أوج24•الدوحةمباشر
◆ عاجل
00:00:00
مقالات ورأي

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟
الكاتب يرى أن الخريطة التي عرضها نتنياهو تطرح سؤالاً خطيراً عن موقع العراق، لكنها لا تملك الإجابة النهائية عن مستقبله

الدكتور ليث شبر/ المؤسس ورئيس المبادرة الوطنية للإصلاح في العراق

عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 18أكتوبر/ تشرين الأول خريطة للتحالفات الإقليمية كانت مؤسسة فريدريش إيبرت الألمانية قد نشرتها في 19 مايو/ أيار 2026، وأعدها الباحثان مارك ساكسر وماركوس شنايدر. وهي ترسم اصطفافات محتملة حول تقارب إسرائيلي إماراتي، ومحور يضم تركيا والسعودية ومصر وباكستان، ومحور إيران وحلفائها. وقد استوقفتني هذه الخريطة كثيراً، ليس لألوانها وتوزيع القوى فيها فحسب، وإنما لما تكشفه من طرائق التفكير في مستقبل الشرق الأوسط، وكيف تقرأ مراكز البحث والتحليل موازين النفوذ ومواقع الدول والجماعات. والخريطة في أصلها نموذج تحليلي يعرض فرضيات سياسية قابلة للفحص والمراجعة، غير أن استخدامها من قبل نتنياهو ضمن عرضه لعقيدته الأمنية الجديدة يمنحها أهمية إضافية، ويدعونا إلى التساؤل عن موقع العراق في هذه التحولات، ومدى استعداد الطبقة السياسية العراقية لفهم ما يجري حولها.

يظهر العراق في الخريطة بتخطيط خاص تتداخل فيه الألوان، مع تسمية الحشد الشعبي والفصائل الشيعية ضمن شبكة النفوذ الإيراني. ومنهجياً، ينبغي أن نفرق بين ما تعرضه الخريطة فعلياً وما نستنتجه منها، فالتخطيط المتداخل لا يقدم وحده دليلاً على دخول العراق في مرحلة انتقالية محددة، ولا يثبت فقدانه استقلال قراره، لكنه يكشف إشكالية عميقة تستحق الدراسة، تتمثل في الفارق بين الصورة القانونية للدولة العراقية والصورة التي ترسمها عنها مراكز التحليل الخارجي.

فقد يصنف القانون العراقي مؤسسة أمنية باعتبارها جزءاً من القوات المسلحة، بينما يقرأها الآخرون ضمن شبكات النفوذ الإقليمي. وهنا تبرز خطورة أن تتراجع صورة الدولة العراقية الموحدة في التحليلات الدولية، وتبرز بدلاً منها قوى وتشكيلات وعلاقات تتجاوز حدود القرار الوطني، وهي ظاهرة يمكن أن تقود إلى ما أسميه الانتقال الجيوسياسي القسري، حيث تتراجع قدرة الدولة على تحديد موقعها، ويتسع تأثير القوى الأخرى في رسم خياراتها.

وهنا أوجه حديثي مباشرة إلى القوى التي احتكرت القرار السياسي العراقي، وفي مقدمتها الإطار التنسيقي الذي يضم أبرز القوى السياسية الشيعية وحلفاؤه، وأقول لهم إن مسؤولية إدارة الدولة أكبر بكثير من تشكيل الحكومات وتوزيع الوزارات والمناصب والموارد؛ فأنتم أمام تحولات إقليمية ودولية قد تعيد تشكيل المنطقة بأكملها، بينما ما زالت أغلب المناقشات السياسية العراقية تدور حول التوازنات الداخلية والمكاسب الآنية.

وأخشى أن يكون بعض من يتسنم مواقع القرار منشغلاً بمعرفة من سيحصل على هذه الوزارة أو تلك، فيما تعمل مراكز التفكير والاستشراف في العالم على دراسة شكل المنطقة خلال العقدين المقبلين. ومن حق العراقيين أن يسألوا قياداتهم: أين مشروع العراق الاستراتيجي؟ ومن يدرس مستقبل موقعه الإقليمي؟ ومن يضع السيناريوهات والبدائل؟ ومن يتحمل مسؤولية أن يتحول العراق إلى مساحة تتنافس القوى الأخرى على تحديد اتجاهها؟ إن امتلاك السلطة لا يمنح صاحبه بالضرورة القدرة على صناعة القرار الاستراتيجي، وهذه واحدة من أخطر المشكلات التي تواجه تجربتنا السياسية.

ومن هنا أرى أهمية إدخال منهج علمي أكثر صرامة في صناعة القرار السياسي، ويمكن أن نستفيد في ذلك من منهج ” إم آر سي- 113″ MRC-113 الذي نعمل على دراسته وتطوير تطبيقاته، والقائم في هذا السياق على التمييز بين المعلومات المثبتة والفرضيات والأسئلة المفتوحة، وتحديد الأدلة اللازمة للتحقق من الاستنتاجات ومراجعتها.

فما الذي نعرفه فعلاً عن موقع العراق في موازين القوى؟ وما الذي ما زلنا نجهله؟ وما المؤشرات التي تسمح لنا بتحديد درجة استقلال القرار الأمني والاقتصادي والسياسي؟ وكيف نقيس تأثير العلاقات الخارجية وتداخل المصالح واتجاهات التجارة والطاقة والسيطرة المؤسسية على السلاح؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تحتاج إلى منظومة معرفية متكاملة، تتعامل مع كل تقدير باعتباره قابلاً للمراجعة والتحديث، وتمنح صانع القرار القدرة على التمييز بين المخاطر الحقيقية والتهويل السياسي، وبين الفرص الممكنة والتصورات التي تفتقر إلى الأدلة.

والأهم من ذلك أن نسأل أنفسنا عن طبيعة التحول الذي يشهده العالم، فالصراع الإقليمي لم يعد محصوراً بالأرض والسلاح والحدود، وقد دخلت فيه عناصر جديدة تتعلق بالطاقة والممرات التجارية وسلاسل التوريد والصناعة والتقنيات المتقدمة والقدرة على امتلاك المعلومات وتحليلها وتحويلها إلى قرارات سريعة ودقيقة. وإذا كانت بعض القوى الإقليمية تعمل على تطوير قدراتها في الذكاء والحوسبة المتقدمة والاستشراف الاستراتيجي، فإن العراق يحتاج إلى مراجعة جذرية لأدواته التقليدية في التفكير والإدارة. وقد دعوت مراراً إلى الانتقال نحو الدولة المدنية الذكية السيادية النابضة، التي تمتلك القدرة على التعلم المستمر والتطور والترقية والتحديث، وتستطيع مراجعة قراراتها وتصحيح مساراتها وفق المعرفة والنتائج. وهذه هي القيمة الحقيقية للذكاء السيادي الذي نعمل على تطوير مفهومه، فهو يمنح الدولة عقلاً مؤسسياً متجدداً، ويجعل قدرتها على صناعة القرار جزءاً أساسياً من سيادتها الوطنية.

وأعتقد أن السؤال الاستراتيجي الذي ينبغي أن يشغل العراق اليوم يتجاوز البحث عن المحور الذي يستطيع الانضمام إليه، إلى البحث عن الكيفية التي يستطيع من خلالها بناء موقع مستقل ومتوازن، يجعل التعاون مع إيران وتركيا والسعودية ودول الخليج والولايات المتحدة والصين وأوروبا وسائر القوى قائماً على المصالح المتبادلة واحترام السيادة.

فالتحالفات تتغير، والمصالح تتقاطع، وقد تتعاون دول متنافسة في ملف وتتعارض في آخر؛ ولذلك فإن التعامل مع هذه الخريطة ينبغي أن يكون من منطلق الفحص والتحليل والاستشراف. والعراق بما يمتلكه من موقع جغرافي وثروات نفطية وغازية وموارد بشرية وعقول علمية يستطيع أن يتحول إلى مركز إقليمي للطاقة والتجارة والصناعة والربط بين الخليج وتركيا وآسيا وأوروبا، وأن يبني لنفسه وزناً استراتيجياً مستقلاً، شريطة أن يمتلك مؤسسات قادرة على تحويل هذه الإمكانات إلى سياسات وبرامج ونتائج.

وفي المبادرة الوطنية للإصلاح نعمل على تقديم نموذج مختلف من خلال حكومة الظل الوطنية المنتجة، التي تقوم على العمل التطوعي الكامل، وتستهدف بناء منظومات معرفية وإنتاجية تساند الدولة وتراقب أداءها وتقترح البدائل وتتابع نتائج القرارات. وأرى أن من أولوياتها إنشاء فريق وطني للاستشراف والتحليل الاستراتيجي، يضم اختصاصات السياسة والاقتصاد والطاقة والأمن والتقنية والذكاء السيادي، ويتولى دراسة التحولات الإقليمية والدولية وفق مصادر موثقة وفرضيات واضحة وسيناريوهات قابلة للمراجعة. وأؤكد استعدادنا لتقديم خبراتنا وإجراء حوارات وورش علمية مع القيادات السياسية ومراكز القرار، فالمسؤولية الوطنية تقتضي أن نضع المعرفة في خدمة العراق، وأن نسهم في رفع قدرة مؤسساته على فهم المستقبل والاستعداد له.

وأعود في الختام إلى أصحاب القرار السياسي، وأقول لهم إن الخريطة التي عرضها نتنياهو تطرح سؤالاً خطيراً عن موقع العراق، لكنها لا تملك الإجابة النهائية عن مستقبله، فهذه الإجابة يصنعها العراقيون بقدرتهم على توحيد القرار الوطني وبناء مؤسسات كفوءة واقتصاد منتج وعقل سيادي ذكي قادر على استيعاب التحولات والتأثير فيها. وأتمنى أن ندرك جميعاً أن أخطر ما يمكن أن يصيب الدولة هو أن تنشغل قواها السياسية بالسيطرة على حاضرها، بينما ينشغل الآخرون بالتخطيط لمستقبلها. فالعراق الذي رسم خرائط الحضارة الإنسانية وأسهم في صناعة المعرفة عبر آلاف السنين يمتلك القدرة على أن يستعيد مكانته، وأن يتحول من دولة يحاول الآخرون تصنيفها وفق مصالحهم إلى دولة تشارك في صناعة القرار الإقليمي وتغيير قواعده. ولذلك أقول لمن يحتكرون القرار السياسي اليوم: إن مسؤوليتكم التاريخية تتجاوز الاحتفاظ بالسلطة، إلى ضمان ألا يفقد العراق قدرته على صناعة مستقبله، فالتاريخ سيحاسبكم على ما بنيتموه للأجيال القادمة، بقدر ما سيحاسبكم على ما اتخذتموه من قرارات في حاضر البلاد.

*  المقال يعبر عن وجهة نظر كاتبه، ولا يعكس بالضرورة السياسة التحريرية لأوج24.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟
مقالات ورأي

العراق في خرائط الآخرين.. من يرسم مستقبله؟

الدكتور ليث شبر/ المؤسس ورئيس المبادرة الوطنية للإصلاح في العراق عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 18أكتوبر/ تشرين الأول خريطة للتحالفات الإقليمية كانت…

منذ 1 day أوج24

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.