تتعرض إيران لضربات عسكرية وعقوبات وحصار على صادراتها النفطية، فيما يهددها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بـ«حرب اقتصادية» غير مسبوقة. ومع ذلك، لا تبدو طهران مستعدة لتقديم التنازلات التي تريدها واشنطن. لماذا؟
في تحليل نشره مركز المجلس الأطلسي الأميركي للأبحاث، يرى أندرو بيك وجوناثان بانيكوف أن الإجابة لا تكمن في الاقتصاد وحده، بل في طبيعة الرجال الذين يديرون إيران وتجربتهم التاريخية. فكثير من قادة النظام الحاليين تشكل وعيهم خلال حرب إيران والعراق، وهم يعتقدون أن تحمل الخسائر والصمود أطول من الخصم قد يكونان الطريق الأفضل لانتزاع اتفاق بشروط أقل سوءاً.
لكن الكاتبين يريان في المقابل أن لهذا الصمود حدوداً، وأن الاختبار الحقيقي لن يكون عدد الصواريخ التي تمتلكها إيران، بل قدرتها على بيع النفط والحصول على العملات الصعبة، والحفاظ على تماسك أجهزتها الأمنية، ومنع الأزمة الاقتصادية من التحول إلى احتجاجات واسعة داخل قواعدها الاجتماعية التقليدية.
جيل تشكّل في حرب إيران والعراق
الفكرة الأساسية في المقال هي أن فهم سلوك القيادة الإيرانية الحالية يتطلب العودة إلى حرب الثمانينيات مع العراق.
فالحرب التي استمرت قرابة ثماني سنوات لم تكن مجرد حدث تاريخي بالنسبة إلى عدد من كبار المسؤولين الإيرانيين الحاليين، بل تجربة شخصية عاشوها في ساحات القتال.
يشير الكاتبان إلى أن رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف كان قائداً شاباً في الحرس الثوري خلال الحرب، وأن الرئيس مسعود بزشكيان خدم خلالها جندياً وطبيباً، فيما تولى محسن رضائي قيادة الحرس الثوري آنذاك.
ويرى المقال أن هذه التجربة صنعت جيلاً من القادة اعتاد الحروب الطويلة والاستنزاف وتحمل الخسائر من دون الاستسلام سريعاً.
فحرب إيران والعراق وصلت منذ منتصف الثمانينيات تقريباً إلى حالة جمود عسكري، ومع ذلك استمر الطرفان سنوات إضافية في القتال والقصف واستخدام الأسلحة الكيميائية.
ومن هنا يعتقد الكاتبان أن الافتراض بأن الضغط الشديد سيجعل القيادة الإيرانية تستسلم بسرعة قد يكون خاطئاً.
ليست إيران واحدة
ينتقد المقال أيضاً الصورة الغربية التي ترى إيران أساساً من خلال الشباب والطبقة الوسطى المطالبين بالتغيير والحريات.
هؤلاء موجودون بالفعل، وقد خرج كثير منهم إلى الشوارع خلال موجات الاحتجاج المتعاقبة، لكن هناك، بحسب الكاتبين، «إيران أخرى» تضم الحرس الثوري والباسيج والمؤسسات الدينية والأجهزة الأمنية وشرائح اجتماعية ما زالت مرتبطة بالنظام.
ولهذا تتمتع الأنظمة الثورية، في رأيهما، بقدرة على البقاء أطول مما يتوقع خصومها، لأنها تعرف قواعدها الاجتماعية وتبني مؤسسات أمنية مصممة لحماية النظام نفسه.
ويستشهد المقال بطريقة تعامل السلطات مع احتجاجات يناير/كانون الثاني 2026 للدلالة على أن القيادة مستعدة لاستخدام مستويات مرتفعة من القوة عندما ترى أن بقاء النظام مهدد.
الاحتجاجات الأخطر قد لا تبدأ من طهران
يقدم المقال ملاحظة مهمة بشأن كيفية قياس ضعف النظام.
فالعدد الإجمالي للمتظاهرين ليس المؤشر الوحيد؛ هوية المحتجين ومناطقهم قد تكون أكثر أهمية.
فالاحتجاجات بين الطلاب والطبقة الوسطى في شمال طهران ليست جديدة بالنسبة إلى السلطات، وقد طورت الأجهزة الأمنية خلال عقود خبرة واسعة في احتوائها.
لكن الخطر الحقيقي، وفق التحليل، يبدأ عندما تنتقل الاحتجاجات الاقتصادية إلى الطبقات العاملة والشرائح الأقل دخلاً في المحافظات، وهي الفئات التي يأتي منها كثير من أفراد الباسيج والحرس الثوري.
إذا بدأت هذه الشرائح بالابتعاد عن النظام، فقد تظهر المشكلة الأخطر: تصدع ولاء الأجهزة الأمنية نفسها.
وهذا، بحسب المقال، سيكون أحد أوضح المؤشرات على تعرض النظام لخطر حقيقي.
النفط قد يكون أخطر من القنابل
المؤشر الثاني الذي يركز عليه الكاتبان هو المال، وبالتحديد احتياطيات العملات الأجنبية.
إيران تحتاج إلى الدولار واليورو والذهب لتمويل الواردات، ودعم الريال، وتمويل حلفائها وشبكات نفوذها الإقليمية. والمصدر الأساسي للحصول على هذه العملات هو صادرات النفط.
ولهذا يرى المقال أن أكثر العقوبات فاعلية تاريخياً لم تكن مجرد تجميد أصول، بل تلك التي استهدفت صادرات الطاقة والمصارف التي تعالج مدفوعات النفط.
ويستشهد بتجربة العقوبات السابقة. ففي 2013 انخفضت صادرات النفط الإيرانية إلى أقل من مليون برميل يومياً في المتوسط، مقارنة بنحو 2.2 مليون في 2011، وهو ضغط أسهم لاحقاً في الوصول إلى الاتفاق النووي.
وخلال ولاية ترامب الأولى، هبطت صادرات الخام الإيراني في مرحلة من حملة «الضغط الأقصى» إلى نحو 440 ألف برميل يومياً.
كما تراجعت احتياطيات إيران من العملات الأجنبية، وفق الأرقام التي يستشهد بها المقال، من مستويات بلغت نحو 120 إلى 128 مليار دولار خلال فترة الاتفاق النووي إلى نحو 15 مليار دولار في 2019، ثم انخفضت الاحتياطيات المتاحة أكثر.
لماذا يعتقد الكاتبان أن الوقت يعمل لمصلحة واشنطن؟
الحجة الأساسية هي أن إيران تستطيع تحمل الضغط العسكري فترة، لكنها تواجه صعوبة أكبر في مواجهة نزيف مالي طويل الأمد.
فإذا عجزت عن تصدير كميات كافية من النفط، ستتراجع العملات الصعبة المتاحة لها، ويصبح دعم الريال وتمويل الواردات والنفوذ الإقليمي أكثر صعوبة.
ويرى الكاتبان أن طهران تحاول حالياً تصدير ما تستطيع عبر الطرق البرية، ولا سيما عبر العراق، لكنهما يقدران أن هذه الكميات لا تقارن بحجم التجارة البحرية المعتادة.
لذلك يعتقدان أن الزمن، على المديين المتوسط والطويل، يميل لمصلحة الولايات المتحدة إذا تمكنت من إبقاء صادرات الطاقة الإيرانية منخفضة.
لكن المعادلة تنقلب على المدى القصير؛ فارتفاع أسعار البنزين والحرب غير الشعبية واقتراب انتخابات التجديد النصفي تضغط على ترامب، وهو ما قد تعتقد طهران أنه يمنحها فرصة للصمود حتى تضطر واشنطن إلى تخفيف شروطها.

معضلة مضيق هرمز
يلفت المقال إلى مشكلة أخرى تتعلق بأي اتفاق لإعادة فتح مضيق هرمز.
فإذا حصلت إيران بموجب الاتفاق على رسوم أو عائدات مقابل مرور السفن، فقد يتطلب تحويل هذه الأموال تخفيف بعض العقوبات المالية المرتبطة بالبرنامج النووي.
ويحذر الكاتبان من أن يؤدي ذلك عملياً إلى حصول إيران على تخفيف مهم للعقوبات من دون اتفاق واضح بشأن برنامجها النووي.
لذلك يدعوان واشنطن إلى البحث عن وسائل أخرى لضمان استمرار تدفق النفط واستقرار أسعار الطاقة من دون منح طهران مصدراً مالياً جديداً.
متى يمكن أن يبدأ النظام بالتصدع؟
يرسم المقال ثلاثة عوامل إذا اجتمعت، فقد يصبح النظام أمام اختبار أكثر خطورة:
- عجز إيران عن تصدير نفط كافٍ للحفاظ على احتياطياتها من العملات الأجنبية.
- بدء تصدع التماسك الداخلي للنظام والأجهزة الأمنية، بما يضعف أيضاً قدرة إيران العسكرية ونفوذها الإقليمي.
- تحول التضخم الشديد والأزمة المعيشية إلى احتجاجات واسعة ومستمرة تشمل الطبقات التي يعتمد عليها النظام تقليدياً.
لكن الكاتبين يشددان على أن حدوث هذه العوامل لا يعني إمكانية تحديد موعد لانهيار النظام.
إيران قد تصعّد قبل أن تتراجع
هذه ربما أهم نقطة في المقال بالنسبة إلى المرحلة المقبلة.
فالكاتبان لا يتوقعان أن تستجيب طهران للضغط الاقتصادي بالاستسلام المباشر، بل يرجحان أن تصعّد أولاً قبل أن تصبح الضغوط غير قابلة للتحمل.
وقد تحاول إيران إلحاق أكبر قدر ممكن من التكلفة بالولايات المتحدة، أو الضغط على حلفائها الخليجيين، أو إرباك التحالفات الإقليمية بهدف تحسين شروط أي مفاوضات لاحقة.
ويربط المقال بهذا السياق التحركات الأمنية الجديدة في المنطقة، ومنها اتفاق الدفاع بين السعودية وتركيا وباكستان، باعتبارها مؤشراً إلى أن دول المنطقة بدأت تبحث عن ضمانات جديدة في مواجهة حالة عدم اليقين.
الخلاصة: الصمود لا يعني أن إيران لا تضعف
رسالة المقال الأساسية ليست أن النظام الإيراني محصّن ضد الضغوط، ولا أن انهياره بات قريباً.
بل يرى الكاتبان أن إيران تضعف اقتصادياً، لكن قيادتها مصممة على تحمل الألم فترة أطول مما قد تتوقعه واشنطن. وتجربة حرب الثمانينيات تجعل عدداً من كبار مسؤوليها أكثر استعداداً لخوض معركة استنزاف طويلة بدلاً من تقديم تنازلات سريعة.
وفي النهاية، يحذر المقال من الثقة المفرطة في توقع مصير النظام. فالولايات المتحدة أخطأت مراراً في تقدير قدرة أنظمة أخرى على الصمود أو توقيت انهيارها.
لذلك قد تجبر الأزمة الاقتصادية إيران في نهاية المطاف على التفاوض، وقد تتعرض السلطة لاضطرابات داخلية كبيرة، لكن لا أحد يستطيع الجزم متى تصل طهران إلى نقطة الانكسار، أو حتى ما إذا كانت ستصل إليها بالطريقة التي تتوقعها واشنطن.








