لماذا تخشى القصائد الإجابات؟ مقال أدبي يكشف أسرار “شعر الأسئلة”
أوزبورن لا تقدم الشعر بوصفه فناً للإجابة، بل فناً للإقامة داخل السؤال
تذهب الكاتبة البريطانية إيموجين أوزبورن إلى أن الشعر ليس لغزاً مغلقاً ينتظر مفتاحاً سرياً، كما تعلّمنا أحياناً في المدارس، بل مساحة مفتوحة لما لا نعرفه. فالقصيدة، في جوهرها، لا تأتي دائماً كي تجيب، بل كي تترك القارئ واقفاً أمام فجوة جميلة: نقص، صمت، ارتباك، أو سؤال لا يريد أن ينتهي.
وفي مقال لها في موقع “مؤسسة الشعر” الأميركي (POETRY FOUNDATION)، تشرح أوزبورن مفهوم ما يعرف بالأبوريا Aporia، الآتي من اليونانية القديمة، بمعنى “ الحيرة” أو “طريق مسدود”. وفي الفلسفة والنقد الأدبي، يشير المصطلح إلى اللحظة التي ينهار فيها منطق النص على نفسه، أو يصل إلى حدّ لا يستطيع تجاوزه. لكنها تقترحه هنا بوصفه طاقة شعرية: لحظة شكّ، حيرة، أو سؤال معلّق يجعل القصيدة أكثر حياة.
في الشعر، تظهر “الأبوريا” حين يتوقف المعنى في الهواء؛ حين يسأل الشاعر ولا يجيب، أو حين يجد المتكلم نفسه أمام تناقض لا حلّ له. غير أن هذا الانسداد لا يعني الفشل. على العكس، ترى الكاتبة أن الطريق المسدود قد يكون بداية ممر جديد، لأن القصيدة مكان ندخله ونتحرك داخله، لا تقريراً نغادره بإجابة جاهزة.
وتستند أوزبورن إلى فكرة الشاعر جاك أندروود، الذي يرى أن من واجب الشاعر أن يقترب من المجهول، وأن يتعامل مع عدم المعرفة لا بوصفه نقصاً، بل شكلاً آخر من أشكال المعرفة. فالقصيدة الجيدة، كما تقول، يجب أن تُبنى كبيت مفتوح: فيه ثقوب في الجدران، تسمح لحياة القارئ أن تتسلل إلى الداخل.
ومن هنا تصبح الأسئلة في القصيدة أكثر من علامات استفهام. قد تكون إعلاناً عن عجز المتكلم، أو محاولة للاقتراب من القارئ، أو طريقة لخلق مسافة معه. السؤال قد يجرح، وقد يواسي. قد يكشف هشاشة الشاعر، أو يمنحه سلطة. وقد يكون الباب الوحيد الذي تدخل منه القصيدة إلى قلب القارئ.
تدعو الكاتبة الشعراء إلى التفكير في علاقتهم بالسؤال: هل نكتب كي نعرف؟ أم نكتب لأننا لا نعرف؟ هل القصيدة ممرّ واضح أم متاهة؟ وهل نريد لها أن تُفهم بسهولة، أم أن تبقى عصيّة، كغرفة نصف مضاءة؟
وتقترح تمارين شعرية تقوم على صناعة “بنك من الأسئلة”: أسئلة قصيرة حادة، أسئلة موجهة إلى الجسد، أسئلة تبدأ بعبارة “ماذا يُسمّى حين…؟”، وأسئلة حلمية مستحيلة، كتلك التي تجعل الواقع ينحرف فجأة نحو الغرابة.
وفي النهاية، لا تقدم أوزبورن الشعر بوصفه فناً للإجابة، بل فناً للإقامة داخل السؤال. فربما لا تكون مهمة القصيدة أن تفتح الباب كله، بل أن تترك شقاً صغيراً في الجدار، يكفي لأن نرى من خلاله العتمة، ونرغب في الدخول.
حول هذه القصة
بين الغياب والحضور، تولد الحكايات التي لا تكتمل (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
5 قصائد للشاعرة البولندية إيزابيلا زوبكو
أبريل 4, 2026
سواء كانت هذه الشخصيات حقيقية أم خيالية، فإن حضورها في الثقافة الإنسانية يظل مؤثرًا (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
من جلجامش إلى روبن هود.. هل كانوا شخصيات حقيقية؟
مارس 26, 2026
المشروع افتتح ليكون نبضاً جديداً يجمع بين سحر العراقة وحيوية الحداثة (أوج 24)