كيف تتحول أفكار الإصلاح في العراق إلى تغيير يلمسه المواطن؟ وما الذي يستطيع مشروع جديد أن يقدمه بعدما تعاقبت الحكومات وبقيت أزمات الدولة؟ سؤالان يفتحان حوارنا مع الدكتور ليث شبر، مؤسس ورئيس المبادرة الوطنية للإصلاح، مع اقتراب الذكرى السنوية الأولى لإطلاقها في 22 ديسمبر/ كانون الأول المقبل.
يجمع شبر، الحاصل على الدكتوراه في الفلسفة بتخصص فلسفة المعنى واللغة، بين الاشتغال الفكري والخبرة في مؤسسات الحكم بعد عام 2003. فقد عمل مستشاراً في رئاستَي الوزراء والجمهورية، وتولى مسؤولية لجنة الحوار والتوعية الدستورية عام 2005، وشارك في ملفات دستورية وسياسية وأمنية أتاحت له الاقتراب من آليات صناعة القرار وتعقيدات إدارة الدولة.
ومن هذه التجربة، تبلورت رؤيته لما يسميه «الدولة الذكية السيادية»، إلى جانب طروحاته بشأن النظام الرئاسي الديمقراطي وبناء اقتصاد منتج وتجاوز المحاصصة. وفي أواخر عام 2025، أطلق المبادرة إطاراً لجمع الكفاءات وتحويل هذه التصورات إلى مشروعات وسياسات قابلة للتطبيق.
في هذا الحوار، نسأله عن الفكرة التي قادته إلى تأسيس المبادرة، وحجم التفاعل معها، وما أنجزته وما تعثر في مسيرتها، وما الذي يمكن للجمهور أن ينتظره ويحاسب المبادرة عليه في عامها الثاني؟، وغيرها من اسئلة:-
وفي ما يلي نص الحوار:
أوج 24: ما الذي دفعكم إلى إطلاق المبادرة الوطنية للإصلاح؟
د. ليث شبر: جاءت المبادرة تتويجاً لأكثر من ربع قرن من تجربتي الفكرية والسياسية والعمل داخل مؤسسات الدولة وخارجها؛ فقد أدركت أن العراق يمتلك ثروات وعقولاً استثنائية، لكنه يعاني خللاً عميقاً في إدارة موارده وصناعة قراراته. وأطلقنا المبادرة في 22 كانون الأول 2025 لتحويل أفكار الإصلاح إلى مشروعات مؤسسية منتجة، وصولاً إلى بناء الدولة المدنية الذكية السيادية النابضة التي تمتلك القدرة على التعلم والتطور والتحديث المستمر.
أوج 24: أمضيتم سنوات داخل مؤسسات الدولة وقريباً من صناعة القرار. ما الذي تعلمتموه من تلك التجربة؟
د. ليث شبر: تعلمت أن أخطر مشكلات الدولة تنشأ من آليات اختيار القيادات وصناعة القرار وتداخل السياسة بالإدارة؛ فقد شاهدت كيف تضيع فرص كبيرة بسبب المصالح والبيروقراطية وضعف المعرفة المؤسسية. وتوصلت إلى أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بتحديث عقل الدولة، وبناء مؤسسات تتعلم من أخطائها وتطور أداءها، وتستمر في الإنتاج مهما تغيرت الحكومات والأشخاص.
أوج 24: شهد العراق مبادرات كثيرة رفعت شعار الإصلاح. لماذا يثق العراقي بأن مبادرتكم تستطيع تقديم شيء مختلف؟
د. ليث شبر: لا أطالب العراقي بالثقة المجانية، وإنما أدعوه إلى تقييم إنتاجنا؛ لقد انتقلنا من طرح الأفكار إلى إصدار الرسائل الأسبوعية للحكومة، ثم تأسيس مشروع حكومة الظل الوطنية المنتجة، بهيكلية تضم خمسين وزارة تخصصية ضمن عشر حكومات مصغرة، يعمل أعضاؤها تطوعياً بالكامل. وما يميزنا هو اعتماد المعرفة والإنتاج وقياس الأثر والتحديث المستمر، حتى إن هيكلية المبادرة نفسها قابلة للطور والترقية وفق تقدم العلوم والتقنيات.
أوج 24: لو سألكم مواطن يعاني ضعف الخدمات أو شاب يبحث عن عمل: ماذا ستغير مبادرتكم في حياتي؟
د. ليث شبر: سأقول له إن هدفنا أن تحصل على خدمات جيدة، وفرصة عمل منتجة، ودخل يحفظ كرامتك، وأن تتحول الدولة إلى مؤسسة تخدمك وتستبق مشكلاتك. نحن نعمل على مشروعات لتطوير الصناعة والزراعة والطاقة والمياه والاقتصاد الرقمي، واستثمار العقول والمواهب العراقية. واليوم، ننتج الحلول ونقدمها للجهات المختصة، ونتطلع إلى تحويلها إلى مشروعات ملموسة بالشراكة مع الدولة والمستثمرين.
أوج 24: مع اقتراب نهاية العام الأول، ما أبرز نتيجة ملموسة حققتها المبادرة؟ وما الهدف الذي لم تتمكنوا من تحقيقه؟
د. ليث شبر: أنجزنا بناء إطار فكري ومؤسسي متطور، وأصدرنا ثماني رسائل أسبوعية للحكومة، وطرحنا مشروعات في الاقتصاد والخدمات والإدارة، وأعلنا حكومة الظل الوطنية المنتجة ومنظومتها لقياس الإنتاج واستباق الأزمات والتحديث الذكي. أما التحدي الذي ما زلنا نعمل عليه فهو تحويل هذه المشروعات إلى إنجازات تنفيذية واسعة ذات أثر موثق على حياة المواطنين. وقد حددنا هدفاً تخطيطياً لمحفظة مشروعات وفرص اقتصادية تبلغ خمسة تريليونات دينار سنوياً، وندرك أن تحقيقه يتطلب عملاً وشراكات ونتائج قابلة للتحقق.

أوج 24: كيف تقيسون التفاعل مع المبادرة؟ وهل يمكن تقديم أرقام عن المشاركين وفرق العمل والمشروعات المنجزة؟
د. ليث شبر: نقيس النجاح بحجم المشاركة الفاعلة ونوعية الإنتاج وأثره. وقد اعتمدنا في حكومة الظل معايير أولية تمنح 40% للأثر الفعلي، و30% لاستباق الأزمات، و30% للتحول الذكي، مع هدف تخطيطي لإنتاج 150 مشروعاً ودراسة سنوياً عند اكتمال تشكيل الوزارات الخمسين. أما أعداد المشاركين والإنجازات الفعلية فسنعلنها بعد تدقيقها، لأننا نرفض تضخيم الأرقام أو احتساب المشروعات المقترحة إنجازات متحققة.
أوج 24: هل بقي حضور المبادرة في الأوساط الأكاديمية، أم وصل إلى الشباب والمحافظات والفئات الأخرى؟
د. ليث شبر: بدأنا باستقطاب الخبرات الأكاديمية والسياسية والمهنية، ونعمل على توسيع المشاركة لتشمل الشباب والنساء والمحافظات والعراقيين في الخارج. ونؤمن بأن العقل العراقي هو ثروتنا المتجددة، وأن قيمة الإنسان تقاس بكفاءته وإنتاجه وابتكاره، وليس بشهادته أو منصبه وحدهما. ونسعى إلى بناء شبكة وطنية تستطيع اكتشاف المواهب وتحويل أفكارها إلى مشروعات منتجة.
أوج 24: تطرحون مفهوم الدولة الذكية. كيف سيشعر المواطن بالفرق بينها وبين الدولة التي يعرفها اليوم؟
د. ليث شبر: الدولة الذكية في تصورنا تتجاوز الحكومة الإلكترونية ورقمنة المعاملات؛ إنها دولة تمتلك القدرة على التعلم والتحليل والتنبؤ والتصحيح والتطور المستمر. والمواطن سيشعر بنتائجها في سرعة الخدمات وجودتها، وتحسين الاقتصاد، واستباق الأزمات، وتقليل الهدر والفساد. وأهم خاصية فيها هي قدرتها على تحديث نفسها وترقية مؤسساتها وأدواتها باستمرار، مع الاستفادة من تطورات الذكاء الخارق SI، وبناء منظومة وطنية للذكاء السيادي.
أوج 24: تدعون إلى الفصل بين النظام السياسي والإدارة المهنية للدولة. كيف يمكن حماية الموظف من التدخل الحزبي مع استمرار المساءلة؟
د. ليث شبر: يتم ذلك من خلال فصل المسؤولية السياسية عن الإدارة المهنية، وتحرير الوظائف والمناصب الإدارية من المحاصصة والتدخلات الحزبية. ولدينا تصور لتطوير اختيار القيادات قبل قيام الدولة الذكية يعتمد على الكفاءة والجدارة والإنتاج، ثم الانتقال إلى منظومات معرفية أكثر تقدماً بعد قيامها، تستخدم البيانات وتحليل الأداء لدعم الاختيار والتقييم. وتظل الرقابة الديمقراطية والقانونية والمساءلة وحماية حقوق الموظفين ضمانات أساسية في المرحلتين.
أوج 24: تتبنون تصوراً لنظام رئاسي ديمقراطي. ما المشكلة التي سيحلها؟ وما ضمانات منع تركّز السلطة؟
د. ليث شبر: أدعو منذ سنوات إلى النظام الرئاسي الديمقراطي لمعالجة تشتت المسؤولية التنفيذية وتعدد مراكز القرار. يقوم تصورنا على انتخاب رئيس السلطة التنفيذية مباشرة من الشعب، وفق برنامج ومدة دستورية محددة، مع فصل صارم بين السلطات، واستقلال القضاء، ورقابة البرلمان، وتحديد الولايات، وضمان التداول السلمي للسلطة. وندعو أيضاً إلى انتخاب المحافظين مباشرة. ويبقى تحديث مؤسسات الدولة وآليات اختيار القيادات جزءاً أساسياً من نجاح هذا النظام.
أوج 24: إنهاء المحاصصة مطلب يتكرر منذ سنوات، لكنها ما زالت قائمة كما ظهر في تشكيل حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي. أين تبدأ الخطوة العملية لتغيير هذا الواقع؟
د. ليث شبر: أرفض المكوناتية السياسية من أساسها، وأرفض توزيع السلطة والمناصب على أسس دينية أو مذهبية أو قومية؛ فالدولة تقوم على المواطنة المتساوية، والقيادة مسؤولية تستحقها الكفاءة والمعرفة والإنتاج. ونمتلك تصوراً متكاملاً لاختيار القيادات يبدأ بإجراءات مؤسسية شفافة في المرحلة الحالية، ويتطور لاحقاً باستخدام منظومات الذكاء السيادي. وأرى أن البداية العملية تكون بتحرير المناصب المهنية من النفوذ الحزبي، واعتماد معايير معلنة للاختيار والمحاسبة، وإصلاح النظام السياسي بما يضمن وضوح المسؤولية التنفيذية وفاعلية المعارضة والرقابة.
وأختم بتحذير أراه بالغ الأهمية؛ فالعالم يتغير بسرعة الضوء، والتسارع الهائل في تطور منظومات الذكاء الاصطناعي وأدواته – كما يؤكد أهل الاختصاص – ينذر بتحولات جذرية ستظهر آثارها خلال سنوات قليلة في الاقتصاد، والصناعة، والتعليم، والإدارة، والأمن، بل وفي طبيعة المجتمعات وموازين القوة العالمية.
ويؤسفني أن المنظومة السياسية العراقية الحالية، كما أراها، لم تدرك بعد حجم هذا التحول التاريخي وما يحمله من فرص ومخاطر، وما زالت تستنزف طاقاتها في الصراعات التقليدية وتقاسم المناصب، فيما يتقدم العالم نحو عصر جديد تتغير فيه معايير القوة والثروة والسيادة.
ومن هنا تأتي أهمية مشروعنا لبناء الدولة المدنية الذكية السيادية النابضة التي تمتلك القدرة على التطور والتحديث المستمر، وتستثمر العقل العراقي في صناعة المستقبل. وأشد ما أخشاه على العراق أن يفوته المستقبل وهو ما زال منشغلاً بصراعات الماضي.