أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
سياسة وتحليلات

دلالات فوز عبد الرحمن السيد.. كيف أربك حسابات الديمقراطيين والجمهوريين؟

دلالات فوز عبد الرحمن السيد.. كيف أربك حسابات الديمقراطيين والجمهوريين؟

في واحدة من أكثر الانتخابات التمهيدية الأميركية متابعةً وإنفاقاً، نجح الطبيب والخبير في الصحة العامة عبد الرحمن السيد، أو “عبدول” كما يسميه الأميركيون في انتزاع ترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، متفوقاً بفارق ضئيل على النائبة المعتدلة هالي ستيفنز، التي حظيت بدعم شخصيات بارزة في قيادة الحزب.

ولا تقتصر أهمية النتيجة على صعود مرشح تقدمي جديد؛ إذ تحولت انتخابات ميشيغان إلى اختبار لاتجاه الحزب الديمقراطي، ولقدرة الحملات الشعبية على منافسة المال السياسي، فضلاً عن كونها قد تفتح الطريق أمام وصول أول مسلم إلى مجلس الشيوخ الأميركي.

فوز ضئيل بدلالات كبيرة

حصل السيد على نحو 48.5% من الأصوات، مقابل قرابة 47.5% لستيفنز، بفارق يقل عن نقطة مئوية واحدة، بعد فرز أكثر من 1.5 مليون بطاقة انتخابية. وأظهرت النتائج أن عبد الرحمن السيد تقدم بفارق يقل عن 15 ألف صوت، ما يعكس الانقسام الحاد بين الجناحين التقدمي والمعتدل داخل الحزب الديمقراطي.

ورغم ضآلة الفارق، يمثل الفوز مكسباً مهماً للتيار التقدمي، لأن السيد دخل السباق من خارج المؤسسة الحزبية، بينما حظيت منافسته بدعم قيادات ديمقراطية، بينها زعيم الحزب في مجلس الشيوخ تشاك شومر وعدد من أبرز السياسيين في ميشيغان.

وسيواجه عبد السيد في الانتخابات العامة المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المرشح الجمهوري مايك روجرز، عضو مجلس النواب السابق الذي خاض انتخابات مجلس الشيوخ عام 2024 وخسر أمام الديمقراطية إليسا سلوتكين.

وتُعد ميشيغان من الولايات المتأرجحة التي لا يمكن ضمان نتائجها مسبقاً؛ فقد صوتت لدونالد ترامب في انتخابات عامي 2016 و2024، بينما فاز بها جو بايدن عام 2020. ولهذا ستكون المواجهة المقبلة من السباقات المؤثرة في تحديد الحزب الذي يسيطر على مجلس الشيوخ.

 

 

من الهامش السياسي إلى قلب السباق

يبلغ السيد 41 عاماً، وهو من مواليد ميشيغان لأسرة مهاجرة من أصول مصرية. يحمل شهادة في الطب، إضافة إلى تأهيل أكاديمي في الصحة العامة، لكنه اختار عدم ممارسة الطب السريري والتوجه بدلاً من ذلك إلى العمل في السياسات الصحية والإدارة العامة.

برز اسمه عندما تولى إدارة الصحة العامة في ديترويت، حيث عمل على ملفات وفيات الأطفال والسمنة والتعرض للرصاص ومشكلات صحية أخرى مرتبطة بالفقر وعدم المساواة. ويرى مؤيدوه أن هذه الخبرة قد تمنحه منظوراً مختلفاً في مناقشات الرعاية الصحية داخل الكونغرس.

كان السيد قد حاول دخول السياسة من بوابة انتخابات حاكم ميشيغان عام 2018، لكنه خسر الانتخابات التمهيدية الديمقراطية بفارق كبير. وبعد تلك الهزيمة، ابتعد سنوات عن المناصب المنتخبة، وأطلق برنامجاً صوتياً، وألف كتباً، وظهر بصورة منتظمة في وسائل الإعلام والمنصات الرقمية.

وعندما أعلن السيناتور الديمقراطي غاري بيترز عدم الترشح لولاية جديدة، وجد السيد فرصة للعودة. بدأ حملته في أبريل/نيسان 2025 بفريق صغير، ثم زار، وفقاً لحملته، 110 مدن ونظم أكثر من 500 فعالية، مستنداً إلى شبكة قيل إنها ضمت نحو 12 ألف متطوع.

الرعاية الصحية في قلب حملته

جعل عبد السيد مشروع «الرعاية الطبية للجميع» محوراً أساسياً في برنامجه، داعياً إلى إنشاء نظام صحي شامل تموله الحكومة ويقلل الاعتماد على شركات التأمين الخاصة.

ويعتقد مؤيدوه أن وصوله المحتمل إلى مجلس الشيوخ سيمنح دعاة النظام الصحي ذي الممول الواحد صوتاً جديداً داخل المؤسسة التشريعية. وقالت مجموعة «314 أكشن»، التي تدعم العلماء والأطباء الديمقراطيين في السياسة، إن انتخابه سيجعله أول طبيب ديمقراطي يدخل مجلس الشيوخ منذ نحو ستة عقود.

كما ركزت حملته على خفض تكاليف المعيشة، وضبط الاحتكارات، وإصلاح تمويل الحملات الانتخابية، والحد من تأثير الشركات الكبرى وجماعات الضغط في صنع القرار.

لكن هذه السياسات ستتعرض لاختبار أصعب في الانتخابات العامة، إذ يرى الجمهوريون أن دعوته إلى نظام صحي شامل ومواقفه الاقتصادية تضعه في أقصى اليسار الأميركي، بينما يقدم نفسه بوصفه رأسمالياً يدعو إلى تنظيم السوق ومواجهة الاحتكارات، وليس اشتراكياً ديمقراطياً.

الكثرة في مواجهة المال

أصبح الإنفاق الخارجي أحد أبرز موضوعات الانتخابات. فقد أنفقت مجموعات مؤيدة لستيفنز أو معارضة لعبد السيد عشرات الملايين من الدولارات، وتفاوتت تقديرات وسائل الإعلام بشأن المبلغ الإجمالي بين أكثر من 40 مليوناً وأكثر من 60 مليون دولار.

وكانت جماعات مرتبطة بلجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية «أيباك» من أبرز الجهات التي أنفقت لدعم ستيفنز أو مهاجمة عبد السيد، على خلفية مواقفه المنتقدة لإسرائيل ودعوته إلى وقف المساعدات العسكرية الأميركية لها.

وقدم عبد السيد فوزه على أنه انتصار لحملة شعبية في مواجهة النفوذ المالي، قائلاً إن حملته واجهت «آلة» سياسية وإن قوة الناخبين تفوقت على قوة الأموال. لكن النتيجة شديدة التقارب تعني أن الإنفاق الخارجي لم يكن العامل الوحيد؛ إذ صوت نحو نصف المشاركين لمنافسته المعتدلة، ما يمنع اعتبار النتيجة تفويضاً كاملاً للجناح التقدمي.

مواقفه من إسرائيل تفتح معركة جديدة

كان موقف السيد من إسرائيل والحرب في غزة من أكثر ملفات حملته إثارة للجدل. فقد دعا إلى وقف التمويل العسكري الأميركي لإسرائيل، وانتقد نفوذ لجنة الشؤون العامة الأميركية (أيباك) في الانتخابات، بينما اتهمه خصومه بتبني مواقف متشددة تجاه الدولة العبرية.

 السيد رفض اتهامات معاداة السامية، وشدد بعد فوزه على أن التزامه بأمن اليهود يماثل التزامه بأمن أفراد أسرته، مؤكداً في الوقت نفسه استمرار معارضته للنفوذ السياسي لـ«أيباك».

أما الرئيس دونالد ترامب، فاحتفى بفوز السيد باعتباره، من وجهة نظره، خبراً جيداً للجمهوريين، وهاجمه بأوصاف حادة واتهمه بكراهية اليهود وإسرائيل. ونفى السيد هذه الاتهامات، واتهم الرئيس ترامب بمحاولة تحويل النقاش بعيداً عن ارتفاع أسعار الغذاء والوقود والرعاية الصحية.

من جهته وصف جيه دي فانس نائب الرئيس الأميركي، الأربعاء، السيد بأنه «اشتراكي مترف»، محذراً من أن اليسار المتشدد يستخدم سياسات إعادة توزيع الثروة والهجرة ذات الحدود المفتوحة، بما يقوض مصالح عمال صناعة السيارات من الطبقة العاملة في ولاية ميشيغان.

وقال فانس، خلال ظهوره في برنامج «ذا إنغراهام أنغل»، إن انتصار مرشحين ديمقراطيين مدعومين من اليسار المتشدد يكشف، برأيه، عن حزب يركز على إعادة توزيع الثروة بدلاً من تعزيز الصناعة المحلية وتحقيق نمو اقتصادي قائم على الإنتاج.

وأضاف مخاطباً المذيعة لورا إنغراهام: «هم لا يعدونكم بصناعة، ولا بوظائف جيدة، ولا بالاكتفاء الذاتي ضمن اقتصاد صناعي قوي. ما يعدونكم به هو إعادة التوزيع».

ومن المرجح أن يجعل الجمهوريون مواقف السيد من إسرائيل، إلى جانب علاقاته ببعض الشخصيات والمنظمات الإسلامية المثيرة للجدل، محوراً أساسياً في حملتهم ضده.

وقد نشرت وسائل إعلام محافظة تقارير عن تبرعات تلقاها من أشخاص يعملون أو سبق أن عملوا في مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية «كير». غير أن هذه الادعاءات تحتاج إلى التفريق بين التبرعات الفردية والمسؤولية المؤسسية؛ فالمنظمة تنفي وجود صلات لها بالإرهاب وتقول إنها أدانت معاداة السامية والهجمات على المدنيين، بينما يستشهد منتقدوها باتهامات وارتباطات قانونية سابقة لم تؤدِ إلى توجيه تهمة جنائية إلى المنظمة نفسها.

 

 

هل يصبح أول سيناتور مسلم؟

إذا تغلب السيد على مايك روجرز في نوفمبر/تشرين الثاني، فسيصبح أول مسلم يُنتخب عضواً في مجلس الشيوخ الأميركي. لكنه لا يجعل هويته الدينية المحور الوحيد لحملته، بل يقدم نفسه بوصفه مرشحاً اقتصادياً يركز على تكاليف السكن والغذاء والطاقة والعلاج.

وقد حقق نتائج قوية في ديربورن، التي تضم واحدة من أكبر التجمعات العربية الأميركية، لكنه لم يعتمد على أصوات العرب والمسلمين وحدهم. وأظهرت النتائج تقدمه في مناطق تضم أعداداً أكبر من الناخبين الشباب، وفي مقاطعات مثل كِنت وواشتيناو، بينما تفوقت ستيفنز في ضواحي ديترويت الثرية وفي عدد من المناطق العمالية.

ويشير هذا التوزيع إلى أن ائتلافه الانتخابي جمع بين الناخبين العرب والمسلمين والشباب والتقدميين وبعض الناخبين المتضررين من ارتفاع تكاليف المعيشة، لكنه سيحتاج في الانتخابات العامة إلى توسيعه ليشمل المعتدلين والمستقلين وجزءاً من الطبقة العاملة التي دعمت ترامب.

اختبار لاتجاه الحزب الديمقراطي

تضع النتيجة الحزب الديمقراطي أمام سؤال يتكرر منذ سنوات: هل يستطيع المرشحون التقدميون الفوز في الولايات المتأرجحة، أم أن سياساتهم تنجح بصورة أساسية في المدن والمقاطعات ذات الأغلبية الديمقراطية؟

يرى مؤيدو السيد أن انتصاره يثبت قدرة الخطاب الاقتصادي التقدمي على حشد الشباب والناخبين الذين يشعرون بأن المؤسسة السياسية لا تمثلهم. أما المتشككون فيحذرون من أن المواقف اليسارية بشأن الرعاية الصحية والهجرة وإسرائيل قد تمنح الجمهوريين فرصة لتقديمه بوصفه مرشحاً متطرفاً لا يعكس المزاج الوسطي في ميشيغان.

كما أن فوزه الضئيل، رغم تقدمه الكبير في بعض استطلاعات الرأي قبل التصويت، يمثل تحذيراً من المبالغة في تفسير النتيجة على أنها انقلاب شامل داخل الحزب. فقد حصلت ستيفنز على تأييد يقارب نصف الناخبين الديمقراطيين، ما يجعل توحيد الحزب المهمة الأولى أمام السيد.

وبعد إعلان النتيجة، اتصلت ستيفنز بمنافسها للإقرار بالهزيمة وتعهدت بدعمه في مواجهة روجرز. ورد السيد بخطاب أكثر تصالحاً، مؤكداً أن الوقت حان «لإصلاح العلاقات» وأن ما يجمع الديمقراطيين أكبر مما يفرقهم.

المعركة الأصعب تبدأ الآن

أثبت عبد الرحمن السيد قدرته على هزيمة مرشحة المؤسسة الحزبية وتجاوز حملة إعلانية ضخمة، لكنه لم يثبت بعد أن برنامجه قادر على الفوز بأغلبية الناخبين في ولاية متأرجحة.

وسيواجه حملة جمهورية قوية؛ إذ حجزت الجهات الانتخابية التابعة للحزب الجمهوري عشرات الملايين من الدولارات للإعلانات في ميشيغان، فيما أعلنت «أيباك» أنها ستواصل معارضته بسبب أجندته تجاه إسرائيل.

ولهذا سيكون سباق نوفمبر أكثر من منافسة على مقعد واحد. فهو اختبار لمستقبل الجناح التقدمي، ولمدى قدرة مرشح مسلم من أصول عربية على تجاوز الاستقطاب المتعلق بالهوية والشرق الأوسط، ولإمكانية تحويل مطالب الرعاية الصحية وخفض تكاليف المعيشة إلى ائتلاف انتخابي واسع.

نجح عبد الرحمن السيد في تقديم الانتخابات التمهيدية بوصفها مواجهة بين «الكثرة والمال». أما الانتخابات العامة، فستحدد ما إذا كان هذا الشعار قادراً على استقطاب ولاية كاملة، لا الناخبين الديمقراطيين وحدهم.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.