أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
سياسة وتحليلات

عقوبات أميركية بدل القنابل.. إيران تتوعد والصين الاختبار الحقيقي

عقوبات أميركية بدل القنابل.. إيران تتوعد والصين الاختبار الحقيقي

بعد نحو ستة أشهر من الحرب، تنتقل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى مرحلة مختلفة: واشنطن تحاول استخدام الدولار والتجارة والنفط كسلاح ضغط رئيسي، فيما تلوّح طهران بالرد عبر المصالح الأميركية وممرات الطاقة.

لكن نجاح الاستراتيجية الجديدة لا يتوقف على إيران وحدها؛ فالعقدة الأكبر تبدو في بكين، أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، وفي دول أخرى ترتبط بطهران بعلاقات تجارية وطاقة، من بينها العراق وتركيا والهند.

الأميركيون يعلمون أن أحداً لا يصدق تهديداتهم (تسنيم)
  قاليباف: الأميركيون يعلمون أن أحداً لا يصدق تهديداتهم (تسنيم)

إيران: الضغط سيقابله ضغط

رد طهران جاء سريعا. فقد رفض رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف الحملة الأميركية الرامية إلى تشديد الضغوط الاقتصادية على إيران، معتبراً أن واشنطن لا تمتلك النفوذ الاقتصادي الكافي لفرض مزيد من القيود على علاقات طهران مع الدول الأخرى.

وقال قاليباف، في منشور على حسابه بمنصة «إكس»،  «الأميركيون يعلمون أن أحداً لا يصدق تهديداتهم. الولايات المتحدة ليست في وضع اقتصادي يسمح لها بفرض مزيد من القيود على علاقاتها مع الدول الأخرى أكثر مما فعلت حتى الآن».

وأضاف أن شركاء إيران التجاريين أبلغوا طهران، سواء عبر وسائل الإعلام أو من خلال رسائل مباشرة، بأنهم «لا يأخذون هذه التصريحات الأميركية في الحسبان على الإطلاق».

من جهته قال وزير الاقتصاد الإيراني علي مدني زاده إن بلاده مستعدة، مضيفاً أن «الأعداء عليهم انتظار الهجوم»، ومعبراً عن اعتقاده بأن الصين وروسيا ودولاً أخرى لن تقبل بالإجراءات الأميركية.

كما هدد متحدث باسم الحرس الثوري الإيراني بتوجيه ضربات إلى المصالح الحيوية الأميركية و«اختناقات الطاقة» إذا تعرضت البنية التحتية الإيرانية للخطر.

وهذه النقطة أساسية، لأن إيران تمتلك ورقة لا توفرها العقوبات الاقتصادية التقليدية: مضيق هرمز.

فبحسب رويترز، بلغت حركة النفط عبر المضيق الاثنين نحو 5 ملايين برميل يومياً فقط، مقارنة بأكثر من 20 مليوناً قبل الحرب. وبالتالي تستطيع طهران، ولو جزئياً، محاولة نقل تكلفة العقوبات من اقتصادها إلى سوق الطاقة العالمي.

وزاد التوتر الثلاثاء بعدما أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية بتعرض ناقلة نفط لمقذوف مجهول قرب مدخل مضيق هرمز قبالة عُمان، من دون أن تحدد الجهة المسؤولة.

ما الذي فعلته واشنطن؟

وجاءت تصريحات قاليباف بعد إعلان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت توسيع حملة العقوبات على إيران، قال إن واشنطن ستسعى من خلالها إلى استهداف مصادر إيرادات طهران، بما في ذلك النفط، ومنع الدول والشركات من مواصلة التعامل التجاري معها.

وأطلق بيسنت على الحملة اسم «عملية المنبوذ الاقتصادي»، قائلاً إن هدفها قطع ما وصفه بـ«شرايين الحياة الاقتصادية» لإيران.

التهديد الأهم ليس العقوبات المباشرة على المؤسسات الإيرانية، بل «العقوبات الثانوية»: أي أن شركة أو بنكاً أو دولة تواصل معاملات معينة مع إيران قد تجد نفسها مهددة بفقدان الوصول إلى النظام المالي القائم على الدولار.

وفرضت الخزانة عقوبات جديدة على 60 فرداً وكياناً وسفينة، لكنها تجنبت، حتى الآن، الخطوة الأكثر حساسية: استهداف المؤسسات المالية الصينية الكبرى التي يُشتبه في تسهيلها جانباً من تجارة النفط الإيرانية.

وعندما سُئل بيسنت عن سبب عدم الذهاب إلى أقصى مدى، لخّص المعضلة بقوله: لماذا يريد أن «يفجّر النظام المالي العالمي»؟ بمعنى أن واشنطن تريد خنق مصادر دخل طهران، لكن من دون أن تتحول العقوبات نفسها إلى صدمة للنظام التجاري والمالي الدولي.

الصين.. الحلقة التي قد تحسم نجاح العقوبات

تكاد المصادر المختلفة تتفق على أن الصين هي الاختبار الحقيقي للاستراتيجية الأميركية.

وتعهدت الصين بحماية مصالحها، وقالت على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية لين جيان إنها تعارض بشدة ما وصفه بـ**«العقوبات الأحادية غير القانونية»**، مؤكداً أنها ستتخذ «جميع الإجراءات اللازمة» لحماية حقوقها ومصالحها.

وكانت بكين خلال السنوات الماضية أكبر مشترٍ للنفط الإيراني. وتشير تقديرات أوردتها شبكة ” سي إن بي سي” إلى أن الصين تستحوذ على نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية، بينما قالت نيويورك تايمز إن الصين اشترت أكثر من 80% من صادرات إيران النفطية خلال 2025.

لكن الحرب والحصار البحري الأميركي غيّرا الصورة. وبحسب بيانات شركة كبلر ، لتتبع الملاحة البحرية،  التي أوردتها الغارديان، تراجعت واردات الصين من الخام الإيراني من نحو 1.57 مليون برميل يومياً في فبراير/شباط إلى نحو 534 ألف برميل يومياً حتى الآن في أغسطس/آب.

وهذا يعني أن الضغط الأميركي أحدث بالفعل أثراً كبيراً، لكنه لم يغلق الطريق بالكامل.

كيف يصل النفط الإيراني إلى الصين رغم العقوبات؟

الجزء الأكبر من النفط الإيراني لا تشتريه شركات النفط الصينية الحكومية الكبرى، التي تخشى فقدان الوصول إلى النظام المالي الأميركي، وإنما مصافٍ مستقلة صغيرة تُعرف باسم «أباريق الشاي».

وتشتري هذه المصافي الخام الإيراني بأسعار مخفضة، بينما يُعاد أحياناً تصنيف النفط على أنه قادم من ماليزيا أو إندونيسيا، وتتم المدفوعات باليوان ومن خلال شبكة من الوسطاء، ما يقلل الاعتماد المباشر على الدولار.

وهنا تظهر حدود العقوبات: تستطيع واشنطن ملاحقة السفن والمصافي والوسطاء، لكن إغلاق الشبكة بأكملها يتطلب إما تعاون بكين أو استهداف مؤسسات صينية أكبر.

لماذا تتردد واشنطن في ضرب البنوك الصينية بالعقوبات؟

لأن المعركة عندها قد تتجاوز إيران.

فالولايات المتحدة والصين تحاولان إدارة خلافات واسعة تشمل التجارة والذكاء الاصطناعي وتايوان والمعادن الحيوية. وهناك أيضاً لقاء متوقع بين الرئيس دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ الشهر المقبل.

ويخشى مسؤولون ومحللون من أن يؤدي استهداف بنوك صينية كبرى إلى رد بكين، خصوصاً في المعادن النادرة والحيوية التي تحتاجها الصناعات الأميركية.

ولهذا لاحظ تحليل نيويورك تايمز أن بيسنت، رغم تهديده كل الدول التي تتعامل مع إيران، تجنب تقريباً تسمية الصين مباشرة.
بعبارة أبسط: العقوبات ستكون أقوى إذا شاركت الصين، لكن إجبار الصين على المشاركة قد تكون له كلفة اقتصادية وسياسية مرتفعة على واشنطن نفسها.

خصوصية العراق في اعتماده التاريخي على الغاز والكهرباء الإيرانيين
العراق أبرز المتأثرين بالحملة الأميركية بسبب اعتماده على الغاز والكهرباء الإيرانيين ( وكالة الأنباء العراقية)

العراق ضمن الدول الأكثر تعرضاً للضغط

تضع شبكة ” سي إن بي سي” العراق إلى جانب الصين والإمارات وتركيا والهند بين أبرز الشركاء التجاريين لإيران الذين يمكن أن يتأثروا بالحملة الأميركية.

وتكمن خصوصية العراق في اعتماده على الغاز والكهرباء الإيرانيين. وبحسب التقرير، تجاوز حجم التجارة العراقية الإيرانية 10 مليارات دولار في 2025، فيما يدفع العراق لإيران ما يقدر بنحو 4 إلى 5 مليارات دولار سنوياً مقابل الغاز المستخدم في إنتاج الكهرباء.

لذلك فإن تشديد العقوبات الثانوية قد يضع بغداد أمام مشكلة عملية: كيف تستمر في دفع مستحقات الطاقة الإيرانية من دون تعريض المؤسسات التي تنفذ المدفوعات للعقوبات الأميركية؟

أما الإمارات، التي شكلت تاريخياً إحدى أهم بوابات إيران التجارية والمالية، فقد تحركت بالفعل لتعليق التجارة والمعاملات المالية مع إيران بعد التصعيد العسكري الأخير، ما يضيّق إحدى القنوات التي استخدمتها طهران للتجارة والوصول إلى النظام المالي العالمي.

هل تستطيع العقوبات تحقيق ما لم تحققه الحرب؟

تقول نيويورك تايمز إن إدارة ترامب عكست تقريباً التسلسل التقليدي لأدوات الضغط. فعادة تبدأ واشنطن بالدبلوماسية، ثم العقوبات، وتحتفظ بالخيار العسكري للمرحلة الأخيرة. لكن في الحالة الإيرانية، انتقلت الإدارة سريعاً إلى القوة العسكرية، ثم عادت بعد أشهر إلى محاولة استخدام الحصار والعقوبات الأوسع.

وتشير الصحيفة إلى أن العقوبات ليست فكرة جديدة. فمنذ عقود تستخدم واشنطن الضغط المالي والنفطي ضد إيران، وأسهمت العقوبات في دفع طهران إلى اتفاقها النووي عام 2015، لكنها لم تنجح في إسقاط النظام أو وقف تجارة النفط الإيرانية بصورة دائمة.

ويذهب تحليل موقع “إن بي آر” في اتجاه مشابه: الضغط الأقصى قد يولّد «مقاومة قصوى». ويحذر محللون من أن زيادة الخناق الاقتصادي قد تدفع طهران، بدلاً من الاستسلام، إلى تكثيف الضغط العسكري والإقليمي لإظهار أن تكلفة خنقها لن تتحملها إيران وحدها.

 استراتيجية الضغط وصلت إلى حدودها

أما مقال «فورين أفيرز» للباحث نيت سوانسون، وهو مسؤول سابق في مجلس الأمن القومي الأميركي وعضو سابق في فريق التفاوض مع إيران، فيذهب أبعد من ذلك، ويرى أن الحرب أظهرت لطهران ثلاثة أمور: أنها تستطيع البقاء رغم الضربات الأميركية والإسرائيلية القاسية؛ وأن واشنطن لا تبدو راغبة في خوض حرب برية لإسقاط النظام؛ وأن إيران تستطيع استخدام الصواريخ والمسيّرات ومضيق هرمز لرفع تكلفة الضغط على خصومها.

ومن وجهة نظره، فإن ذلك أضعف التهديد الأميركي بدلاً من تعزيزه، لأن طهران باتت تعتقد أنها تستطيع تحمل الألم لفترة أطول مما يستطيع الرأي العام الأميركي والأسواق العالمية تحمل كلفة حرب استنزاف طويلة.

لكن الضغط الاقتصادي ليس بلا أثر

رغم التشكيك في قدرته على فرض الاستسلام، لا يعني ذلك أن العقوبات غير مؤثرة.

الاقتصاد الإيراني يعاني بالفعل، والحصار أدى إلى تراجع حاد في صادرات النفط. كما أن تضييق القنوات الإماراتية، وملاحقة المصافي الصينية المستقلة، وتهديد البنوك والوسطاء بالعقوبات الثانوية يمكن أن يجعل الحصول على العملات الأجنبية وتمويل التجارة أكثر صعوبة.

لكن الفرق كبير بين سؤالين: هل تستطيع واشنطن إلحاق أضرار اقتصادية شديدة بإيران؟ والإجابة تبدو نعم. أما هل تكفي تلك الأضرار لإجبار القيادة الإيرانية على قبول الشروط الأميركية؟ فهذا ما تشكك فيه تجارب العقود الماضية وعدد من المحللين.

الدبلوماسية لم تختفِ تماماً

بالتوازي مع التصعيد الاقتصادي، لا تزال هناك محاولات لفتح نافذة سياسية. فقد أعلنت باكستان تحقيق «تقدم مهم» في محادثاتها مع طهران التي ركزت على منع مزيد من التصعيد وإعادة فتح مضيق هرمز.

لكن رويترز تشير إلى أنه، رغم غياب الضربات الكبرى خلال الأسابيع الأخيرة، لا توجد حتى الآن مؤشرات قوية على تسوية دبلوماسية قريبة.

وهكذا تدخل المواجهة مرحلة شديدة الحساسية: الولايات المتحدة تريد تحويل تفوقها المالي إلى سلاح بعد تعثر الحسم العسكري، وإيران تراهن على قدرتها على الصمود ونقل جزء من الألم إلى أسواق الطاقة، بينما تقف الصين في المنتصف باعتبارها الطرف الذي قد يحدد إلى حد بعيد مدى إحكام الحصار.

اختبار للقدرة الأميركية

المعركة الجديدة ليست مجرد «عقوبات على إيران». إنها اختبار لمدى قدرة الولايات المتحدة على استخدام هيمنة الدولار لعزل اقتصاد كبير مرتبط بالصين والعراق وتركيا والهند، من دون أن تدفع هذه الدول إلى تحدي العقوبات أو أن تدفع إيران إلى استخدام أخطر أوراقها: مضيق هرمز والطاقة العالمية.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.