أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
سياسة وتحليلات

«درع أخيل» إسرائيلي فوق اليونان.. هل يغيّر ميزان القوة مع تركيا؟

«درع أخيل» إسرائيلي فوق اليونان.. هل يغيّر ميزان القوة مع تركيا؟

لم تعد اليونان تتعامل مع الدفاع الجوي باعتباره شراء صواريخ منفردة لمواجهة تهديدات محددة. الاتفاق الدفاعي الضخم الذي وقعته مع إسرائيل يكشف عن توجه أوسع: بناء «مظلة» وطنية تربط الرادارات والصواريخ والحرب الإلكترونية ومراكز القيادة في شبكة واحدة، قادرة على التعامل مع الطائرات والمسيّرات والصواريخ الباليستية.

لكن مشروع «درع أخيل»، وهي صفقة تبلغ قيمتها نحو 3 مليارات يورو، وتشتري اليونان بموجبها من إسرائيل صواريخ للدفاع الجوي وأنظمة لمواجهة الطائرات المسيّرة، لا يحمل أبعاداً عسكرية فقط. فهو يعمّق الشراكة الاستراتيجية بين اليونان وإسرائيل في شرق المتوسط، ويمنح الصناعة الدفاعية اليونانية حصة مهمة، بينما يثير في الوقت نفسه حساسية تركيا، التي تنظر بقلق إلى تنامي التعاون العسكري بين أثينا وتل أبيب.

وبحسب تقارير إعلامية، وقّعت اليونان وإسرائيل الاتفاق في تل أبيب في 31 أغسطس/آب، ليصبح الأكبر في تاريخ صادرات السلاح الإسرائيلية إلى اليونان، وواحداً من أكبر عقود الصناعات الدفاعية الإسرائيلية عموماً.

وهي جزء من منظومة الدفاع الجوي اليونانية «درع أخيل»، البالغة قيمتها 28 مليار يورو، والتي تخطط أثينا لاستكمالها هذا العام. كما تشمل عملية التعزيز العسكري مقاتلات F-35 التي ستحصل عليها اليونان من الولايات المتحدة، وطائرات رافال التي ستشتريها من فرنسا، إلى جانب سفن حربية ستحصل عليها من فرنسا وإيطاليا.

ممثلون عن إسرائيل واليونان يوقعون اتفاقية دفاعية تتجاوز قيمتها 10 مليارات شيكل إسرائيلي، 31 أغسطس/آب 2026.الصورة: وزارة الدفاع الإسرائيلية
ممثلون عن إسرائيل واليونان يوقعون الصفقة (وزارة الدفاع الإسرائيلية)

ما هو «درع أخيل»؟

الاسم مستوحى من أخيل، بطل الأساطير اليونانية، لكن المشروع في الواقع ليس سلاحاً واحداً أو نسخة يونانية حرفية من «القبة الحديدية» الإسرائيلية.

الفكرة هي إنشاء دفاع جوي متعدد الطبقات، بحيث تتولى منظومات مختلفة مواجهة أنواع مختلفة من التهديدات، ثم يجري ربطها بمركز قيادة وتحكم وطني.

ومن المتوقع أن يشمل النظام ثلاث منظومات إسرائيلية رئيسية:

  • «سبايدر» (SPYDER) من شركة رافائيل الإسرائيلية، وتعمل ضمن الطبقات الأقرب لمواجهة الطائرات والمسيّرات والتهديدات الجوية قصيرة ومتوسطة المدى.
  • «باراك إم إكس» (BARAK MX) من الصناعات الجوية الإسرائيلية، وتوفر طبقة دفاعية أوسع في مواجهة أنواع متعددة من التهديدات الجوية والصاروخية.
  • «مقلاع داود» (David’s Sling) من شركة رافائيل، وتشكل الطبقة الأعلى ضمن الحزمة الجديدة، وهي مصممة للتعامل مع تهديدات أكثر تعقيداً وعلى مسافات أبعد.

والأهم أن هذه الأنظمة لن تعمل بمعزل عن الترسانة الموجودة أصلاً، إذ تقول أثينا إنها ستتكامل مع بطاريات باتريوت ومقاتلات رافال وإف – 16 فايبر والفرقاطات الحديثة وأجهزة الاستشعار والمنظومات الدفاعية الأخرى.

ومن المقرر الوصول إلى القدرة التشغيلية الكاملة خلال نحو 35 شهراً، مع إدخال المكونات تدريجياً إلى الخدمة.

مقلاع داود الإسرائيلي جزء من الصفقة
منظومة مقلاع داود جزء من منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلي التي تُباع إلى اليونان ( وزارة الدفاع الإسرائيلية)

«العقل» أهم من الصاروخ

هنا تكمن إحدى أهم نقاط المشروع.

فاليونان تمتلك منذ سنوات منظومات أميركية وأوروبية وروسية المنشأ جرى شراؤها في فترات مختلفة، ولم تُبنَ بالضرورة لتعمل جميعها ضمن شبكة دفاعية موحدة.

«درع أخيل» يسعى إلى تغيير ذلك، عبر ربط أجهزة الاستشعار والرادارات ومراكز القيادة والصواريخ بحيث تتبادل المعلومات وتكوّن صورة عملياتية واحدة.

وتشير التقارير إلى أن مركز القيادة سيستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في تحليل التهديدات وتصنيفها واقتراح وسيلة المواجهة الأنسب.

وهذا مهم اقتصادياً أيضاً. فإذا كانت مسيّرة رخيصة يمكن إسقاطها بالتشويش الإلكتروني، فمن غير المنطقي بالضرورة استخدام صاروخ اعتراضي باهظ الثمن ضدها.

مناورات
مناورات  يونانية إسرايلية سابقة  ( الحصافة الإسرائيلية)

حرب الاستنزاف بالحسابات أيضاً

الحروب الأخيرة أظهرت مشكلة متزايدة أمام أنظمة الدفاع الجوي: تكلفة الاعتراض.

يمكن للمهاجم إرسال عشرات المسيّرات والذخائر الجوالة والأهداف الخداعية الرخيصة في وقت واحد، وإجبار المدافع على استهلاك صواريخ أكثر تكلفة بكثير.

ولهذا يتضمن التصور اليوناني أيضاً منظومة «كينتافروس» اليونانية للحرب الإلكترونية ومكافحة المسيّرات.

وبدلاً من تدمير الطائرة بصاروخ، تحاول هذه المنظومة التشويش على اتصالاتها أو ملاحتها وتعطيل مهمتها. وإذا فشل التشويش أو كان الهدف يشكل خطراً فورياً، يمكن الانتقال إلى الاعتراض الصاروخي.

لكن هذه الوسيلة ليست حلاً كاملاً؛ فبعض المسيّرات يمكنها العمل بصورة مستقلة أو استخدام أنظمة ملاحة أقل تأثراً بالتشويش. ولذلك تبقى الحاجة إلى عدة طبقات دفاعية.

ثغرات لم تُغلق بعد

على الرغم من حجم الصفقة، فإن «درع أخيل» لن يحل كل مشكلات الدفاع الجوي اليوناني.

فموقع «ديفنس أبديت» يشير إلى أن تفاصيل مهمة، مثل عدد البطاريات والقواذف والصواريخ الاعتراضية، لم تُعلن بعد، ولذلك يصعب الحكم على مقدار التغطية الفعلية التي سيوفرها النظام للجزر والحدود والقواعد والمنشآت الحيوية.

كما أن مواجهة أسراب ضخمة من المسيّرات الرخيصة تحتاج إلى وسائل اعتراض منخفضة التكلفة يمكن نشرها بأعداد كبيرة، وليس الصواريخ وحدها.

وفي الطرف الآخر من سلم التهديدات، قد تحتاج اليونان مستقبلاً إلى تعزيز الطبقة العليا من الدفاع ضد بعض أنواع الصواريخ الباليستية. وتطرح التحليلات منظومات مثل «السهم» الإسرائيلية كخيار محتمل، لكن ذلك ليس جزءاً معلناً من الصفقة الحالية.

الصناعة اليونانية تحصل على حصة كبيرة

أثينا لا تريد أن تكون الصفقة مجرد عملية شراء أسلحة جاهزة من إسرائيل.

وبحسب وزارة الدفاع اليونانية، تشارك 19 شركة يونانية في البرنامج بأعمال تزيد قيمتها على 750 مليون يورو، فيما تحدثت تقارير أخرى في مراحل التفاوض عن نسبة مشاركة محلية تقارب 25%.

كما أثيرت مسألة نقل المعرفة والتكنولوجيا والحصول على قدر من السيطرة على البرمجيات والشيفرات اللازمة لتشغيل الشبكة وتطويرها.

الهدف البعيد يتجاوز الصيانة؛ إذ تريد اليونان بناء قاعدة صناعية دفاعية محلية تستطيع إنتاج بعض المكونات وتطويرها وربما تصديرها مستقبلاً.

لماذا إسرائيل؟

بالنسبة إلى أثينا، تمتلك المنظومات الإسرائيلية عدة عوامل جذب: خبرة تشغيلية واسعة، وتكنولوجيا متقدمة في الدفاع الصاروخي ومواجهة المسيّرات، وإمكانية دمج عدة منظومات في شبكة واحدة.

كما تواجه اليونان مشكلة في بعض منظومات دفاعها الجوي الروسية القديمة، مثل «تور إم-1» و«أوسا-إيه كيه»، التي أصبحت صيانتها وتأمين قطع غيارها أكثر صعوبة، إذ أصبحت صيانتها والحصول على قطع غيارها أكثر صعوبة بعد الحرب الروسية على أوكرانيا وتراجع التعاون الدفاعي مع موسكو.

لكن الاعتماد الكبير على التكنولوجيا الإسرائيلية يحمل في المقابل مخاطره، وفي مقدمتها الارتباط بمورد أجنبي للحصول على الذخائر والتحديثات والدعم الفني مستقبلاً.

تركيا حاضرة في الخلفية

رسمياً، تقول اليونان إن تعاونها الدفاعي مع إسرائيل ليس موجهاً ضد دولة بعينها. لكن معظم التحليلات ترى أنه يصعب فصل المشروع تماماً عن التنافس مع تركيا.

فالخلافات بين أثينا وأنقرة حول بحر إيجه وشرق المتوسط وقبرص وتسليح بعض الجزر لم تختف، فيما تعمل تركيا بدورها على توسيع قدراتها في مجال المسيّرات والصواريخ والأسلحة بعيدة المدى.

وتزداد الحساسية مع تدهور العلاقات التركية الإسرائيلية، بينما أفاد موقع يورأكتيف الأوروبي بأن أنقرة تنظر سلباً إلى تنامي التعاون العسكري الإسرائيلي اليوناني.

ولم يصدر حتى الآن رد تركي رسمي مباشر على توقيع الصفقة، لكن أنقرة سبق أن عبّرت عن قلقها من تنامي التعاون العسكري بين اليونان وإسرائيل، فيما أثارت الصفقة انتقادات في وسائل إعلام وأوساط دفاعية تركية

دفاع أقوى أم سباق تسلح جديد؟

هنا تظهر المفارقة الاستراتيجية.

من وجهة النظر اليونانية، يمكن لـ«درع أخيل» أن يرفع كلفة أي هجوم محتمل، وبالتالي يعزز الردع ويقلل احتمالات وقوعه.

لكن التحليلات الدفاعية تحذر من الوجه الآخر لهذه المعادلة: عندما يقوي طرف دفاعاته، قد يدفع ذلك خصمه المحتمل إلى تطوير صواريخ ومسيّرات وأساليب جديدة لاختراقها.

وهكذا قد يتحول التحديث الدفاعي إلى حلقة جديدة في سباق التسلح الإقليمي، حتى عندما يصر كل طرف على أن تحركاته ذات طبيعة دفاعية.

لذلك فإن أهمية صفقة الثلاثة مليارات يورو لا تكمن فقط في عدد الصواريخ التي ستشتريها أثينا. الاختبار الحقيقي سيكون في ما إذا استطاعت اليونان تحويل منظومات متعددة إلى شبكة موحدة تستطيع اكتشاف الهجمات والتعامل مع أعداد كبيرة من الأهداف واختيار وسيلة الاعتراض الأسرع والأقل كلفة.

إذا تحقق ذلك، فلن يكون «درع أخيل» مجرد صفقة أسلحة إسرائيلية ضخمة، بل تحولاً في الطريقة التي تستعد بها اليونان لحروب باتت فيها المسيّرات والصواريخ والحرب الإلكترونية والبيانات لا تقل أهمية عن الطائرات والسفن التقليدية.

المصادر/ «بوليتيكو» – «يورأكتيف» – صحافة إسرائيلية-  مواقع متخصصة في شؤون الدفاع

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.