في الحروب الحديثة، لا تُقاس القوة بعدد الطائرات أو حاملات الطائرات فقط، بل أيضاً بقدرة الدولة على مواصلة القتال عندما تطول الحرب.
وبينما تتزايد التقارير عن استنزاف مخزونات الصواريخ الأميركية خلال المواجهة مع إيران، يرى باحثان في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن أن الأزمة الحالية ليست نتيجة الحرب وحدها، بل هي حصيلة ثلاثة عقود من الخيارات العسكرية والصناعية والمالية التي جعلت أكبر قوة عسكرية في العالم تواجه اليوم تحدياً غير مألوف: كيف تحافظ على جاهزيتها لحروب المستقبل بينما تستنزف ذخائرها في حرب الحاضر؟
1- حرب إيران سرعت الأزمة.. لكنها ليست السبب الوحيد
يؤكد التحليل أن الحرب مع إيران استهلكت كميات كبيرة من أهم الذخائر الأميركية، ولا سيما صواريخ باتريوت، ومنظومة ثاد (THAAD)، وصواريخ الضربة الدقيقة بعيدة المدى (PrSM)، وصواريخ توماهوك، وصواريخ جاسم (JASSM)، إضافة إلى عائلة الصواريخ البحرية إس إم-2 وإس إم-3 وإس إم-6.
وبحسب الباحثين، استخدمت الولايات المتحدة نحو نصف مخزونها الأولي من بعض هذه الذخائر، ونحو ثلث مخزونها من أنواع أخرى.
لكن المشكلة لا تكمن في استمرار الحرب مع إيران فقط، بل في احتمال اندلاع مواجهة أكبر مع الصين أو روسيا أو كوريا الشمالية، حيث ستكون الحاجة إلى هذه الصواريخ أكبر بكثير.
2- نهاية الحرب الباردة غيّرت الحسابات
بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، اعتقدت واشنطن أن زمن الحروب الكبرى انتهى.
ولذلك انتقلت الاستراتيجية الأميركية من الاستعداد لمواجهة قوة عظمى إلى خوض نزاعات إقليمية محدودة، مثل العراق وكوريا الشمالية.
هذا التحول أدى إلى:
- تقليص شراء الذخائر.
- تخفيض حجم المخزونات.
- اعتبار الحروب الطويلة واسعة النطاق احتمالاً ضعيفاً.
لكن هذا التصور بدأ يتغير بعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014، ثم ازداد وضوحاً بعد غزو أوكرانيا عام 2022، وأخيراً مع الحرب الحالية ضد إيران.
3- الصناعة العسكرية لم تُبنَ لإنتاج سريع وقت الحرب
يرى التحليل أن المشكلة لا تتعلق بالمخزون فقط، بل أيضاً بقدرة المصانع الأميركية على التعويض.
فبعد الحرب الباردة شجعت وزارة الدفاع شركات السلاح على الاندماج لتقليل التكاليف، فانخفض عدد الشركات الكبرى من 51 شركة إلى خمس فقط.
كما صُممت خطوط الإنتاج لتلبية احتياجات زمن السلم، وليس لإنتاج كميات ضخمة خلال الحروب.
ولهذا، عندما حاولت واشنطن زيادة الإنتاج بعد عام 2022، اكتشفت أن الطاقة الصناعية لا تستطيع مواكبة الطلب بسرعة.
4- الذخائر تخسر دائماً معركة الميزانية
يشير الباحثان إلى أن الذخائر غالباً ما تكون الضحية الأولى داخل ميزانية وزارة الحرب االأأميركية (البنتاغون).
فالجيش يفضل شراء:
- الطائرات.
- السفن.
- الدبابات.
لأنها تبقى في الخدمة لعقود وتمثل قوة ردع مرئية.
أما الصواريخ والذخائر، فتُخزن في المستودعات ولا تظهر قيمتها إلا عند اندلاع الحرب، ما يجعلها أقل أولوية خلال إعداد الميزانيات.
5- الحروب المتتالية استنزفت المخزون قبل إيران
يوضح التقرير أن استنزاف الذخائر بدأ قبل الحرب الحالية.
فخلال السنوات الأخيرة استخدمت الولايات المتحدة كميات كبيرة من الصواريخ في عدة عمليات، منها:
- الدفاع عن إسرائيل خلال المواجهات مع إيران عام 2024.
- العمليات ضد الحوثيين في البحر الأحمر.
- ضربات ضد تنظيم داعش في نيجيريا.
- عمليات عسكرية في فنزويلا.
- وأخيراً الحرب الحالية ضد إيران.
وبذلك جاءت حرب إيران لتضاعف الضغط على مخزونات كانت تتراجع بالفعل.
6- أوكرانيا ليست السبب الرئيسي… لكن هناك استثناءات
يفند التحليل الرواية التي تربط نقص الذخائر بالكامل بالمساعدات العسكرية لأوكرانيا.
ويؤكد أن معظم ما حصلت عليه كييف كان يتعلق بالحرب البرية، مثل:
- الدبابات.
- العربات المدرعة.
- المدفعية.
- الذخائر التقليدية.
- الأسلحة المضادة للدروع.
لكن هناك أربع منظومات فقط أثرت فعلاً في المخزون الأميركي المرتبط بالحروب الحديثة، أبرزها:
- صواريخ باتريوت، حيث أرسلت واشنطن نحو 600 صاروخ إلى أوكرانيا.
- صواريخ أتاكمز بعيدة المدى.
- صواريخ هارم المضادة للرادارات.
- صواريخ ستينغر المحمولة للدفاع الجوي.
ويعتبر الباحثان أن صواريخ باتريوت تمثل اليوم أكثر نقاط الضعف إلحاحاً، لأن الولايات المتحدة تواصل استخدامها بكثافة أيضاً في الحرب ضد إيران.
هل تواجه الولايات المتحدة أزمة حقيقية؟
يرى التحليل أن استخدام الذخائر ليس مشكلة بحد ذاته، فهي صُنعت أساساً للاستخدام في الحروب.
لكن السؤال الحقيقي هو: هل يستحق المكسب العسكري الحالي المخاطرة بإضعاف جاهزية الولايات المتحدة لأي صراع أكبر في المستقبل؟
ويصف الباحثان هذه المعضلة بأنها قرار سياسي واستراتيجي أكثر من كونها مشكلة عسكرية.
إعادة البناء بدأت… لكن النتائج تحتاج سنوات
يشير التقرير إلى أن إدارة بايدن بدأت بالفعل توسيع إنتاج الذخائر، ثم واصلت إدارة ترامب زيادة التمويل، ومن المتوقع أن يتسارع الإنتاج إذا أُقرت ميزانية عام 2027.
لكن المشكلة الأساسية ليست نقص الأموال، بل عامل الزمن.
فإنتاج الصواريخ المتطورة يستغرق عادة بين عامين وأربعة أعوام من توقيع العقد حتى التسليم، ما يعني أن الولايات المتحدة ستظل خلال السنوات المقبلة تعيش ما يسميه الباحثان “نافذة هشاشة” قد تتزامن مع أي أزمة دولية جديدة.
تراكمات امتدت منذ نهاية الحرب الباردة
يخلص التحليل إلى أن أزمة الذخائر الأميركية ليست وليدة حرب إيران، بل نتيجة تراكمات امتدت منذ نهاية الحرب الباردة، حين تقلصت المخزونات وتراجعت الطاقة الصناعية وأُعطيت الأولوية لمنصات القتال على حساب الذخائر.
ورغم أن واشنطن بدأت بالفعل توسيع الإنتاج، فإن استعادة المخزونات إلى مستويات مريحة ستستغرق سنوات، وهو ما يجعل إدارة الموارد العسكرية خلال المرحلة المقبلة تحدياً لا يقل أهمية عن إدارة المعارك نفسها.








