أوج24•الدوحةمباشر
◆ عاجل
00:00:00
سياحة وسفر

زقورة عقرقوف.. مدينة الملوك الكاشيين تستعيد حضورها

زقورة عقرقوف.. مدينة الملوك الكاشيين تستعيد حضورها
خصوصية عقرقوف تكمن في ارتباطها المباشر بالعصر الكاشي، وهو فصل مهم وأقل فهماً من تاريخ بلاد الرافدين ( أوج 24)

عادت الأضواء مجددا إلى زقورة عقرقوف الواقعة على بُعد نحو 30 كيلومتراً غرب بغداد (يطلق عليها محليا عگرگرف) مع افتتاح القطاع الأول من متنزهها الأثري، ضمن مشروع عراقي–إيطالي يجمع بين المسح والتنقيب والصيانة والتأهيل، ويتيح للزوار الاقتراب من مدينة ظلّ معلمها الشاخص أشهر من حكايتها.

وترتفع الزقورة فوق السهل المحيط بها. كتلة طينية ضخمة تستوقف النظر، وتفتح سؤالاً عن المدينة التي أحاطت بها يوماً: أين كانت قصورها ومعابدها؟ وكيف عاش الناس في المكان قبل أن تتحول مبانيه إلى بقايا تحمل أسرارها في الأرض؟

ما بقي من زقورة عقرقوف يتيح تأمل الصلة بين عمارة ضخمة ومواد مأخوذة من البيئة المحيطة ( أوج 24)
ما بقي من زقورة عقرقوف يتيح تأمل الصلة بين عمارة ضخمة ومواد مأخوذة من البيئة المحيطة ( أوج 24)

هنا كانت «دور كوريغالزو»، المدينة الملكية التي بناها الملك الكاشي كوريغالزو الأول خلال فترة حكم السلالة الكاشية لبابل ( من حوالي 1595 إلى 1155 ق.م)، وسبقت تأسيس بغداد بأكثر من ألفي عام. وبين الزقورة وما يحيط بها من آثار، تتكشف ملامح فصل كاشي من تاريخ بلاد الرافدين، أقل حضوراً في الذاكرة العامة من بابل وآشور.

وشهد الموقع، اليوم الثلاثاء، تدشين المرحلة الأولى من المتنزه الأثري بحضور السفير الإيطالي لدى العراق نيكولو فونتانا. وأشار السفير إلى استمرار العمل خلال السنوات المقبلة، مؤكداً أن تطوير المعالم الحضارية العراقية يمكن أن يحولها إلى نقاط جذب للسياح.

الموقع، اليوم الثلاثاء، تدشين المرحلة الأولى من المتنزه الأثري بحضور السفير الإيطالي لدى العراق
الموقع شهد ، اليوم الثلاثاء، تدشين المرحلة الأولى من المتنزه الأثري بحضور السفير الإيطالي لدى العراق ( أوج 24)

ما وراء الكتلة الشاخصة

تبدو الزقورة من بعيد كأنها تختصر المكان كله، لكن الاقتراب من تاريخ عقرقوف يغيّر هذه الصورة. فالموقع يضم بقايا معابد وقصر ملكي ومبانٍ أخرى، كانت أجزاء من مدينة لها وظائفها السياسية والدينية وحياتها اليومية.

أسس الملك كوريغالزو الأول المدينة في القرن الرابع عشر قبل الميلاد، واتخذت مكانتها في عهد السلالة الكاشية. وتكشف آثارها عن تخطيط عمراني جمع السلطة والعبادة والسكن في مساحة واسعة، بقي جانب منها بحاجة إلى مزيد من البحث والتنقيب، بحسب تقرير لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (اليونيسكو).

بالنسبة إلى الزائر، تمنح هذه الخلفية البقايا المتناثرة معنى مختلفاً. فما يبدو للوهلة الأولى خطوطاً من الطوب وأجزاء من جدران، كان غرفاً وممرات وساحات تتحرك فيها حياة كاملة. أما الزقورة، فكانت جزءاً من هذا المشهد، وإن بقيت اليوم أكثر عناصره وضوحاً.

طين قاوم القرون

تشدّ عقرقوف الانتباه بمادتها بقدر ما تشدّه بحجمها. فاللبن، أي الطوب الطيني المجفف، شكّل قلب الزقورة، فيما استُخدم الآجر المفخور في كسوة أجزاء منها.

وتوثق الدراسات قاعدة مربعة يبلغ طول ضلعها نحو 80 متراً، وبقايا حصر وحبال من الألياف النباتية داخل البناء، استُخدمت للمساعدة في توزيع الأحمال وربط كتلته المعمارية، بحسب مركز تورينو للبحوث الأثرية والتنقيبات. 

تمنح هذه التفاصيل النظر إلى الزقورة بُعداً آخر؛ إذ يصبح البناء شاهداً على معرفة قديمة بخصائص الطين وطرق تقويته. وما بقي منه يتيح تأمل الصلة بين عمارة ضخمة ومواد مأخوذة من البيئة المحيطة.
والزقورة بناء ديني مدرّج ارتبط بالمعبد، وليست قبراً ملكياً. وقد ساعدت أعمال التوثيق الهندسي على اقتراح تصور لمصاطبها الأصلية وشكلها قبل أن تفقد أجزاءها العليا.

مدينة تستعيد حكايتها

بدأت التنقيبات المنهجية في عقرقوف خلال أربعينيات القرن الماضي بقيادة عالم الآثار العراقي طه باقر، ثم تواصلت أعمال البحث والصيانة على فترات. ويشير الملف العراقي المنشور لدى مركز التراث العالمي إلى عمل بعثة عراقية–إيطالية في الموقع منذ خريف 2024. 

أما التعاون الإيطالي في دراسة الزقورة، فتعود إحدى محطاته إلى عام 1968، حين أُنجز توثيق تصويري هندسي لجوانبها الأربعة، أتاح فهماً أدق لبنيتها وتكوينها.

واليوم، يضيف مشروع المتنزه مهمة تتصل بالزائر: تقريب نتائج هذا البحث إليه، ومساعدته على قراءة المكان. فقيمة الجولة تتسع حين يعرف المرء وظيفة البناء الذي يقف أمامه، ويميز بين أجزائه القديمة وأعمال صيانته، ويفهم ما كشفه التنقيب وما لا يزال مجهولاً.

رحلة قريبة إلى زمن بعيد

يمنح قرب عقرقوف من بغداد الموقع فرصة خاصة؛ فالوصول إلى أثر كاشي لا يتطلب الابتعاد كثيراً عن العاصمة. ويمكن أن تصبح زيارته جزءاً من رحلة ثقافية تعيد وصل سكان المدينة بتاريخ محيطهم، وتمنح الطلبة والعائلات فرصة لرؤية العمارة القديمة خارج صفحات الكتب.

لكن إتاحة المكان للزيارة تضع مسؤولية إضافية على القائمين عليه. فالطوب الذي حفظ هيئة الزقورة طوال قرون يحتاج إلى صيانة مستمرة، وتنظيم حركة الزوار، وحماية البقايا من العبث والضغط المباشر.

ويواجه الموقع تحديات تتعلق بالتعرية والتوسع العمراني وتغير المناخ. وقد أُدرج في القائمة التمهيدية للعراق لدى اليونسكو في يناير/كانون الثاني 2025، وهي خطوة تسبق الترشيح المحتمل لقائمة التراث العالمي.

تشترك زقورة عقرقوف مع زقورات أور وأريدو ونيبور وبورسيبا وتشغا زنبيل في تقاليد البناء المدرّج واستخدام اللبن والارتباط بالعبادة.

لكن خصوصيتها تكمن في ارتباطها المباشر بالعصر الكاشي، وهو فصل مهم وأقل فهماً من تاريخ بلاد الرافدين، فضلاً عن قربها من بغداد، بما يتيح لجمهور العاصمة الوصول إلى أحد أبرز شواهد العمارة العراقية القديمة.

ويقدمها الملف العراقي بوصفها حلقة أساسية لفهم الحضارة الكاشية وصلتها بالتاريخ الأوسع لبلاد الرافدين، وموقعاً يستحق مواصلة البحث والحماية.

عند عقرقوف، تبدأ الزيارة برفع الرأس نحو الزقورة، لكنها لا تنتهي عندها. حول البناء تمتد حكاية مدينة ما زالت الأرض تحتفظ بجزء منها. ومع افتتاح القطاع الأول من المتنزه، تتاح فرصة لأن تصبح الرحلة إلى هذا المكان بحثاً عن تلك الحكاية أيضاً.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟
مقالات ورأي

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟

الدكتور ليث شبر/ المؤسس ورئيس المبادرة الوطنية للإصلاح في العراق عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 18أكتوبر/ تشرين الأول خريطة للتحالفات الإقليمية كانت…

منذ 1 day أوج24

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.