لم تعد عاصمة التجسس في القرن الحادي والعشرين بالضرورة مدينة تعج برجال المخابرات الذين يتبادلون الحقائب السرية في المقاهي. فقد تكون سطح سفارة تغطيه أطباق الأقمار الصناعية، أو مدينة تحتضن مقار المنظمات الدولية، أو حتى دولة ازدهرت فيها شركات تبيع برامج قادرة على تحويل الهاتف المحمول إلى جهاز تنصت متنقل.
ولم تتمكن التكنولوجيا من إنهاء عصر «عواصم الجواسيس»، بل غيّرت أدواته. وفي قلب الصورة تبرز فيينا، التي استعادت، وفق تقارير غربية، موقعاً شبيهاً بدورها خلال الحرب الباردة، فيما تظهر بروكسل وجنيف وجيبوتي ودبي وباكو كمراكز ذات أهمية استخبارية متزايدة، بالتوازي مع صعود سوق تجسس إلكتروني تجاري في دول مثل إيطاليا.

فيينا.. عاصمة الجواسيس القديمة تعود إلى الواجهة
كشفت مجلة «نيويوركر» أن فيينا، المعروفة تاريخياً بأنها إحدى أبرز ساحات التجسس بين الشرق والغرب، تحولت عام 2021 إلى ثاني أكبر بؤرة محتملة لما يعرف بـ**«متلازمة هافانا»** بعد العاصمة الكوبية.
وبحسب التقرير، أبلغ نحو عشرين من ضباط الاستخبارات والدبلوماسيين والمسؤولين الأميركيين في العاصمة النمساوية عن أعراض غامضة شملت الصداع والدوار ومشكلات في الرؤية والإحساس بأصوات أو ضغط غير مألوف في الرأس. وكانت حالات مشابهة قد ظهرت للمرة الأولى بين موظفين أميركيين في هافانا عامي 2016 و2017.
اشتبه مسؤولون كبار في إدارتي دونالد ترامب وجو بايدن آنذاك في احتمال ضلوع روسيا، وطرحوا فرضية استخدام أجهزة تعتمد على الموجات الدقيقة ربما بهدف الوصول إلى بيانات الحواسيب والهواتف. لكن التقرير شدد على أن أجهزة الاستخبارات الأميركية لم تمتلك دليلاً حاسماً يثبت أن روسيا مسؤولة أو أن الموجات الدقيقة هي سبب الأعراض.
وتكتسب فيينا أهمية خاصة في هذا السياق بسبب تاريخها الطويل كمركز للنشاط الاستخباري. فالمدينة تستضيف الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) ووكالات أممية ومنظمات دولية أخرى، ما يجعلها تجمعاً لدبلوماسيين ومسؤولين يمتلكون معلومات حساسة تهم أجهزة استخبارات عديدة.
كما ساعد الحياد النمساوي ونهج السلطات المتسامح تاريخياً مع عمليات التجسس الأجنبية، ما دامت لا تستهدف المصالح النمساوية، في جعل المدينة بيئة جذابة لضباط الاستخبارات.
وبعد تزايد الحالات، شكّل مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية آنذاك وليام بيرنز فريقاً متخصصاً لمعرفة سبب الظاهرة والجهة المحتملة وراءها، لكن التحقيق لم يكن قد توصل عند نشر التقرير إلى نتيجة حاسمة.
وهكذا أضافت «متلازمة هافانا» لغزاً جديداً إلى مدينة ارتبط اسمها بالجواسيس منذ الحرب الباردة.
وبحسب تقرير آخر لموقع ” كييف بوست”، أصبحت فيينا أكبر مركز روسي للتجسس الإلكتروني في الغرب، مع استخدام منشآت دبلوماسية وأطباق أقمار صناعية لمراقبة اتصالات تمتد إلى دول حلف شمال االأطلسي (الناتو) والشرق الأوسط وأفريقيا. وتقول مصادر استخبارية غربية إن أجهزة ومعدات المراقبة الروسية في المدينة شهدت توسعاً خلال العامين الأخيرين.
لكن هذه المعلومات ينبغي التعامل معها باعتبارها تقديرات وتقارير استخبارية غربية وليست حقائق مستقلة مثبتة بالكامل، خصوصاً أن طبيعة العمل الاستخباري تجعل التحقق العلني من حجم العمليات وأهدافها أمراً صعباً.

ما سر الأطباق فوق المباني الروسية؟
أحد أكثر التفاصيل إثارة يتعلق بمجمع روسي ضخم على نهر الدانوب يُعرف بصورة غير رسمية باسم «مدينة الروس». تظهر فوق منشآته أعداد من أطباق الأقمار الصناعية، بعضها قابل للحركة وإعادة التوجيه.
ويقول باحثون ومسؤولون استخباريون إن تحريك هذه الأطباق يشير إلى أنها قد لا تكون مخصصة للاتصالات الدبلوماسية العادية فقط، بل يمكن استخدامها لتعقب أقمار صناعية مختلفة واعتراض إشاراتها.
وتشير المادة إلى أن بعض الهوائيات تتجه نحو مجموعة من الأقمار الجغرافية الثابتة المستخدمة في الاتصالات بين أوروبا وأفريقيا، فيما رُصدت تجهيزات مشابهة فوق السفارة الروسية ومركز ثقافي روسي ومواقع أخرى في العاصمة.
لماذا فيينا تحديداً؟
الإجابة لا تتعلق بروسيا وحدها، بل بطبيعة المدينة نفسها.
ففيينا تستضيف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، ووكالات للأمم المتحدة ومؤسسات دولية أخرى. وهذا يعني وجود آلاف الدبلوماسيين والخبراء والمسؤولين الذين يتعاملون يومياً مع ملفات شديدة الحساسية.
كما أن حياد النمسا وقوانينها الأكثر تقييداً لملاحقة أنشطة التجسس التي لا تستهدف النمسا نفسها جعلاها تاريخياً بيئة مناسبة للعمل الاستخباري. وتقول إحدى المواد إن الأجهزة النمساوية نفسها حذرت من المخاطر الأمنية المرتبطة بقدرات المراقبة الروسية.
وهنا تظهر مفارقة فيينا: الصفات التي جعلتها مكاناً مثالياً للدبلوماسية الدولية جعلتها أيضاً مكاناً مثالياً لجمع المعلومات عنها.
التجسس لم يبدأ مع حرب أوكرانيا
فيينا ليست وافداً جديداً على هذا العالم. خلال الحرب الباردة كانت واحدة من أشهر ساحات الصراع السري بين الشرق والغرب، إلى جانب برلين وبيروت ونيودلهي.
وكانت المدن المحايدة أو الواقعة بين مناطق النفوذ جذابة لأجهزة الاستخبارات لأنها تسمح للعملاء بالالتقاء وتجنيد المصادر وجمع المعلومات، وأحياناً إجراء اتصالات سرية بين الخصوم بعيداً عن الأضواء.
وبعد انتهاء الحرب الباردة، بدا لبعض الوقت أن الأقمار الصناعية والإنترنت والمراقبة الرقمية ستجعل مفهوم «عاصمة الجواسيس» قديماً. لكن التطورات اللاحقة أظهرت أن الاستخبارات البشرية لم تختفِ، بل اندمجت مع التجسس الإلكتروني والسيبراني.

بروكسل وجنيف.. حيث توجد المعلومات يوجد الجواسيس
المبدأ الأساسي الذي تطرحه إحدى الدراسات بسيط: الجواسيس يذهبون إلى الأماكن التي تتجمع فيها المعلومات المهمة.
ولهذا تظل بروكسل هدفاً استثنائياً لأنها مركز مؤسسات الاتحاد الأوروبي وتضم مقر الناتو، بينما تستمد جنيف أهميتها من العدد الكبير للمنظمات الدولية والدبلوماسيين والخبراء الموجودين فيها.
وتشير المواد إلى نشاط أجهزة استخبارات تابعة لدول متعددة في هذه المدن، ليس فقط لجمع المعلومات وإنما أيضاً لمحاولة تجنيد مصادر والتأثير بصورة غير معلنة في القرارات والسياسات.
من بروكسل إلى فيينا بعد حرب أوكرانيا
أحد التفسيرات لصعود أهمية فيينا مجدداً يرتبط بما حدث بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022.
فقد طردت دول أوروبية أعداداً كبيرة من الدبلوماسيين الروس للاشتباه بعمل بعضهم لحساب أجهزة الاستخبارات. ووفق المواد، تضررت شبكات روسية في بروكسل وبراغ ووارسو، بينما احتفظت موسكو بوجود دبلوماسي كبير نسبياً في النمسا.
والنتيجة، بحسب هذا التصور، لم تكن اختفاء النشاط الروسي وإنما إعادة توزيعه جغرافياً.
وتذهب إحدى المواد إلى رسم شبكة أوسع يكون فيها دور فيينا مرتبطاً بالدبلوماسية واعتراض الإشارات، بينما تظهر بلغراد كمركز للتنسيق واللوجستيات، إلى جانب مدن أخرى توفر درجات مختلفة من المرونة التشغيلية.
ليست أوروبا وحدها
الخريطة الجديدة للتجسس أصبحت أكثر انتشاراً مع تحول النظام الدولي إلى تعددية أكبر.
فجيبوتي، مثلاً، تستضيف قواعد عسكرية لدول كبرى وتقع قرب باب المندب وكابلات اتصالات بحرية شديدة الأهمية، ولذلك تحولت إلى مكان تستطيع فيه القوى الكبرى مراقبة بعضها بعضاً.
كما يشير تحليل آخر إلى أهمية الإمارات بسبب مكانتها كمركز مالي وتجاري عالمي يستقطب حكومات وشركات وأفراداً وشبكات مختلفة، وهو ما يجذب بدوره أجهزة الاستخبارات الباحثة عن المعلومات.
أما باكو فتُطرح كمثال على «عاصمة تجسس إقليمية» مرتبطة بالتنافس حول إيران والقوقاز، وإن كانت بعض الادعاءات المتعلقة باستخدام أراضي أذربيجان في عمليات استخبارية موضع نفي أو خلاف سياسي.
ما الذي يجعل مدينة ما «عاصمة للجواسيس»؟
وفق التحليل الوارد في المواد، تتكرر عدة عوامل: وجود أعداد كبيرة من الدبلوماسيين والمنظمات الدولية، قوانين متساهلة أو محدودة في مكافحة التجسس، ضعف نسبي في قدرات مكافحة الاستخبارات، والقرب من مراكز التجارة والمال والاتصالات العالمية.
ولهذا قد تكون المدينة التي تنجح في أن تصبح ملتقى للدبلوماسية والتجارة والمعلومات هي نفسها الأكثر جاذبية لمن يريد سرقة تلك المعلومات.

إيطاليا.. نوع مختلف من عواصم التجسس
لكن التجسس الحديث لم يعد حكراً على أجهزة الدولة.
يكشف تقرير آخر عن تحوّل إيطاليا إلى واحدة من أبرز مراكز صناعة برامج التجسس التجارية. ومن الأمثلة على ذلك برنامج «هيرميت» (الناسك)، الذي ربط باحثون تطويره بشركة «آر سي إس لابز» الإيطالية، وتشير تقارير إلى استخدامه في عدة دول، بينها كازاخستان وسوريا وإيطاليا.
والمفارقة أن قوة السوق الإيطالية لا تأتي بالضرورة من إنتاج الأدوات الأكثر تطوراً في العالم، بل من سهولة الوصول إليها وانخفاض تكلفتها.
وبحسب التقرير، كان بإمكان جهات إنفاذ القانون الإيطالية استئجار برنامج تجسس بنحو 150 يورو يومياً وفق تسعير يعود إلى 2022. ويقول خبراء إن انخفاض الأسعار وسهولة الإجراءات ساهما في انتشار استخدامها.
رخيصة.. لكنها شديدة الاختراق
قد لا تتمتع بعض الأدوات الإيطالية بقدرات «النقرة الصفرية» التي اشتهر بها برنامج Pegasus، لكن هذا لا يجعلها بسيطة بعد تثبيتها.
فبحسب التقرير، تستطيع بعض هذه البرامج الوصول إلى المكالمات والبريد الإلكتروني، بل وتشغيل الميكروفون والكاميرا في الجهاز المستهدف.
ويضع خبراء إيطاليا إلى جانب إسرائيل والهند ضمن أبرز ثلاثة مراكز عالمية لصناعة برامج التجسس التجارية، كما يصفون السوق الإيطالية بأنها واحدة من أقدم النظم المتواصلة لهذه الصناعة.
وفي المقابل، بدأت إيطاليا إصلاحات قانونية تتطلب تقييماً قضائياً أكثر استقلالية للحاجة إلى استخدام هذه الأدوات، لكن الخبراء يختلفون حول النتيجة: البعض يرى أنها ستحد من الإفراط في استخدامها، بينما يعتقد آخرون أن التنظيم قد يمنح الصناعة شرعية أكبر ويقويها بدلاً من إضعافها.
من «جيمس بوند» إلى المراقبة الشاملة
فمن مقر هيئة الاتصالات الحكومية البريطانية الدائري، المعروف باسم «ذا دونَت» (الكعكة الحلقية)، إلى محطة التنصت الأميركية السابقة «تويفلسبرغ» (جبل الشيطان) في برلين، وصولاً إلى متاحف تعرض أدوات جهاز الاستخبارات السوفيتي «كي جي بي» وجهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية «شتازي»، تكشف هذه المواقع كيف تطورت تقنيات المراقبة من أجهزة التنصت التقليدية إلى أنظمة إلكترونية واسعة ومعقدة.
والرسالة المشتركة بين المقالات هي أن عصر عواصم الجواسيس لم ينتهِ؛ بل أصبح أقل وضوحاً وأكثر تعقيداً.
ففي الماضي كان الجاسوس يحتاج إلى مصدر بشري ولقاء سري. اليوم يمكن للعملية أن تجمع بين دبلوماسي يعمل بغطاء رسمي، وهوائي فوق سفارة، وهجوم سيبراني، وشركة خاصة تبيع برنامجاً يحول هاتفاً في دولة أخرى إلى جهاز مراقبة.
ولهذا ربما لم يعد السؤال: أين توجد عاصمة التجسس في العالم؟ بل: كم عاصمة للتجسس أصبحت موجودة حولنا من دون أن نلاحظها؟
المصادر: مجلة «نيويوركر»، مؤسسة أوبزرفر للأبحاث، ذا ريكورد، أطلس أوبسكورا، كييف بوست








