدت في المحافظات العراقية الأخرى واستقرت فيها، فصاغت ملامح المشهد الثقافي والسياسي والرياضي العراقي الحديث، ومن أبرز هذه الرموز:

  • الشاعر محمد مهدي الجواهري: شاعر العرب الأكبر، ولد في النجف وسكن بغداد فيها طويلًا وأسس فيها صحفه وقصائده الخالدة.
  • بدر شاكر السياب: ولد في قرية جيكور بمحافظة البصرة، وانتقل لبيئة بغداد الثقافية ليقود حركة الشعر الحر الحديث.
  • المعمارية زها حديد: ولدت في بغداد لأسرة من الموصل (ابنة السياسي محمد حديد)، وعاشت دراستها الأولى فيها قبل أن تصبح رمزاً عالمياً في العمارة. 
  • محمود البريكان: وغيرهم من أدباء البصرة والنجف والموصل الذين اتخذوا من بغداد مستقراً ومحطة إبداع كبرى.
    *  طالب القره غولي وسعدون جابر وقحطان العطار وياس خضر وغيرهم.
الرموز السياسية والوطنية
  • جعفر العسكري ونوري السعيد: شخصيات بارزة في تأسيس الدولة العراقية الحديثة والعهد الملكي، وينحدران من أصول تتصل بمحافظات ومدن عراقية وتمركزوا في بغداد.
  • محمد حديد: السياسي والاقتصادي البارز من الموصل والذي تولى وزارات مالية واقتصاد متعددة في بغداد.
الرموز الرياضية
  • عمو بابا: أسطورة تدريب كرة القدم العراقية، ولد في الحبانية في محافظة الأنبار واستقر في بغداد
    * فلاح حسن ( ينحدر من محافظة ميسان) ويونس محمود  وأيمن حسين ( ينحدران من محافظة كركوك)، وغيرهم الكثير.



بغداد… مدينة أكبر من الطوائف

في خضم الجدل، تداول ناشطون منشوراً للكاتب والشاعر العراقي إبراهيم البهرزي استند فيه إلى وثيقة تاريخية تعود إلى أوائل القرن العشرين، تشير إلى أن اليهود كانوا يشكلون آنذاك أكبر مجموعة دينية في بغداد عدداً، متسائلاً: إذا كانت الأكثرية العددية تمنح “ملكية” المدينة، فلماذا لم يقل يهود بغداد يوماً إن بغداد مدينة يهودية؟

وعلق الشاعر والإعلامي العراقي عبد المنعم حمندي على المنشور بالقول : ” هذا الطرح يضع اليد بعمق على الإشكالية الفكرية التي تُعاني منها القراءات الاختزالية لتاريخ المدن العريقة؛ فبغداد بالذات لم تكن يوماً مجرد “جغرافيا سكانية” تُقاس بالحساب والطائفة، بل كانت دوماً حاضرة حضارية تتجاوز منطق المحاصصة والغلبة العددية”.

​اوأضاف حمندي أن “هوية بغداد تشكلت عبر القرون بوصفها مجمعاً للروافد؛ صهرت الأعراق والأديان والمذاهب في بوطقة واحدة أنتجت “الشخصية البغدادية” التراثية والأدبية والمجتمعية. ومتى ما حُوّلت الأرقام والتعدادات إلى أدوات نفوذ وسلاح لإقصاء الآخر، أُفرغت المدينة من روحها وتحولت إلى مجرد زواريب طائفية ضيقة تفقد معها سرّ خلودها”.

وشدد على أن ​المدينة لا تُملك بالأكثرية العددية، بل تُبنى بالشراكة؛ وبغداد بالذات تُثبت عبر التاريخ أنها عصية على الاستيعاب الطائفي، وتظل أبداً لكل من ساهم في غزل نسجها الحضاري والثقافي”، سواء من المسلمين بمذاهبهم المختلفة، والمسيحيين، واليهود، والصابئة، وسائر مكوناتها.

عرفت تاريخها الطويل بوصفها مدينةً متعددة الثقافات والأديان والمذاهب
بغداد تبقى عاصمة لجميع العراقيين (وكالة الأنباء العراقية)

السؤال الذي يبقى مفتوحاً

تكشف قضية مينا الحلو أن الجدل لم يعد يتعلق بمنشور على وسائل التواصل فحسب، بل بسؤال أعمق:

هل يستطيع العراق بناء هوية وطنية تتجاوز الانقسامات المناطقية والطائفية، بحيث تبقى بغداد عاصمة لجميع العراقيين، لا ساحةً للصراع حول من يملكها أو يمثلها؟

هذه القضية لا تزال محل نقاش واسع، وتختلف الإجابات عليها باختلاف الرؤى السياسية والاجتماعية، لكن كثيرين يتفقون على أن اختزال هوية مدينة بتاريخ بغداد في انتماء واحد أو فئة واحدة لا ينسجم مع تاريخها الطويل بوصفها مدينةً متعددة الثقافات والأديان والمذاهب.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

الإنسان كالأرض
أسلوب حياة

الإنسان كالأرض

 لينا الموسوي/ مهندسة معمارية وكاتبة عراقية «الإنسان كالأرض»؛ تشبيه مجازي شدّ انتباهي وجعلني أتفكّر في المعنى العميق الذي يحمله هذا الوصف الجميل، الذي يشبّه…

منذ 1 monthأوج24
اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.