كيف تصنع الثقافة نفوذها؟.. دراسة عراقية ترصد تجربة اتحاد الأدباء

مايو 8, 2026
79

في عصرٍ باتت فيه الصورة الذهنية تسبق البيانات الرسمية في تشكيل الوعي العام، لم يعد تقييم المؤسسات الثقافية رهيناً بضخامة نتاجها الأدبي أو كثافة أجندتها الفعالية فحسب، بل بمدى قدرتها على غرس انطباعٍ ذهني مستقر وموثوق في وعي جماهيرها.

وبينما تتسابق الكيانات الاقتصادية والسياسية لتطوير أدوات التأثير والاتصال، تجد المؤسسات الثقافية نفسها اليوم أمام تحدٍّ أكثر تعقيداً؛ يتمثل في كيفية الحفاظ على حضورها المعنوي وقيمتها الرمزية وسط عالم رقمي متسارع التحولات، وأمام جمهور لم يعد يكتفي باستهلاك المحتوى، بل بات ينشد التفاعل والشفافية كمعيارين أساسيين للانتماء والتقدير.

1. مشكلة البحث وأهدافه:

ومن هذه الزاوية، تقترب الباحثة سرى عبد الله جاسم من الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، ليس بوصفه مؤسسة ثقافية تقليدية، بل كنموذج اتصالي يحاول إعادة تعريف علاقته بجمهوره في عصر المنصات الرقمية.

وتبحث الدراسة، التي أشرفت عليها الدكتورة هدى عادل طه الغرب ، في فاعلية العلاقات العامة داخل الاتحاد، ودورها في تشكيل الصورة الذهنية لدى أعضائه، عبر تحليل الأنشطة الاتصالية التقليدية والرقمية، وقياس مستويات الثقة والرضا والتفاعل لدى الجمهور الداخلي.

2. المنهجية والأدوات:

اعتمدت الدراسة، المقدمة إلى كلية الإعلام في جامعة بغداد لنيل درجة الماجستير، المنهج المسحي بشقيه التحليلي والميداني. ففي الجانب التحليلي، قامت الباحثة برصد وتحليل 232 منشورًا على الصفحة الرسمية للاتحاد في “فيسبوك” خلال المدة الممتدة من أكتوبر/ تشرين الأول إلى ديسمبر/ كانون الأول 2024، بهدف التعرف إلى طبيعة الخطاب الاتصالي والأنشطة الأكثر حضورًا وتأثيرًا. أما في الجانب الميداني، فقد وزعت استبيان قياس الصورة الذهنية على عينة مكونة من 350 عضوًا من جمهور الاتحاد الداخلي، لقياس آرائهم تجاه أداء المؤسسة وفاعلية أدواتها الاتصالية.

3. الإطار النظري والمفاهيمي:   

تنطلق الدراسة من فرضية أساسية مفادها أن العلاقات العامة لم تعد وظيفة تكميلية داخل المؤسسات الثقافية، بل أصبحت أداة استراتيجية لصناعة الثقة وتعزيز الانتماء وبناء السمعة. ولهذا تناولت الباحثة الإطار النظري لمفهوم الصورة الذهنية، ومراحل تكوينها، والعوامل المؤثرة فيها، إضافة إلى دور وسائل الإعلام والتكنولوجيا الحديثة في تحويل الاتصال من نمط أحادي الاتجاه إلى تواصل تفاعلي قائم على المشاركة والاستجابة الفورية.

4. أبرز النتائج الميدانية: 

مصادر الصورة: وأظهرت النتائج أن الصورة الذهنية للاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق جاءت إيجابية بصورة عامة، إذ سجلت مؤشرات الثقة والرضا والتقييم مستويات مرتفعة لدى أفراد العينة.

وكشفت الدراسة أن الاتصال الشخصي عبر الزملاء والأصدقاء جاء في مقدمة مصادر تشكيل صورة الاتحاد بنسبة بلغت 21.86%، ما يعكس الطبيعة الاجتماعية المتماسكة للوسط الثقافي العراقي، ويؤكد أن السمعة الثقافية لا تُبنى فقط عبر المنصات الرقمية، بل أيضًا عبر العلاقات الإنسانية المباشرة.

الأنشطة الرقمية: تصدر “البث المباشر” قائمة الأنشطة الاتصالية الأكثر متابعة بنسبة 22.41%، تلاه نشر الإعلانات والتغطيات الثقافية بنسبة 13.79%، في مؤشر واضح على تنامي دور المنصات الرقمية في العمل الثقافي. كما أظهرت النتائج أن الجمهور ينظر بإيجابية إلى محتوى الأنشطة التي يقدمها الاتحاد، وإلى مستوى التواصل بين الإدارة والأعضاء، فضلًا عن ارتفاع معدلات الثقة بمصداقية المعلومات المنشورة.

الدعم الإنساني: ومن أبرز المؤشرات التي توقفت عندها الدراسة، أن فقرة “اهتمام الاتحاد بالتواصل مع أعضائه والاطمئنان عليهم خلال الأزمات الصحية والأمنية” سجلت أعلى وزن مئوي بلغ 95%، وهو ما منح المؤسسة بعدًا إنسانيًا يتجاوز النشاط الثقافي التقليدي، ويعزز صورتها بوصفها فضاءً اجتماعيًا داعمًا لأعضائه، لا مجرد مؤسسة تنظيمية.

الاستنتاجات والتوصيات:  

وخلصت الدراسة إلى أن الاتحاد نجح في خلق “بيئة عمل محفزة للإبداع” وتوفير قنوات اتصال فعالة لتلقي الشكاوى.

وذهبت إلى أن نجاح المؤسسة الثقافية في بناء صورة ذهنية إيجابية لا يعتمد فقط على كثافة الأنشطة التي تقدمها، بل يرتبط بجودة الاتصال، وشفافية المعلومات، وسرعة التفاعل، وطريقة تعامل العاملين مع الجمهور. وأكدت أن التكنولوجيا الحديثة أصبحت عنصرًا حاسمًا في نجاح العلاقات العامة، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها المشهد الإعلامي والثقافي.

وتوصي الدراسة بضرورة الاستمرار في توظيف تكنولوجيا الاتصال الحديثة لتعزيز التفاعل المباشر، وتطوير استراتيجيات العلاقات العامة لتشمل شرائح أوسع من الجمهور الخارجي لضمان استدامة النتاج الثقافي.  

وفي المحصلة، تقدم هذه الأطروحة نموذجًا تطبيقيًا مهمًا لفهم العلاقة بين الاتصال المؤسسي والصورة الذهنية داخل المؤسسات الثقافية العربية، وتكشف أن بناء السمعة الثقافية لم يعد مسألة رمزية أو نخبوية، بل عملية اتصالية متكاملة تُدار بالأدوات نفسها التي تصنع النفوذ في عالم السياسة والإعلام والأعمال.

المصدر: أوج 24

حول هذه القصة

كيف ينظر المجتمع العراقي إلى عمل المرأة أمنيا؟ دراسة ميدانية

دراسة: هكذا تعيد الصحافة الرقمية تشكيل الوعي المناخي

اترك تعليقاً