واشنطن وطهران تواصلان القتال رغم المفاوضات.. ما الذي يجري؟
أي هدنة هشة تصبح عرضة للانهيار بسبب خطأ ميداني أو تدخل طرف ثالث أو عملية ينفذها فاعل غير منضبط (كلاش بوينت)
يرى تحليل نشره مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في واشنطن أن المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران لا تعني انهيار المفاوضات بينهما، بل قد تكون جزءاً من عملية التفاوض نفسها.
ويطرح التحليل ، للباحثة المتخصصة في شؤون الاستخبارات والأمن القومي إيميلي هاردينغ، ما يعرف بمفهوم “التفاوض بالنار”)، معتبراً أن الطرفين يستخدمان الضربات العسكرية والرسائل الدبلوماسية بالتوازي لتعزيز موقفيهما التفاوضيين، وأن هذا الأسلوب قد يقود، على نحو متناقض، إلى تسوية أسرع إذا بقي ضمن حدود يمكن احتواؤها.
– القتال لا يعني نهاية الدبلوماسية
تقول هاردينغ إن الاعتقاد السائد بأن أي ضربة عسكرية تنهي فرص التفاوض ليس دقيقاً. فكلما تبادلت واشنطن وطهران الهجمات، يُعلن كثيرون وفاة المفاوضات، لكن الواقع – من وجهة نظرها – أن الطرفين يواصلان التفاوض عبر وسيلتين في آن واحد: القوة العسكرية والدبلوماسية.
– الحرب أداة سياسية وليست بديلاً عن السياسة
تستند الكاتبة إلى نظرية المفكر العسكري الألماني كارل فون كلاوزفيتز، الذي اعتبر أن الحرب هي “امتداد للسياسة بوسائل أخرى”. وبناءً على ذلك، فإن استهداف إيران لناقلة نفط أو منشآت بحرية، والرد الأميركي بضرب موانئ أو مواقع إيرانية، لا يعني توقف الحوار، بل يمثل شكلاً آخر من أشكال إيصال الرسائل السياسية والضغط على الطرف المقابل.
– هل “التفاوض بالنار” أكثر فعالية؟
تشير هاردينغ إلى أن النموذج التقليدي للمفاوضات يبدأ عادة بالسعي إلى وقف إطلاق النار قبل الانتقال إلى التسوية السياسية، إلا أن هذه العملية كثيراً ما تتعثر بسبب الخلافات على الشروط المسبقة، وقد تستغرق أشهراً أو سنوات.
وتستشهد بحرب فيتنام، حيث أمضت الأطراف 10 أسابيع في الخلاف على شكل طاولة المفاوضات في باريس، معتبرة أن مثل هذه التفاصيل قد تعطل العملية السياسية بأكملها.

– وقف إطلاق النار ليس دائماً الخيار الأفضل
وفق التحليل، فإن الأطراف المتحاربة غالباً لا تمتلك حافزاً حقيقياً لوقف القتال. فالطرف المتقدم ميدانياً لا يريد خسارة زخمه العسكري، بينما يعتقد الطرف الآخر أنه قد يحقق مكاسب إضافية إذا واصل القتال قبل الجلوس إلى طاولة التفاوض.
وترى الكاتبة أن أي هدنة هشة تصبح عرضة للانهيار بسبب خطأ ميداني أو تدخل طرف ثالث أو عملية ينفذها فاعل غير منضبط، ما يعيد الصراع إلى نقطة الصفر.
– كيف تطبق واشنطن وطهران هذا الأسلوب؟
ترى هاردينغ أن ما يجري حالياً بين الولايات المتحدة وإيران يمثل نموذجاً عملياً لـ”التفاوض بالنار”.
فالرئيس الأميركي دونالد ترامب يلوّح باستخدام قوة عسكرية ساحقة إذا استمرت الهجمات على الملاحة في مضيق هرمز، في محاولة لإجبار إيران على تقديم تنازلات من موقع القوة.
في المقابل، تحاول طهران إثبات أنها قادرة على تعطيل الملاحة في مضيق هرمز متى شاءت، وأن عامل الوقت يصب في مصلحتها، أملاً في انتزاع شروط تفاوضية أفضل.

– إيران تراهن على الصبر
يشير التحليل إلى أن إيران تتمتع بسمعة طويلة في المفاوضات باعتبارها شريكاً “صعباً”، إذ تراهن على عامل الزمن، وتمتلك – بحسب الكاتبة – القدرة السياسية على تحمل الضغوط الداخلية لفترات طويلة، إضافة إلى خبرة تفاوضية تجعلها تراهن على إنهاك خصومها بدلاً من التسرع في تقديم تنازلات.
– مخاطر هذا النهج
ورغم أن الكاتبة ترى في هذا الأسلوب وسيلة فعالة للتفاوض، فإنها تحذر من مخاطره، وفي مقدمتها سقوط ضحايا مدنيين واستمرار حالة عدم اليقين التي تضرب الاقتصاد العالمي مع كل موجة تصعيد.
كما ترى أن طهران قد تسيء تقدير حدود صبر واشنطن، ما قد يدفع الإدارة الأميركية إلى توجيه ضربات أكثر قسوة ضد أهداف مؤثرة اقتصادياً، مثل الجسور أو منشآت النفط، وهو ما قد يعرقل تعافي الاقتصاد الإيراني لسنوات.
وفي المقابل، قد تخطئ الولايات المتحدة في تقدير قدرة إيران على الصمود، إذ تعتبر القيادة الإيرانية أن الحفاظ على صورة “عدم الهزيمة” يمثل مسألة حيوية لبقائها السياسي، حتى لو استمرت الخسائر الاقتصادية.
– هل يتجه الصراع إلى حرب أوسع؟
تخالف هاردينغ الرأي القائل إن استمرار الضربات سيقود حتماً إلى حرب شاملة، معتبرة أن هذا الاحتمال غالباً ما يجري تضخيمه.
وتوضح أن وجود قنوات تفاوض مفتوحة بالتزامن مع العمليات العسكرية يوفر للطرفين حوافز للسيطرة على مستوى التصعيد، خلافاً لما يحدث عندما تنعدم الاتصالات السياسية بالكامل.
الخلاصة
تخلص الباحثة إلى أن الولايات المتحدة وإيران ستواصلان، على الأرجح، استخدام القوة العسكرية والتفاوض في الوقت نفسه، لأن كلاً منهما يرى في الضربات العسكرية وسيلة لتعزيز موقعه على طاولة المفاوضات. وترى أن أفضل فرصة للوصول إلى سلام مستدام في الخليج تكمن في استمرار الحوار رغم استمرار القتال، بدلاً من انتظار توقف العمليات العسكرية بشكل كامل قبل استئناف التفاوض.
حول هذه القصة
فانس أبدى خلال اجتماع يوم الجمعة مخاوف واضحة من المضي في تصعيد الحرب ضد إيران (البيت الأبيض)
عدم وجود هجوم مباشر على الأراضي الأميركية، ما جعل حرب إيران تُصنف اختيارية وليست ردًا على اعتداء (البيت الأبيض)
القواعد الأميركية في المنقطة باتت أهدافًا مباشرة للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية ( تسنيم)