بينما تتحدث طهران وواشنطن عن اقتراب التوصل إلى تفاهم بشأن مضيق هرمز، لا تزال الفجوة واسعة بين اتفاق فني لتنظيم حركة السفن وبين تسوية سياسية قادرة على إنهاء الحرب الأميركية الإيرانية المستمرة منذ أواخر فبراير/شباط.
فالصفقة المطروحة لا تتعلق فقط بإعادة ناقلات النفط إلى واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، بل بمَن يملك حق الإشراف على حركة السفن، وما إذا كانت إيران ستحصل للمرة الأولى على نفوذ مباشر داخل المضيق مقابل تخفيف الحصار والعقوبات الأميركية.
وفي وقت يرى فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الاتفاق بات قريباً، تؤكد طهران أن تفاهمها مع سلطنة عُمان لا يعني تلقائياً فتح المضيق، وأن التنفيذ سيظل مشروطاً بتنازلات أميركية. وبين هذين الموقفين، تترقب أسواق الطاقة وشركات الشحن ما إذا كانت المفاوضات ستقود إلى تهدئة، أم إلى هدنة هشة تسبق جولة جديدة من التصعيد.
بقائي: التوصل إلى اتفاق محتمل مع سلطنة عُمان لا يعني أن المضيق أصبح آمناً لعبور السفن ( تسنيم)
ماذا يتضمن الاتفاق المقترح؟
تقول إيران إنها وصلت مع سلطنة عُمان إلى المراحل النهائية من إعداد إطار جديد لتنظيم حركة السفن التجارية عبر مضيق هرمز، بعد أكثر من ثلاثة أسابيع من المحادثات.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن التوصل إلى اتفاق محتمل مع سلطنة عُمان «لا يمكن تفسيره بحد ذاته على أنه يعني أن المضيق أصبح آمناً لعبور السفن»، مؤكداً أن المصادر الرئيسية لانعدام الأمن لا تزال تتمثل في الانتشار البحري الأميركي، والحصار البحري غير القانوني المفروض على الموانئ الإيرانية، فضلاً عن الإجراءات العدائية الأخرى ضد البلاد ومصالحها.
وبحسب ما نقلته تقارير إعلامية عن مسؤولين إيرانيين، يشمل التفاهم المقترح:
- تحديد ممرات جديدة لدخول السفن إلى الخليج وخروجها منه.
- مرور جزء من حركة السفن داخل المياه الإقليمية الإيرانية.
- إشراف طهران على حركة السفن الداخلة إلى الخليج، مقابل إشراف عُمان على السفن المغادرة.
- إنشاء مركز تنسيق مشترك لمتابعة الملاحة وتبادل معلومات السفن.
- تشغيل الترتيبات الجديدة بصورة مؤقتة لمدة تتراوح بين شهرين وأربعة أشهر، مع احتمال تمديدها.
- إلغاء بعض الممرات المؤقتة التي استُخدمت خلال الحرب قرب جزيرة لارك وفي المياه العُمانية.
وتمثل هذه الترتيبات تحولاً كبيراً عن النظام الذي كان قائماً قبل الحرب، حين كانت معظم حركة الملاحة التجارية تمر عبر ممرات دولية وفي المياه العُمانية من دون خضوعها لإشراف مباشر من دولة واحدة.

ماذا تريد إيران مقابل إعادة فتح هرمز؟
تربط إيران إعادة الحركة الطبيعية في المضيق بعدد من الضمانات الأميركية، أبرزها إنهاء الحصار البحري المفروض على موانئها، ومعالجة العقوبات التي أعيد فرضها بعد انهيار هدنة يونيو/حزيران، خصوصاً العقوبات المرتبطة بقطاع النفط والأصول الإيرانية المجمدة.
كما تطالب طهران بأن تلتزم واشنطن بالتفاهمات الأمنية السابقة المتعلقة بلبنان، وتقول إن الاتفاق الجديد مع عُمان ليس امتداداً للترتيبات التي سبقت الحرب، بل نموذج جديد يعكس ما تصفه إيران بـ«السيادة الفعلية» على المضيق.
وتبدو هذه النقطة شديدة الحساسية بالنسبة إلى الولايات المتحدة والسعودية والإمارات، التي ترفض أن تتحول إيران إلى جهة تفرض قواعد أو رسوماً على الملاحة في ممر دولي حيوي.
الرسوم البحرية.. عقدة جديدة
تتحدث إيران أيضاً عن إمكان تحصيل رسوم مقابل خدمات بحرية وأمنية تقدم للسفن العابرة، وهو اقتراح أثار اعتراضات واسعة من مؤسسات الشحن الدولية.
وحذرت ثماني جمعيات بحرية في رسالة مشتركة إلى الأمم المتحدة والمنظمة البحرية الدولية من أن فرض رسوم في هرمز قد يرفع تكاليف النقل والطاقة، ويؤدي إلى زيادة الأسعار والتضخم، كما قد يشكل سابقة تسمح لدول أخرى بفرض قيود مماثلة على الممرات الدولية.

ترامب: الاتفاق قريب والمخزون الأميركي كبير
في واشنطن، حاول ترامب إظهار أن المفاوضات تسير لمصلحة الولايات المتحدة، مؤكداً أن المضيق سيفتح «قريباً جداً»، وأن اتصالات مكثفة جرت مع الجانب الإيراني.
لكن مسؤولين إيرانيين نفوا وجود مفاوضات مباشرة مع واشنطن، وقالوا إن المحادثات الجارية ثنائية بين إيران وعُمان، وإن تفاصيل مهمة لا تزال عالقة.
وفي الوقت نفسه، دخل ملف الذخائر الأميركية على خط الأزمة، بعد تقارير أفادت بأن الحرب استنزفت جزءاً كبيراً من مخزون الصواريخ الاعتراضية والأسلحة بعيدة المدى.
ورد ترامب بغضب، مؤكداً أن الولايات المتحدة تمتلك «كميات هائلة» من الذخائر، وأن شركات الدفاع تعمل على زيادة الإنتاج. كما توعد بملاحقة المسؤولين الذين سربوا معلومات عن نقص الأسلحة، ووصف التسريبات بأنها «خيانة»، مهدداً أصحابها بأحكام سجن طويلة.
وكانت صحيفة «واشنطن بوست» قد ذكرت أن ترامب واجه وزير الدفاع بيت هيغسيث في كامب ديفيد بشأن نقص الذخائر، لكن البيت الأبيض والبنتاغون نفيا وقوع المواجهة.

هل استنزفت الحرب الترسانة الأميركية؟
بحسب تقارير إعلامية، استُخدمت غالبية مخزونات الجيش الأميركي من بعض الصواريخ بعيدة المدى، فيما استهلكت الحرب نسبة كبيرة من صواريخ منظومة «ثاد» الدفاعية.
وذكرت شبكة «سي إن إن» أن الجيش الأميركي استهلك ما يقرب من 80 في المئة من صواريخ اعتراض «ثاد»، بينما حذر قادة عسكريون من أن بعض المخزونات وصلت إلى مستويات «منخفضة بصورة خطيرة».
وتثير هذه الأرقام قلقاً داخل واشنطن بشأن قدرة الجيش الأميركي على خوض صراع آخر محتمل، خصوصاً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إذا اندلعت مواجهة مع الصين.
وبذلك، لا ترتبط رغبة ترامب في التوصل إلى اتفاق مع إيران بأسعار النفط فقط، بل أيضاً بالحاجة إلى وقف استنزاف الذخائر الأميركية وإعادة بناء المخزونات العسكرية.

ثلاثة سيناريوهات لما بعد الاتفاق
1. نجاح الاتفاق وفتح المضيق
في السيناريو الأكثر تفاؤلاً، تنجح الوساطة العُمانية في التوصل إلى صيغة تقبل بها واشنطن وطهران، وتعود حركة السفن تدريجياً إلى مستويات أقرب لما كانت عليه قبل الحرب.
ومن شأن ذلك أن يخفض أسعار النفط، التي وصلت خلال الأزمة إلى نحو 114 دولاراً للبرميل، قبل أن تتراجع لاحقاً إلى قرابة 80 دولاراً.
لكن استعادة الثقة ستحتاج إلى وقت، إذ لا تزال حركة السفن أقل بكثير من معدلاتها المعتادة. فقد ارتفع عدد الرحلات العابرة خلال أسبوع واحد إلى 84 رحلة، مقارنة بـ45 في الأسبوع السابق، لكنه لا يزال بعيداً عن أكثر من 700 رحلة كانت تسجل أسبوعياً قبل الأزمة.
كما أن فتح المضيق لن يعني بالضرورة نهاية الحرب، لكنه قد يزيل العقبة الأكبر أمام إطلاق مفاوضات أميركية إيرانية أوسع تشمل العقوبات والبرنامج النووي والأمن الإقليمي.
2. سلام بارد وعودة حرب الوكلاء
السيناريو الثاني هو العودة إلى حالة «اللاحرب واللاسلم»، حيث يتراجع القتال المباشر بين الولايات المتحدة وإيران، لكن تستمر الضربات المحدودة والعمليات عبر الحلفاء والجماعات المسلحة.
وقد شهدت الحرب فترات مشابهة، تبادل فيها الطرفان هجمات محسوبة من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. وحتى خلال الهدنة السابقة، استمرت الاعتداءات على السفن والهجمات في دول الخليج.
ويزداد هذا الاحتمال مع تصاعد التوتر في البحر الأحمر، حيث اتُّهم الحوثيون باستهداف سفن وناقلات نفط قرب باب المندب وخليج عدن، ما يعني أن فتح هرمز قد لا يكون كافياً وحده لإعادة الاستقرار إلى طرق التجارة والطاقة.
كما تشهد الجبهة اللبنانية تصعيداً متزامناً، بعدما قُتل جنديان إسرائيليان في جنوب لبنان، وردت إسرائيل بغارات جديدة، رغم استمرار محادثات ترعاها الولايات المتحدة بين إسرائيل ولبنان في روما.
وبذلك قد ينتقل الصراع من هرمز إلى ساحات أخرى، من البحر الأحمر إلى جنوب لبنان والعراق.
3. انهيار الاتفاق واستئناف الحرب
يبقى انهيار المفاوضات احتمالاً قائماً، خصوصاً أن اتفاق يونيو/حزيران السابق لم يصمد سوى أسابيع قبل أن تتجدد الهجمات على السفن وتنهار الهدنة.
ويصعب الوصول إلى اتفاق دائم من دون تنازل كبير من أحد الطرفين. فالولايات المتحدة ترفض منح إيران سيطرة فعلية على مضيق دولي، بينما ترى طهران أن العودة إلى نظام الملاحة السابق تعني التخلي عن أقوى ورقة ضغط تمتلكها.
وإذا فشل الاتفاق، فمن المرجح أن تستأنف واشنطن الضربات على مواقع إيرانية، في مقابل هجمات إيرانية على السفن والقواعد والمصالح الأميركية والخليجية، ما قد يدفع أسعار النفط إلى الارتفاع مجدداً ويعمق أزمة الذخائر الأميركية.
هرمز ليس الساحة الوحيدة
تأتي مفاوضات المضيق في وقت تتسع فيه بؤر التصعيد في المنطقة. ففي البحر الأحمر، تعرضت سفن لهجمات قرب باب المندب، فيما توعد الحوثيون بتوسيع عملياتهم ضد السفن المرتبطة بالسعودية.
وفي اليمن، أفادت تقارير بمقتل عشرات الجنود الحكوميين في هجمات حوثية على معسكرات في مأرب وحضرموت، في واحدة من أكبر موجات التصعيد منذ الهدنة غير الرسمية عام 2022.
أما في العراق، فأعلنت قوى سياسية نافذة منضوية فيما يعرف بائتلاف إدارة الدولة أن أي نشاط مسلح خارج سلطة الدولة بعد 30 سبتمبر/أيلول سيخضع لقانون مكافحة الإرهاب، في خطوة تستهدف حصر السلاح بيد الحكومة، وسط رفض بعض الفصائل المسلحة المدعومة من إيران التخلي عن أسلحتها.
اتفاق لفتح المضيق أم لإعادة رسم قواعده؟
لا تبدو المفاوضات الحالية مجرد محاولة لإعادة السفن إلى هرمز، بل صراعاً على النظام الذي سيحكم المضيق بعد الحرب.
فالولايات المتحدة تريد إعادة الملاحة الحرة كما كانت قبل فبراير/شباط، بينما تسعى إيران إلى تثبيت واقع جديد يمنحها حق الإشراف على السفن الداخلة، وربما تحصيل رسوم مقابل خدمات الملاحة والأمن.
ولهذا، قد يستطيع ترامب تقديم الاتفاق داخلياً باعتباره نجاحاً أنقذ أسواق الطاقة ومنع حرب أوسع، لكن الثمن قد يكون قبول واشنطن بنفوذ إيراني أكبر في المضيق.
أما طهران، فتريد إظهار أنها لم تفتح هرمز تحت الضغط العسكري، بل أجبرت الولايات المتحدة على التفاوض بشأن الحصار والعقوبات والسيادة البحرية.
وبين الروايتين، تبقى الحقيقة أن أي اتفاق لا يعالج جذور الصراع، من البرنامج النووي إلى العقوبات وحروب الوكلاء، قد لا يكون أكثر من استراحة مؤقتة في حرب لم تصل بعد إلى نهايتها.








