بعد نحو 100 يوم على توليه رئاسة الحكومة العراقية، بدأت تتشكل صورتان متوازيتان لأداء علي الزيدي: الأولى متفائلة، ترى أنه يحاول إعادة بناء سلطة الدولة عبر مكافحة الفساد وحصر السلاح وجذب الاستثمار؛ والثانية أكثر حذراً، وتقول إن حجم الملفات المفتوحة أكبر من أن يُحسم خلال أشهر قليلة، وإن الاختبار الحقيقي سيكون في قدرة الحكومة على تحويل الاعتقالات والقرارات السياسية إلى نتائج مستدامة يشعر بها العراقيون.
هذا هو أبرز ما يظهر عند قراءة مقال رأي نشرته واشنطن تايمز وتقرير استقصائي لمنظمة مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد (OCCRP).
من إدارة الأزمات إلى إدارة المستقبل
ينطلق الكاتب تيم قسطنطين في مقاله المنشور في «واشنطن تايمز» من أن تشكيل الحكومة جاء بعد نحو ستة أشهر من الجمود السياسي عقب انتخابات 2025، ما جعل أول 100 يوم محاطة بتوقعات مرتفعة.
وبرأي الكاتب، ركز الزيدي منذ البداية على ثلاثة ملفات مترابطة: العلاقات الخارجية والاستثمار، مكافحة الفساد، وحصر السلاح بيد الدولة.
في السياسة الخارجية، يلفت المقال إلى أن واشنطن كانت أول وجهة خارجية للزيدي، حيث حاول تقديم العراق باعتباره شريكاً اقتصادياً واستثمارياً، وليس مجرد دولة تطلب دعماً أمنياً. وركزت الزيارة على الطاقة والبنية التحتية والاستثمار وبناء مصالح متبادلة مع الولايات المتحدة.
ويرى الكاتب أن هذا التحول مهم لأنه قد يساعد العراق على الانتقال من صورة «بلد الأزمات» إلى بلد يمكن أن يجذب رؤوس الأموال، لكن نجاح ذلك يبقى مرتبطاً بتحسن البيئة الأمنية والمؤسساتية.
مكافحة الفساد.. الملف الأكثر وضوحاً حتى الآن
التقرير الذي نشرته منظمة مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد يقدم تفاصيل أكثر عن حملة الحكومة ضد الفساد.
الزيدي أعلن أنه «لا توجد خطوط حمراء في ملاحقة الفاسدين»، بعد صدور مذكرتي قبض وتفتيش بحق وزير العمل والشؤون الاجتماعية السابق أحمد الأسدي.
وبحسب وكالة الأنباء العراقية، تتعلق الاتهامات بـتضخم غير مبرر في الثروة وإحالة عقود بطريقة مخالفة للقانون لتحقيق منفعة شخصية ولآخرين.
وتكتسب القضية حساسية سياسية لأن الأسدي ينتمي إلى تحالف سياسي شيعي كان له دور في تشكيل حكومة الزيدي، كما ارتبط سابقاً بجماعات مسلحة مقربة من إيران.
كتلته السياسية أعلنت ثقتها ببراءته وبالقضاء، فيما أشار الأسدي سابقاً إلى وجوده خارج البلاد للعلاج.
مسؤولون كبار تحت التحقيق
تقول منظمة مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد إن حملة مكافحة الفساد لم تقتصر على حالة واحدة، بل شملت عشرات المسؤولين والنواب.
ومن أبرز الملفات عدنان الجميلي نائب وزير النفط السابق لشؤون التصفية عدنان الجميلي، إذ يقول التقرير إن السلطات استعادت أصولاً تجارية بقيمة نحو 47 مليون دولار مرتبطة به، ثم عثرت على أموال ومجوهرات ذهبية إضافية في عقارات مرتبطة بالقضية.
كما أفادت وسائل إعلام عراقية باعتقال الوزير السابق ومحافظ صلاح الدين السابق أحمد عبد الله عبد الجبوري، وهو ما أكده نائب عراقي لـمنظمة مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد، مشيراً إلى استمرار التحقيق معه ومع أحد أبنائه.
لكن هذه القضايا تظل، من الناحية القانونية، اتهامات وتحقيقات ما لم تصدر أحكام قضائية نهائية.
هل تكفي الاعتقالات لمكافحة الفساد؟
هنا يضيف تقرير منظمة مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد نقطة مهمة: النجاح لا يقاس فقط بعدد الاعتقالات.
رئيس لجنة النزاهة النيابية طه الدفاعي قال إن المطلوب هو تدقيق حسابات المسؤولين وأقاربهم وتتبع الأموال التي هُرّبت إلى خارج العراق واستعادتها.
وهذا يسلط الضوء على تحدٍ مزمن في العراق: قد يكون القبض على المسؤولين أسهل من تعقب الأموال واستعادتها أو تفكيك شبكات المحسوبية التي تمتد عبر مؤسسات الدولة والسياسة والاقتصاد.
السلاح بيد الدولة.. الاختبار الأصعب
يرى مقال «واشنطن تايمز» أن ملف السلاح قد يكون أصعب من مكافحة الفساد.
فالزيدي أعلن أن القوات العراقية قادرة على حماية البلاد، وأنه بعد 30 أيلول/ سبتمبر، مع انتهاء مهمة التحالف الدولي، لن يبقى مبرر لوجود تشكيلات مسلحة تعمل خارج سلطة الدولة.
لكن الكاتب يعترف بأن حصر السلاح ليس قراراً إدارياً يمكن تنفيذه بمجرد توقيع أمر حكومي، لأن الفصائل تمتلك نفوذاً سياسياً وعسكرياً تراكم عبر سنوات.
لذلك يصبح هذا الملف اختباراً مباشراً لقدرة الزيدي على تحويل شعار «الدولة صاحبة القرار الأمني الوحيد» إلى واقع.
ما الرابط بين الملفات الثلاثة؟
يرى مقال «واشنطن تايمز» أن الاستثمار، ومكافحة الفساد، وحصر السلاح ليست ملفات منفصلة.
فجذب الاستثمار يحتاج إلى الأمن، واستعادة الأموال تحتاج إلى قضاء ومؤسسات فعالة، والسياسة الخارجية المتوازنة تحتاج إلى دولة تمتلك قرارها السيادي.
ومن هذه الزاوية، يعتبر الكاتب أن حكومة الزيدي تحاول تغيير قواعد إدارة الدولة بدلاً من الاكتفاء بإطفاء الأزمات اليومية.
لكن هل يمكن الحديث عن نجاح بعد 100 يوم؟
القراءة المتوازنة تشير إلى أن الحكم النهائي ما زال مبكراً.
هناك مؤشرات واضحة على تحرك الحكومة في ملفات كانت شديدة الحساسية، ولا سيما التحقيق مع شخصيات نافذة وفتح ملف السلاح، لكن النتائج النهائية لم تظهر بعد.
فالاعتقالات تحتاج إلى محاكمات وأحكام واستعادة أموال، والاستثمارات تحتاج إلى مشروعات فعلية، وحصر السلاح يحتاج إلى تنفيذ عملي وليس تعهدات سياسية.
وبالتالي، فإن أول 100 يوم لا تقدم جواباً نهائياً عن نجاح حكومة الزيدي بقدر ما تحدد الاتجاه الذي اختارت السير فيه.
السؤال الأهم الآن ليس فقط ماذا فعل الزيدي خلال 100 يوم، بل ما إذا كان يستطيع تحويل البداية القوية التي يصفها مؤيدوه إلى تغييرات مؤسساتية طويلة الأمد يشعر بها المواطن العراقي فعلاً.
المصادر/ واشنطن تايمز – منظمة مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد








