مداهمات الفساد في العراق.. بداية حرب حقيقية أم استعراض سياسي للزيدي؟

يوليو 1, 2026
120

نجاح الحملة سيُقاس عبر تحويل الاعتقالات إلى محاكمات وعدم توقفها عند الشخصيات الأقل نفوذاً (منصات التواصل)

يرى تقرير نشره موقع “ذا ميديا لاين” الأميركي أن حملة الاعتقالات الواسعة التي شهدتها المنطقة الخضراء في بغداد تمثل أول اختبار كبير لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي منذ توليه منصبه في مايو/أيار، لكنها تثير في الوقت نفسه تساؤلات حول ما إذا كانت بداية مواجهة حقيقية مع شبكات الفساد المتجذرة، أم مجرد تحرك محدود يسبق زيارته المرتقبة إلى واشنطن.

حملة غير مسبوقة داخل المنطقة الخضراء

يشير التقرير إلى أن قوات عراقية، بينها وحدات من جهاز مكافحة الإرهاب، نفذت مداهمات ليلية داخل المنطقة الخضراء، أسفرت عن اعتقال عشرات السياسيين والمسؤولين الحكوميين، بينهم نواب حاليون وسابقون، استناداً إلى مذكرات قضائية تتعلق بقضايا فساد.

وبحسب وكالة الأنباء العراقية، بلغ عدد الموقوفين 47 شخصاً في المرحلة الأولى، بينهم 12 نائباً في البرلمان، ونائب سابق، ومستشار لرئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني، ومسؤول كبير في وزارة النفط.

وأوضح التقرير أن التحقيقات تركز على شبهات استخدام موارد الدولة في الحملات الانتخابية، واستغلال العقود الحكومية لتحقيق مكاسب شخصية وتمويل سياسي.

اختبار مبكر لحكومة الزيدي

يرى التقرير أن العملية تمنح حكومة الزيدي فرصة لإظهار الجدية في مكافحة الفساد، لكنها تفتح في المقابل سؤالاً أساسياً:

هل تستهدف الحملة فعلاً شبكات الفساد الكبرى المرتبطة بالفصائل المسلحة والقوى المدعومة من إيران، أم أنها تقتصر على شخصيات أقل نفوذاً لامتصاص الغضب الشعبي وإرضاء الشركاء الدوليين؟

توقيت حساس قبل زيارة واشنطن

ويكتسب توقيت الحملة أهمية خاصة، إذ تأتي قبل زيارة مرتقبة للزيدي إلى واشنطن منتصف يوليو/تموز، تهدف إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية مع الولايات المتحدة.

ويشير التقرير إلى أن واشنطن لا تركز فقط على مكافحة الفساد، بل تربط هذا الملف بجهودها الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة، وتقليص نفوذ الفصائل المسلحة الموالية لإيران، والحد من النفوذ الإيراني داخل العراق.

ملف النفط في دائرة الضوء

ويلفت التقرير إلى أن اعتقال علي معارج، وكيل وزير النفط لشؤون التوزيع، منح العملية بعداً إضافياً، خاصة أنه كان قد خضع لعقوبات أميركية في مايو/أيار الماضي بتهم تتعلق بتهريب النفط العراقي وخلط النفط الإيراني بالنفط العراقي للالتفاف على العقوبات، وهي اتهامات نفتها وزارة النفط العراقية.

ومع ذلك، يؤكد التقرير أن الحملة لم تستهدف حتى الآن الشخصيات الأكثر نفوذاً داخل الفصائل المسلحة أو القيادات السياسية المرتبطة بإيران.

محلل: “الحيتان الكبيرة” ما زالت بعيدة

ونقل التقرير عن المحلل السياسي طلحة عبد الرزاق قوله إن نجاح الحملة لن يُقاس بعدد المداهمات أو الاعتقالات، وإنما بالأسماء التي لم تُمس حتى الآن.

وقال: “إذا أراد الزيدي إحداث تغيير حقيقي، فعليه أن يستهدف الحيتان الكبيرة للفساد التي هيمنت على العراق منذ عام 2003.”

واعتبر أن العملية تهدف حتى الآن إلى إظهار صورة إصلاحية أكثر من كونها مواجهة فعلية مع مراكز النفوذ، واصفاً المعتقلين بأنهم “شخصيات يمكن الاستغناء عنها”.

كما رأى أن استخدام جهاز مكافحة الإرهاب يحمل بعداً استعراضياً لإظهار قدرة رئيس الوزراء على استخدام مؤسسات الدولة ضد خصومه السياسيين.

رأي آخر: الحملة منحت الزيدي زخماً

في المقابل، قدم المحلل السياسي الفاضل أحمد قراءة أكثر تحفظاً، معتبراً أن الحملة منحت حكومة الزيدي زخماً سياسياً وشعبياً، لكنه شدد على أن الحكم النهائي يتوقف على الخطوات المقبلة.

وأوضح أن المعتقلين حتى الآن ينتمون في الغالب إلى شخصيات سنية أو مقربين من الحكومة السابقة، مؤكداً أن النوايا الحقيقية ستتضح إذا امتدت التحقيقات إلى شخصيات أكثر نفوذاً.

وأضاف أن استخدام الدبابات ووحدات مكافحة الإرهاب كان يهدف أيضاً إلى إرسال رسالة قوية للرأي العام، رغم أن معظم المعتقلين لا يتمتعون بحماية من فصائل مسلحة.

هل هي رسالة إلى واشنطن؟

ويخلص التقرير إلى أن الحملة قد تكون محاولة لإظهار استجابة بغداد للمطالب الأميركية المتعلقة بالإصلاح ومحاربة الفساد، إلا أن مصيرها سيعتمد على المرحلة المقبلة.

فإذا توقفت الاعتقالات عند شخصيات متوسطة أو خصوم سياسيين، فقد تُفسر على أنها تحرك سياسي محدود يهدف إلى تحسين صورة الحكومة قبل زيارة واشنطن.

أما إذا توسعت لتشمل شبكات النفوذ الاقتصادي والسياسي النافذة، فقد تمثل بداية تحول حقيقي في مسار مكافحة الفساد في العراق.

خلاصة التقرير

يرى التقرير أن حملة “صولة الفجر” خلقت ثلاث روايات متوازية:

  • رواية الحكومة: العراق بدأ أخيراً مواجهة الفساد.
  • رواية الشارع: ترقب وحذر بسبب تجارب الإصلاح السابقة التي لم تكتمل.
  • رواية المحللين: نجاح الحملة مرهون بمدى قدرتها على الوصول إلى مراكز القوة السياسية والاقتصادية التي بقيت بمنأى عن المساءلة طوال السنوات الماضية.

ويختتم التقرير بالتأكيد أن ما جرى حتى الآن ليس نهاية القصة، بل بداية اختبار حقيقي لحكومة علي الزيدي، لمعرفة ما إذا كانت ستخوض مواجهة فعلية مع منظومة الفساد، أم ستكتفي بإدارة المشهد وإظهار صورة إصلاحية أمام واشنطن والرأي العام.

تقرير استخباراتي

وفي السياق نفسه يرى تقرير صادر عن مؤسسة “تالوس لتحليل المخاطر والتهديدات” أن السلطات العراقية أطلقت واحدة من أوسع العمليات الأمنية لمكافحة الفساد منذ سنوات تحت اسم “عملية صولة الفجر”، مستهدفة شخصيات سياسية ونيابية وحكومية بارزة، في حملة وصفها بأنها قد تمثل بداية مرحلة جديدة من ملاحقة شبكات الفساد، مع توقعات باعتقالات إضافية خلال الفترة المقبلة.

بحسب التقرير، انطلقت العملية قبل فجر 28 يونيو/حزيران داخل المنطقة الخضراء في بغداد، ثم توسعت سريعاً إلى أحياء العاصمة وعدد من المحافظات.

وأشار إلى أن الأجهزة الأمنية اعتقلت خلال الساعات الأربع والعشرين الأولى 67 شخصاً، بينهم سياسيون ونواب وموظفون حكوميون ورجال أعمال، بتهم تتعلق بالفساد المالي واختلاس المال العام والإثراء غير المشروع.

وفي المقابل، أكد المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي تنفيذ 21 مذكرة اعتقال ضمن العملية، موضحاً أن عدداً آخر من المطلوبين ما زالوا متوارين عن الأنظار.

التحقيقات بدأت باعترافات وكيل وزير النفط

يقول التقرير إن الحملة استندت إلى اعترافات وكيل وزير النفط السابق عدنان الجميلي، الذي اعتُقل في مايو/أيار الماضي، حيث تحولت قضيته إلى محور تحقيق أوسع في شبكات يشتبه بتورطها في إساءة استخدام الأموال العامة، والتلاعب بالعقود الحكومية، وتمويل الحملات الانتخابية.

ويضيف أن التحقيقات بدأت منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025 بعد ورود معلومات عن إنفاق انتخابي غير اعتيادي واستخدام موارد الدولة لدعم بعض المرشحين.

شخصيات بارزة شملتها الحملة

أورد التقرير قائمة بأسماء عدد من المعتقلين، من أبرزهم:

  • رئيس تحالف عزم مثنى السامرائي.
  • النواب زياد الجنابي، بهاء النوري، محمد الكربولي، عالية نصيف، محمد جميل المياحي، حسن الخفاجي، هند العباسي وآخرون.
  • وكيل وزير النفط لشؤون التوزيع علي معارج البهادلي.
  • المستشار الحكومي السابق إبراهيم السميدعي.

في المقابل، نفى المكتب الإعلامي لوزير المالية السابق طيف سامي صحة الأنباء التي تحدثت عن اعتقاله أو مغادرته العراق.

استهداف مختلف القوى السياسية

يلفت التقرير إلى أن العملية طالت شخصيات من قوى سنية وشيعية، وهو ما يمنحها، بحسب وصفه، طابعاً مؤسسياً يتجاوز الاستهداف الحزبي الضيق، رغم توقعه أن تكون لها تداعيات سياسية كبيرة بسبب ارتباط ملفات الفساد بالانتخابات والتمويل السياسي والعقود الحكومية.

وأشار إلى أن تحالف عزم أعلن ثقته بالقضاء العراقي وتعهد بالتعاون مع التحقيقات، داعياً إلى عدم تسييس القضية أو إصدار أحكام مسبقة.

انتشار أمني واسع في بغداد والمحافظات

يؤكد التقرير أن السلطات أغلقت جميع مداخل المنطقة الخضراء قبل تنفيذ المداهمات، ونشرت آليات مدرعة وقوات من جهاز مكافحة الإرهاب، بعد ورود معلومات عن فرار بعض المطلوبين.

كما امتدت العمليات إلى الأنبار، وميسان، وصلاح الدين، وذي قار، وكركوك، وأربيل، ودهوك، وشملت مداهمات لمقار سياسية، ومزارع، ومنشآت نفطية، إلى جانب استخدام طائرات مسيرة لمراقبة بعض المناطق.

وأشار التقرير أيضاً إلى اعتقال مطلوبين أثناء محاولتهم مغادرة العراق عبر مطار أربيل الدولي، قبل نقلهم إلى بغداد.

قطاع النفط في قلب التحقيقات

اعتبر التقرير أن توقيف علي معارج البهادلي وكيل وزير النفط يمثل تطوراً بالغ الأهمية لأنه يربط حملة مكافحة الفساد مباشرة بقطاع النفط، المصدر الرئيس لإيرادات الدولة العراقية.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة فرضت عقوبات على البهادلي في مايو/أيار الماضي، متهمة إياه بالمساعدة في خلط النفط الإيراني بالنفط العراقي للالتفاف على العقوبات، وهي اتهامات سبق أن نفتها وزارة النفط العراقية.

ويرى التقرير أن التحقيق قد يتوسع ليشمل شبكات مرتبطة بعقود النفط، وتوزيع الوقود، والتهريب، والحماية السياسية.

الحكومة: هذه المرحلة الأولى فقط

ينقل التقرير عن الحكومة العراقية تأكيدها أن العملية نُفذت بالتنسيق مع مجلس القضاء الأعلى ومجلس النواب وهيئة النزاهة، واستندت إلى اعترافات الجميلي، ولا علاقة لها بزيارة رئيس الوزراء علي الزيدي المرتقبة إلى واشنطن.

كما أعلن العبودي أن الحكومة أنشأت حساباً خاصاً في وزارة المالية لإيداع الأموال المستردة من قضايا الفساد، مؤكداً أن التحقيقات كشفت شبكة واسعة لاختلاس المال العام، وأن “صولة الفجر” تمثل المرحلة الأولى من حملة أشمل.

وأضاف أن الحكومة حددت 30 سبتمبر/أيلول موعداً نهائياً لنقل جميع الأسلحة إلى سيطرة الدولة، في إشارة إلى تزامن ملف مكافحة الفساد مع جهود حصر السلاح بيد الحكومة.

دعم شعبي وسياسي

رصد التقرير تظاهرات ومواقف داعمة للحملة، أبرزها دعوة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر العراقيين إلى تنظيم تظاهرات سلمية في 3 يوليو/تموز دعماً للقضاء والأجهزة الأمنية وهيئة النزاهة وجهاز مكافحة الإرهاب.

كما أشار إلى تنظيم تجمعات شعبية في محافظة المثنى تأييداً للحملة.

ماذا يتوقع التقرير؟

يرى التقرير أن نجاح الحملة سيُقاس خلال الأسابيع المقبلة عبر عدة مؤشرات، أبرزها:

  • تحويل الاعتقالات إلى محاكمات رسمية وشفافة وعدم توقفها عند الشخصيات الأقل نفوذاً.
  • استمرار استهداف شخصيات من مختلف القوى السياسية، بما يمنع اتهام الحملة بالانتقائية.
  • إدارة الأموال والأصول المصادرة، ومن بينها نحو 86 مليون دولار مرتبطة بقضية الجميلي، عبر الحساب الحكومي الجديد بشفافية.
  • اتساع التحقيقات في ملف نائب وزير النفط علي معارج البهادلي، وما قد يكشفه من شبكات مرتبطة بعقود النفط والتهريب.
  • استمرار الحملة بمراحل جديدة، بعدما أكدت الحكومة أنها ليست سوى المرحلة الأولى، وهو ما يرجح، بحسب التقرير، تنفيذ اعتقالات إضافية قد تطال شخصيات أكثر نفوذاً خلال الفترة المقبلة.المصادر/ موقع “ذا ميديا لاين” الأميركي – مؤسسة “تالوس لتحليل المخاطر والتهديدات”

حول هذه القصة

الزيدي أكد أن أي مسؤول فاسد داخل مؤسسات الدولة لن يتمتع بأي حصانة ( وكالة الأنباء العراقية)

حرب الفساد تتسع في العراق.. الزيدي يتوعد والصدر يدخل على الخط

كيف دعمت واشنطن حملة “صولة الفجر” ضد الفساد في العراق؟

مصادر رفيعة تحدثت عن اعتقال 47 متهماً من نواب ومسؤولين بتهم فساد

زلزال فساد يهز العراق.. اعتقال نواب ومسؤولين كبار

اترك تعليقاً