أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
سياسة وتحليلات

مهلة حصر السلاح تقترب.. هل تتغير قواعد اللعبة في العراق؟

مهلة حصر السلاح تقترب.. هل تتغير قواعد اللعبة في العراق؟

في وقت تتجه فيه الأنظار إلى مضيق هرمز بحثاً عن تسوية تخفف وطأة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، تبدو بغداد وكأنها تخوض معركة مختلفة لا تقل خطورة: كيف تمنع العراق من التحول إلى ساحة خلفية للصراع، وتحافظ في الوقت نفسه على توازن دقيق بين واشنطن وطهران، بينما تستعد لمرحلة جديدة عنوانها حصر السلاح بيد الدولة؟

مقال مطول نشره موقع «ذا ديسباتش» الأميركي للباحث كينيث بولاك يرسم صورة شديدة القلق لمستقبل العراق، إذ يرى أن البلاد أصبحت عالقة بين نفوذ إيراني متزايد وحاجة اقتصادية وأمنية مستمرة إلى الولايات المتحدة. وفي المقابل، تكشف الهجوم الأميركي السعودي الأخير على مقرات للحشد الشعبي في العراق أن بغداد تحاول التحرك في الاتجاه المعاكس: احتواء الفصائل، ومنع الانجرار إلى حرب إقليمية، وإعادة بناء قدرة الدولة على التحكم بقرار الحرب والسلم.

ويكتسب هذا الجدل أهمية إضافية مع اقتراب موعد 30 أيلول/سبتمبر 2026، الذي بات يمثل محطة مفصلية في ملف الوجود الأميركي والسلاح خارج إطار الدولة.

بولاك: الصراع الحقيقي انتقل إلى داخل البيت الشيعي

ينطلق كينيث بولاك، نائب رئيس السياسات في معهد الشرق الأوسط والمسؤول السابق في وكالة الاستخبارات المركزية ومجلس الأمن القومي الأميركي، من فرضية أساسية مفادها أن الانقسام التقليدي الذي حكم السياسة العراقية طويلاً بين الشيعة والسنة والكرد لم يعد، من وجهة نظره، العامل الأكثر حسماً.

ويعتقد الكاتب أن المنافسة الأساسية على السلطة باتت تجري داخل القوى السياسية الشيعية نفسها، وأن مستقبل العراق سيتحدد إلى حد كبير بنتيجة الصراع بين شخصيات وقوى شيعية مختلفة في علاقاتها بإيران والولايات المتحدة وفي رؤيتها لشكل الدولة.

ويرى بولاك أن القوى الكردية، ولا سيما الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، أصبحت أكثر اعتماداً على بغداد مالياً وسياسياً مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2017، بينما تراجعت، بحسب تحليله، قدرة القوى السنية على التأثير في القرارات الاستراتيجية الكبرى.

ويذهب الكاتب أبعد من ذلك عندما يقول إن بعض القوى الشيعية الأقرب إلى إيران استطاعت خلال السنوات الماضية توسيع نفوذها داخل مؤسسات الدولة، مستفيدة من التحولات التي أعقبت الحرب ضد تنظيم داعش.

زيارة الزيدي إلى واشنطن في يوليو/تموز الماضي أظهرت أن الولايات المتحدة، رغم كل الحديث عن تراجع نفوذها، لا تزال تمتلك أدوات مهمة للتأثير في العراق
زيارة الزيدي إلى واشنطن  أظهرت أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك أدوات مهمة للتأثير في العراق ( مكتب رئاسة الوزراء العراقية)

من يحكم بغداد فعلياً؟

إحدى أكثر أطروحات المقال إثارة للجدل تتعلق بموقع رئيس الوزراء علي الزيدي وموازين القوى خلف الحكومة.

يرى بولاك أن زيارة الزيدي إلى واشنطن في يوليو/تموز الماضي أظهرت أن الولايات المتحدة، رغم كل الحديث عن تراجع نفوذها، لا تزال تمتلك أدوات مهمة للتأثير في العراق.

فالزيارة شهدت الإعلان عن 48 اتفاقية ومذكرة تفاهم وشراكة مع شركات ومؤسسات أميركية، شملت قطاعات النفط والكهرباء والتكنولوجيا والصحة والمال، وقدرت تقارير القيمة الإجمالية للمشروعات والاتفاقات الأولية بنحو 60 مليار دولار.

ويرى بولاك أن ذلك يحمل رسالة مهمة: العراق لم يصبح جزءاً مغلقاً من المجال الإيراني، وما زالت بغداد حريصة على الاحتفاظ بعلاقة قوية مع واشنطن.

لكن الكاتب يقدم في المقابل قراءة أكثر إثارة للجدل، إذ يمنح رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان ثقلاً سياسياً كبيراً، ويصفه بأنه أحد أبرز مراكز القوة الفعلية في البلاد، بل يرى أن تأثيره يتجاوز في بعض الملفات الموقع الرسمي الذي يشغله.

ويضع بولاك في الجهة الأخرى زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي، معتبراً أن التنافس بين مراكز النفوذ الشيعية المختلفة قد يصبح أحد أهم محددات السياسة العراقية خلال السنوات المقبلة.

الحرب التي لم يخضها العراق.. لكنه يدفع ثمنها

الخطر الأكبر بالنسبة إلى بغداد قد لا يكون سياسياً وإنما اقتصادياً.

فرغم أن العراق ليس طرفاً رئيسياً مباشراً في الحرب الأميركية الإيرانية، فإن موقعه الجغرافي واعتماده شبه الكامل على صادرات النفط البحرية جعلاه واحداً من أكثر الاقتصادات عرضة لتداعيات اضطراب مضيق هرمز.

قبل الحرب، كان العراق يصدر نحو 3.5 ملايين برميل يومياً في المتوسط، يمر الجزء الأكبر منها عبر الخليج ومضيق هرمز.

لكن إغلاق المضيق واضطراب الملاحة تسببا في انهيار الصادرات إلى مستويات تقارب 200 إلى 250 ألف برميل يومياً في بعض الفترات، أي جزء بسيط من مستويات ما قبل الحرب. وتؤكد بيانات حديثة استمرار تراجع حركة الناقلات عبر هرمز، رغم عبور بعض الشحنات العراقية بصورة متقطعة.

وهنا تكمن نقطة الضعف الأخطر.

فالنفط يمثل المصدر الأساسي لإيرادات الدولة العراقية، والحكومة مسؤولة عن تمويل جهاز عام ضخم ورواتب ومخصصات ومشروعات تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الإيرادات النفطية.

ويحذر بولاك من أن استمرار تعطيل الصادرات لفترة طويلة يمكن أن يتحول من أزمة نفطية إلى أزمة مالية واجتماعية وسياسية.

لهذا يبحث العراق عن طريق لا يمر بهرمز

الأزمة أعادت إلى الواجهة سؤالاً عراقياً قديماً: لماذا تعتمد دولة تمتلك واحداً من أكبر احتياطيات النفط في العالم على منفذ تصدير واحد تقريباً؟

وجاء الاتفاق العراقي التركي الأخير لتمديد ترتيبات خط أنابيب كركوك–جيهان عاماً إضافياً وزيادة الصادرات عبر تركيا ليقدم جزءاً من الإجابة.

ويستهدف الاتفاق رفع القدرة على التصدير عبر البحر المتوسط إلى ما لا يقل عن 750 ألف برميل يومياً، ما يمنح العراق طريقاً لا يعتمد على مضيق هرمز.

كما تضمنت الاتفاقات التي أبرمت خلال زيارة الزيدي إلى الولايات المتحدة مشروعات تتعلق بالطاقة والبنية التحتية وإيجاد مسارات بديلة للصادرات العراقية.

وهكذا تحولت الحرب مع إيران إلى درس استراتيجي قاس لبغداد: تنويع منافذ النفط لم يعد خياراً اقتصادياً فقط، بل مسألة أمن قومي.

السعودية تخشى هجمات من العراق واليمن

وفي وقت تحاول فيه بغداد تحصين اقتصادها، برز تحدٍ أكثر خطورة يتعلق بإمكانية انتقال المواجهة الإقليمية إلى داخل الأراضي العراقية أو انطلاق هجمات منها.

وبحسب تقرير لشبكة سي إن إن الأميركيةـ نقلاً عن مسؤول سعودي، تلقت الرياض معلومات استخبارية سعودية وأميركية وإقليمية تزعم أن عناصر من فصائل عراقية، بالتنسيق مع الحوثيين في اليمن، تستعد لتنفيذ هجمات متزامنة على السعودية بتوجيه من الحرس الثوري الإيراني.

وقال المسؤول إن الأهداف المحتملة قد تشمل منشآت اقتصادية ومدنية ومرافق للطاقة وموانئ ومطارات.


وتكتسب هذه الاتهامات حساسية كبيرة بالنسبة لبغداد، لأنها تعني أن أي عملية تنطلق من الأراضي العراقية قد تضع الحكومة أمام مواجهة مباشرة مع السعودية أو الولايات المتحدة، في وقت تسعى فيه إلى الابتعاد عن الحرب.

الفصائل المسلحة لـتأجيل أي رد على الهجوم السعودي الأميركي الأخير
العامري دعا الفصائل المسلحة لـتأجيل أي رد على الهجوم السعودي الأميركي الأخير (وكالة الأنباء العراقية)


العامري يدعو إلى تجميد الرد
في هذا السياق جاءت دعوة الأمين العام لمنظمة بدر هادي العامري اليوم الجمعة إلى الفصائل المسلحة لـتأجيل أي رد على الهجوم السعودي الأميركي الأخير الذي استهدف مواقع الحشد الشعبي في العراق.

وقال العامري إن دعوته تأتي «من أجل مصلحة العراق العليا»، مؤكداً أن حقوق القتلى والجرحى ستتابع بالطرق الدبلوماسية.

الدعوة مهمة سياسياً لأنها تكشف حجم القلق من إمكانية دخول العراق في دائرة رد ورد مضاد، خصوصاً مع ارتفاع مستوى التوتر بين السعودية والحوثيين والفصائل المتحالفة مع إيران في المنطقة.

وبمعنى آخر، تبدو الرسالة التي يحاول جزء من القوى العراقية إرسالها واضحة: مهما كانت الخلافات، يجب ألا يتحول العراق إلى منصة لإشعال حرب إقليمية جديدة.

30 أيلول.. الموعد الذي قد يغير قواعد اللعبة

بالتوازي مع ذلك، بدأت الحكومة العراقية تشدد لهجتها في ملف السلاح خارج الدولة.

وأكدت خلية الإعلام الأمني أن سياسة حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية «ماضية من دون رجعة»، مشيرة إلى أنها تستند إلى قرارات سابقة لمجلس الأمن الوطني وقوانين تنظيم حيازة الأسلحة.

لكن التطور الأكثر أهمية هو ارتباط الملف بموعد 30 أيلول/سبتمبر 2026.

فقد أعادت وكالة الأنباء العراقية الرسمية نشر قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة 2005، موضحة أن القرارات الحكومية المتعلقة بحصر السلاح تنص على التعامل، بعد انتهاء المهلة، مع أي سلوك مسلح خارج إطار الدولة وفق أحكام القانون.

وبذلك قد يتحول ملف كان يُدار لسنوات بالتفاهمات السياسية إلى اختبار مباشر لسلطة الدولة.

السؤال الكبير لن يكون ما إذا كانت الحكومة ستعلن حصر السلاح، فهي فعلت ذلك بالفعل، وإنما: هل ستكون قادرة على تطبيق القرار على جميع الجماعات دون استثناء؟

خروج أميركي جديد.. ومخاوف من تكرار الماضي

يتزامن ذلك مع المرحلة الأخيرة من إعادة ترتيب الوجود العسكري الأميركي في العراق.

ويشير بولاك إلى أن القوات الأميركية المتمركزة في إقليم كردستان العراق يفترض أن تغادر بحلول نهاية أيلول/ سبتمبر، بعد انسحاب القسم الأكبر من قوات التحالف من مناطق العراق الاتحادي.

وينظر الكاتب إلى هذه الخطوة بقلق، مستحضراً تجربة الانسحاب الأميركي عام 2011 وما أعقبها لاحقاً من صعود تنظيم الدولة الإسلاامية ( داعش ).

إلا أن الظروف الحالية تختلف بصورة مهمة عن تلك المرحلة، سواء من حيث بنية القوات العراقية أو طبيعة التهديدات أو شكل العلاقة الأمنية بين بغداد وواشنطن.

كما أن العلاقة الأميركية العراقية تتجه بدرجة متزايدة من الحضور العسكري المباشر إلى التعاون الأمني والاقتصادي والاستثماري، وهو ما ظهر بوضوح في الاتفاقات الكبيرة الموقعة خلال زيارة الزيدي إلى واشنطن.

هل العراق ذاهب إلى إيران فعلاً؟

يقدم بولاك في نهاية مقاله تحذيراً شديداً: إذا خرجت إيران من الحرب وهي تبدو منتصرة، وخصوصاً إذا حصلت على نفوذ دائم على الملاحة في هرمز، فقد يميل ميزان القوة داخل العراق بصورة أكبر نحو طهران.

ويرى أن واشنطن لا تزال تملك أوراقاً يمكن استخدامها؛ من العلاقات الاقتصادية والمالية إلى التعاون مع القوى السياسية العراقية المختلفة والمؤسسات المالية الدولية.

لكن الصورة التي ترسمها التطورات العراقية الأخيرة أكثر تعقيداً من ثنائية «أميركا أو إيران».

فبغداد توقع اتفاقات بعشرات المليارات مع الشركات الأميركية، وفي الوقت نفسه تحتفظ بعلاقات سياسية واقتصادية عميقة مع إيران. وهي توسع تعاونها النفطي مع تركيا، وتحاول منع التصعيد مع السعودية، بينما تعلن في الداخل بدء مرحلة حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.

وهذا يعني أن المعركة الحقيقية المقبلة قد لا تكون ببساطة حول أي دولة خارجية ستنتصر في العراق، وإنما حول ما إذا كان العراق نفسه يستطيع استعادة القدرة على اتخاذ قراراته السيادية.

فإذا نجحت بغداد في تنويع منافذ تصدير النفط، ومنع استخدام أراضيها في الصراعات الإقليمية، وفرض قرار الدولة على جميع الجماعات المسلحة، فقد تتحول أزمة الحرب الحالية إلى فرصة لإعادة صياغة علاقاتها مع الخارج.

أما إذا فشلت، فإن الخطر الذي يحذر منه بولاك يصبح أكثر واقعية: عراق ضعيف اقتصادياً، منقسم في مراكز القوة، ومعرض أكثر من أي وقت مضى لأن تتحول المنافسة الأميركية الإيرانية على أرضه إلى صراع يقرر الآخرون نتائجه.

المصادر/ موقع «ذا ديسباتش» الأميركي-  سي إن إن – وكالة الأنباء االعراقية

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.