ترامب يوقف عملية هرمز.. تراجع تكتيكي أم فرصة تفاوض؟
ترامب قال إن قرار تعليق عملية " مشروع الحرية" جاء “استجابة لطلب باكستان ودول أخرى (البيت الأبيض)
في تطور يعكس هشاشة التوازن العسكري والسياسي في الخليج، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعليق ما تسمى بعملية “مشروع الحرية ” التي أطلقتها واشنطن قبل أيام لإرشاد السفن التجارية عبر مضيق هرمز، مبررًا الخطوة بإحراز “تقدم كبير” في المفاوضات مع إيران. لكن خلف هذا التراجع التكتيكي، لا يبدو أن الأزمة تتجه إلى نهاية قريبة، بل إلى مرحلة أكثر تعقيدًا من “الضغط المتبادل” بين واشنطن وطهران.
وبينما تصف إيران الخطوة بأنها “فشل أميركي”، تحاول إدارة ترامب تقديمها باعتبارها مساحة دبلوماسية مؤقتة لإتمام اتفاق نهائي قد يضع حدًا للحرب المستمرة منذ أواخر فبراير/شباط.
إلا أن الوقائع الميدانية — من استمرار الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية، إلى الهجمات المتقطعة في هرمز ولبنان — تشير إلى أن التهدئة الحالية لا تزال شديدة الهشاشة.
تعليق “مشروع الحرية”
بحسب تقرير موقع أكسيوس للصحفي باراك رافيد، فإن ترامب قرر وقف العملية العسكرية البحرية التي بدأت الإثنين بهدف مرافقة السفن العالقة في مضيق هرمز، بعد اشتباكات مباشرة بين القوات الأميركية والإيرانية، وهجمات صاروخية إيرانية على الإمارات للمرة الأولى منذ إعلان وقف إطلاق النار.
ترامب قال إن القرار جاء “استجابة لطلب باكستان ودول أخرى”، إلى جانب ما وصفه بـ”التقدم الكبير” نحو اتفاق شامل مع إيران. لكن اللافت أن البيت الأبيض لم يعلن أي تفاصيل فعلية عن طبيعة هذا الاتفاق أو مدى اقترابه من التوقيع.
القراءة السياسية لهذا التطور توحي بأن واشنطن تواجه معضلتين متزامنتين:
- الأولى: صعوبة فرض واقع عسكري دائم داخل مضيق هرمز دون الانزلاق إلى مواجهة أوسع.
- الثانية: الضغوط الاقتصادية والسياسية الداخلية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط والوقود قبل الانتخابات النصفية الأميركية.
الحصار مستمر… لكن المعركة تغير شكلها
رغم تعليق عملية ” مشروع الحرية” ، شدد ترامب على أن الحصار البحري الأميركي على الموانئ الإيرانية “سيبقى قائمًا بالكامل”. وهذا يعني أن واشنطن لم تتراجع عن استراتيجية خنق الاقتصاد الإيراني، بل أعادت ترتيب أدوات الضغط.
من هنا، يبدو أن الولايات المتحدة تحاول الانتقال من “كسر السيطرة الإيرانية بالقوة” إلى “إدارة الأزمة بالتفاوض تحت الضغط”.
لكن التصريحات الإيرانية توحي بأن طهران لا تعتبر نفسها في موقع التراجع. رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف قال إن “استمرار الوضع الراهن غير محتمل بالنسبة لأميركا، بينما نحن لم نبدأ بعد”، في إشارة إلى أن إيران لا تزال تمتلك أوراق تصعيد إضافية.

الصين تدخل بقوة على خط الأزمة
في موازاة التراجع الأميركي التكتيكي، برزت الصين كلاعب دبلوماسي أكثر وضوحًا.
فخلال لقاء وزير الخارجية الصيني وانغ يي مع نظيره الإيراني عباس عراقجي في بكين، شددت الصين على ضرورة “وقف شامل لإطلاق النار”، وأكدت دعمها “لحق إيران المشروع في الاستخدام السلمي للطاقة النووية”.
هذه الرسائل تحمل أكثر من دلالة:
- الصين تريد منع انفجار طويل الأمد يهدد إمدادات الطاقة العالمية.
- بكين ترفض عمليًا الرؤية الأميركية التي تربط أي تسوية بتفكيك شامل للبرنامج النووي الإيراني.
- الصين تحاول تثبيت نفسها كوسيط دولي موازٍ للدور الأميركي، خصوصًا مع زيارة ترامب المرتقبة إلى بكين الأسبوع المقبل.
ومن الواضح أن واشنطن تراهن أيضًا على نفوذ الصين الاقتصادي على إيران للضغط باتجاه إعادة فتح المضيق، خاصة أن الصين تُعد أكبر مشترٍ للنفط الإيراني.
هرمز… عقدة الاقتصاد العالمي
الأزمة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى اختبار لقدرة الاقتصاد العالمي على تحمل اضطراب أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
إغلاق إيران الفعلي للمضيق أو تقييد الملاحة فيه أدى إلى:
- ارتفاع أسعار النفط عالميًا.
- تجاوز متوسط أسعار البنزين في الولايات المتحدة 4.5 دولار للغالون.
- تعطيل مئات السفن التجارية.
- تصاعد مخاطر التأمين والشحن البحري.
ورغم إعلان واشنطن نجاحها في “تأمين ممرات بحرية”، إلا أن شركات شحن عالمية كبرى مثل هاباج-لويد ما تزال تعتبر العبور “غير ممكن حاليًا”، ما يعكس فجوة بين الخطاب العسكري الأميركي والواقع التجاري.
كما أن إصابة سفينة شحن فرنسية بمقذوف مجهول داخل المضيق تؤكد أن الملاحة ما تزال بعيدة عن الاستقرار الكامل.
لبنان… الجبهة التي تهدد المفاوضات
في الخلفية، لا تزال الجبهة اللبنانية تمثل عنصر تهديد كبير لأي اتفاق أميركي-إيراني.
فالتقارير تحدثت عن غارات إسرائيلية جديدة جنوب لبنان، بالتزامن مع إعلان حزب الله تنفيذ 18 هجومًا ضد القوات الإسرائيلية خلال يوم واحد، وهو أعلى معدل منذ بدء الهدنة.
هذا التصعيد يعكس أن أي تفاهم محتمل بين واشنطن وطهران لن يكون معزولًا عن ملفات النفوذ الإقليمي، خصوصًا لبنان والعراق وسوريا.
هدنة مؤقتة لا تسوية نهائية
تقارير سي إن إن واسوشيتدبرس والغارديان وأكسيوس تكشف أن المنطقة دخلت مرحلة “إدارة التصعيد” لا إنهائه. واشنطن لا تبدو مستعدة لحرب مفتوحة طويلة الكلفة، لكنها أيضًا لا تريد منح إيران انتصارًا استراتيجيًا في هرمز.
أما إيران، فتتعامل مع المضيق باعتباره ورقة الردع الأهم لديها، وتحاول فرض معادلة تقول إن أي ضغط اقتصادي أو عسكري عليها سيقابله اضطراب مباشر في أسواق الطاقة العالمية.
وفي المنتصف، تتحرك الصين وباكستان وبعض القوى الإقليمية لمحاولة منع الانفجار الكامل، دون أن يعني ذلك أن اتفاقًا نهائيًا أصبح قريبًا بالفعل.
بمعنى آخر، ما يجري الآن ليس نهاية الأزمة… بل انتقالها من “حافة الحرب المباشرة” إلى “مرحلة عض الأصابع الدبلوماسية والاقتصادية”، حيث يختبر كل طرف حدود صبر الطرف الآخر، فيما يبقى مضيق هرمز مركز الثقل الذي قد يعيد إشعال المواجهة في أي لحظة.