في بغداد، لم يعد 30 سبتمبر/أيلول مجرد موعد لانسحاب قوات التحالف الدولي، بل تحول إلى اختبار مزدوج للدولة العراقية: هل تستطيع إدارة أمنها بعد انتهاء المهمة العسكرية الأجنبية؟ وهل يؤدي خروج القوات الأميركية إلى إنهاء المبرر الذي تستند إليه الفصائل للاحتفاظ بسلاحها، أم يفتح الباب أمام إعادة ترتيب هذا السلاح داخل مؤسسات رسمية بصورة أكثر تعقيداً؟
الحكومة تتحدث عن «تحول تاريخي» وسيادة مكتملة، بينما يحذر آخرون من ثلاثة تحديات تبدأ في اليوم التالي: خلايا داعش التي لم تختفِ، والفصائل التي ترفض تسليم سلاحها، والجدل حول قانون جديد للحشد الشعبي قد يعيد رسم شكل المنظومة الأمنية العراقية.
أولاً: ماذا سيحدث في 30 أيلول؟
بحسب الموقف الرسمي العراقي الذي نقلته عدة مصادر، من المقرر أن تنتهي في 30 سبتمبر/أيلول 2026 المهمة العسكرية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، على أن يستكمل انسحاب قواته من العراق.
ووصف صباح النعمان، المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة، الموعد بأنه «محطة استراتيجية وتحول تاريخي»، مؤكداً أن اختياره لم يكن اعتباطياً أو نتيجة حسابات سياسية، بل استند إلى تقييم لقدرات القوات العراقية.
وتقول الحكومة إن الجيش والأجهزة الأمنية باتت قادرة على السيطرة على الأراضي ومواجهة التهديدات وإدارة ملف الأمن الوطني بصورة مستقلة.
أما رئيس الوزراء علي الزيدي، فقد ذهب أبعد من ذلك عندما اعتبر أن الأول من أكتوبر/تشرين الأول سيكون «يوماً جديداً في دولة العراق»، مع انتهاء الوجود العسكري الأجنبي.
لكن هذا لا يعني، وفق الرواية الرسمية، نهاية العلاقة الأمنية مع الولايات المتحدة والدول الغربية. الفكرة هي الانتقال من مهمة عسكرية للتحالف إلى علاقات ثنائية تشمل التدريب والتعاون الأمني والاقتصادي على أساس المصالح المشتركة والسيادة العراقية.

لماذا يمثل الانسحاب تحولاً مهماً؟
دخل التحالف الدولي العراق عام 2014 بطلب من بغداد بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) على مساحات واسعة من البلاد.
وبعد إعلان العراق النصر العسكري على التنظيم في ديسمبر/كانون الأول 2017، استمرت قوات التحالف بأدوار استشارية وتدريبية.
لذلك تريد الحكومة تقديم انتهاء المهمة باعتباره انتقالاً من مرحلة احتاج فيها العراق إلى مساعدة عسكرية دولية مباشرة إلى مرحلة تقول فيها بغداد إنها تستطيع تحمل المسؤولية الأمنية بنفسها.
لكن هنا تبدأ القضية الأكثر حساسية.
خروج الأميركيين يسحب حجة أساسية من الفصائل
لسنوات، ربطت فصائل عراقية مسلحة، خصوصاً المقربة من إيران، احتفاظها بالسلاح بوجود القوات الأميركية والتحالف الدولي.
ولهذا جمعت حكومة الزيدي بين ملفين في موعد واحد تقريباً: خروج التحالف في 30 أيلول/ سبتمبر، وحصر السلاح بيد الدولة.
صباح النعمان قال بوضوح إن المرحلة المقبلة ستشهد انتهاء المبررات الرسمية والعملية لوجود السلاح خارج مؤسسات الدولة، مؤكداً أن حصر السلاح «التزام دستوري وسيادي».
المعادلة التي تحاول الحكومة ترسيخها تبدو بسيطة نظرياً:
إذا خرجت القوات الأجنبية، فما المبرر لاستمرار السلاح خارج الدولة؟
لكن تطبيقها عملياً أكثر صعوبة.
هل ستسلّم الفصائل أسلحتها فعلاً؟
وتذهب مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» البحثية الأميركية ( إف دي دي)، إلى قراءة أكثر حدة. لذلك من المهم التعامل مع توصيفاتها باعتبارها تحليلاً صادراً عن مؤسسة ذات توجه واضح في هذا الملف، وليس موقفاً محايداً أو حكومياً عراقياً.
وتقول المؤسسة إن بعض الفصائل وضعت شروطاً تتجاوز انسحاب القوات الأميركية.
وبحسب التقرير، تتضمن مطالب منسوبة إلى منظمة بدر استكمال الانسحاب الأميركي وإزالة ما تصفه بـ«التهديدات الاستراتيجية» وإعادة بناء القوات المسلحة العراقية بالكامل.
أما كتائب حزب الله، فينسب إليها التقرير مطالب تشمل خروج القوات الأميركية والتركية ونزع سلاح البيشمركة.
وهذا يعني أن انتهاء الوجود الأميركي، إذا صحت هذه المواقف واستمرت، لن يؤدي تلقائياً إلى تسليم جميع الفصائل أسلحتها.
إيران تدخل على الخط
تزامنت هذه التطورات مع زيارات مسؤولين إيرانيين بارزين إلى بغداد.
وتشير التقارير إلى زيارة قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني، ثم زيارة رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف.
لكن الروايات بشأن ما حمله المسؤولون الإيرانيون تختلف، وبعضها يستند إلى مصادر غير معلنة.
تحليل مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات يذهب إلى أن طهران تريد من الفصائل الاحتفاظ بالسلاح كورقة تفاوض مع واشنطن مع تجنب الصدام المباشر مع القوات العراقية. كما نقل مزاعم عن وجود مقترحات لحماية أو نقل أسلحة الفصائل إلى حين الوصول إلى تسوية سياسية.
هذه المزاعم تحتاج إلى الفصل بينها وبين المعلومات الرسمية المؤكدة؛ فالزيارات الإيرانية معلنة، لكن تفاصيل التوجيهات والمقترحات المنسوبة إلى طهران ليست كلها مثبتة رسمياً.

مفارقة أخرى: قانون الحشد الشعبي
هنا تظهر عقدة ربما تكون أهم من مسألة تسليم السلاح نفسها.
تقول الصحفية مينا الدروبي في تقرير لموقع“ذا ناشيونال” إن مشروع قانون يتعلق بالخدمة والتقاعد والهيكل التنظيمي للحشد الشعبي يثير مخاوف لدى مسؤولين وخبراء تحدثوا للصحيفة من أن يؤدي إلى ترسيخ الحشد كمؤسسة أمنية دائمة تتمتع بحماية قانونية وميزانية كبيرة.
الحشد الشعبي ليس كياناً خارج الدولة من الناحية القانونية؛ فهو جزء من المنظومة الأمنية العراقية. لكن الجدل يدور حول درجة استقلال بعض تشكيلاته، وتسلسل القيادة، وعلاقة فصائل داخله بقوى سياسية وبإيران.
وهنا تكمن حساسية القانون.
يرى مايكل نايتس، رئيس الأبحاث في شركة ” هورايزون إنكيج”، أن القانون المقترح قد لا يغير واقع الحشد جذرياً بقدر ما يقوم بـتثبيت الوضع الحالي وجعل إصلاحه مستقبلاً أكثر صعوبة.
وفي المقابل، يقول رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض إن القانون يتعلق بالخدمة والتقاعد والتنظيم، وإن أي عملية لفك الارتباط السياسي بالحشد ينبغي أن تتم وفق خطط مدروسة وانتقال آمن يحافظ على استقرار المؤسسة.
إذن هناك قراءتان مختلفتان: الأولى ترى القانون تنظيماً ضرورياً لمؤسسة رسمية تضم عشرات الآلاف من المنتسبين، والثانية تخشى أن يؤدي إلى تكريس منظومة أمنية موازية بدلاً من توحيد القرار العسكري.
داعش يذكّر الجميع بأنه لم يختفِ
وسط الجدل حول الأميركيين والفصائل والحشد، جاء تطور أمني ليعيد السؤال الأساسي: ماذا عن داعش؟
بحسب وكالة الأنباء العراقية، أعلن اللواء 63 في الحشد الشعبي إحباط هجوم لعناصر داعش على موقع أمني في منطقة جبال مرسى علي بقضاء طوزخورماتو في صلاح الدين.
وقالت القوات إنها أجبرت المهاجمين على الانسحاب، قبل أن يطلق الجيش والحشد عملية مشتركة لتعقبهم والبحث عن مخابئهم ومسارات إمدادهم.
الهجوم محدود، لكنه يحمل دلالة مهمة.
داعش لم يعد يسيطر على مدن ومساحات واسعة كما حدث عام 2014، لكنه تحول إلى خلايا صغيرة تعتمد الكمائن والهجمات الخاطفة والمناطق الجبلية والوعرة.
وهذا يجعل مرحلة ما بعد التحالف اختباراً مختلفاً: ليس المطلوب خوض حرب تقليدية لاستعادة المدن، وإنما امتلاك قدرات استخبارية واستطلاعية وجوية تسمح باكتشاف الخلايا قبل تنفيذ هجماتها.
الاختبار الحقيقي
أمام العراق ثلاثة ملفات مترابطة.
الأول هو إثبات أن القوات العراقية قادرة على مواجهة داعش والحفاظ على الأمن بعد انتهاء مهمة التحالف.
والثاني هو تنفيذ شعار «السلاح بيد الدولة» من دون دفع البلاد إلى مواجهة داخلية مع الفصائل.
والثالث هو تحديد مستقبل الحشد الشعبي بطريقة تجمع بين الاعتراف بوضعه القانوني ودوره الأمني وبين ضمان وجود قيادة عسكرية واضحة وقرار أمني نهائي للدولة.
لهذا قد لا يكون 30 سبتمبر/ أيلول نهاية قصة الوجود العسكري الأجنبي بقدر ما يكون بداية اختبار جديد للدولة العراقية.
فخروج التحالف يمنح بغداد فرصة لتعزيز سيادتها، لكنه في الوقت نفسه يزيل أحد أهم المبررات التي استخدمتها الفصائل للاحتفاظ بالسلاح، بينما يضع القوات العراقية أمام مسؤولية أكبر في مواجهة خلايا داعش.
والسؤال الذي سيحدد معنى «التحول التاريخي» ليس فقط: هل سيغادر آخر جندي من التحالف؟ بل: من سيمتلك السلاح والقرار الأمني في العراق في اليوم التالي؟
المصادر /وكالة الأنباء العراقية- «تركيا توداي» – «ذا ناشيونال» -«ميدل إيست أونلاين»- «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» البحثية الأميركية









