تناولت صحيفة “يو إس إيه توداي” الأميركية، اليوم الخميس، آخر تطورات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران بعد قرابة ستة أشهر على اندلاعها، وخلصت إلى نتيجة لافتة: لا منتصر واضحاً حتى الآن، وربما لا يستطيع أي من الطرفين تحقيق نصر حاسم بالمفهوم التقليدي.
فواشنطن تمتلك تفوقاً عسكرياً هائلاً ونجحت في إلحاق أضرار كبيرة بإيران، لكنها لم تتمكن حتى الآن من تحويل هذا التفوق إلى مكاسب سياسية دائمة. أما طهران، فتعتمد استراتيجية مختلفة: الصمود وإطالة أمد الحرب ورفع كلفتها على الولايات المتحدة وحلفائها.
تفوق أميركي.. من دون حسم
يشير التقرير إلى أن الضربات الأميركية، التي بدأت بالتنسيق مع إسرائيل، تمكنت من ضرب القيادة الإيرانية وإلحاق أضرار بالبرامج النووية والصاروخية، لكنها لم تُسقط النظام ولم تدمر قدراته العسكرية والنووية بالكامل.
كما بقي مضيق هرمز ورقة ضغط رئيسية في يد طهران. ورغم أن الدوريات البحرية الأميركية أحرزت بعض التقدم في تمرير السفن، فإن حركة الملاحة عبر الممر الحيوي للنفط والغاز العالميين لا تزال تواجه عراقيل كبيرة.
ويرى محللون أن هذا هو جوهر المأزق الأميركي: واشنطن تستطيع ضرب إيران بقوة، لكنها لم تجد حتى الآن الطريقة التي تجبرها بها على الاستسلام أو قبول شروطها.
إيران تراهن على الانتصار بالبقاء
في المقابل، لا تحتاج إيران بالضرورة إلى هزيمة الجيش الأميركي كي تعتبر نفسها منتصرة. فبحسب التقرير، قد يكون مجرد بقاء النظام وقدرته على مواصلة القتال والضغط بعد ستة أشهر كافياً لتقويض أهداف واشنطن.
ويقول المحلل أوميد معماريان إن الحرب غير تقليدية ولا يمكن قياسها فقط بمن يسيطر على الأرض، لأن الطرفين يفرضان تكاليف على بعضهما بوسائل مختلفة.
إيران تستخدم مضيق هرمز، وتهديد الملاحة، والصواريخ والمسيّرات والهجمات السيبرانية، فيما تستخدم الولايات المتحدة تفوقها العسكري والعقوبات الاقتصادية.
واشنطن تنقل المعركة إلى الاقتصاد
بعد تعثر الحسم العسكري، بدأت الولايات المتحدة تكثيف الضغط الاقتصادي. وفي 24 أغسطس/آب أعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت عقوبات جديدة قال إنها تستهدف «قطع كل شريان اقتصادي» يدعم إيران، وتشمل الجهات والدول التي تتعامل مع قطاعات الطيران والشحن والتكنولوجيا الإيرانية.
لكن هذه السياسة تحمل مخاطرة أخرى، وفق التقرير: كلما اشتد الخناق الاقتصادي على إيران، زادت احتمالات ردها بالتصعيد العسكري أو السيبراني.
ويرى الباحث دانيال ديبيتريس أن طهران قد تلجأ إلى إرسال مزيد من المسيّرات وصواريخ كروز ضد دول الخليج، أو استخدام الهجمات الإلكترونية ضد أهداف غربية، بدلاً من فتح جبهة عسكرية تقليدية في أوروبا.
الاقتصاد العالمي يدفع الثمن
المأزق لم يعد محصوراً بين طهران وواشنطن. فالحرب أحدثت اضطرابات كبيرة في أسواق الطاقة، وبقيت أسعار النفط مرتفعة، بينما زاد التضخم وتباطأ النمو الاقتصادي.
أما داخل إيران، فالأزمة أشد. وينقل التقرير عن معماريان أن تكاليف النقل تضاعفت أربع مرات، فيما أصبحت الأسعار تتغير بسرعة كبيرة. وضرب مثالاً بمحل للسندويتشات في طهران يعرض أسعاره على شاشة رقمية قرب صندوق الدفع، بحيث تتغير باستمرار كما لو كانت أسعار أسهم في البورصة.
خسائر بشرية وسياسية
بحسب الأرقام التي يوردها التقرير، قُتل ما لا يقل عن 18 عسكرياً أميركياً، بينما تقدر الأمم المتحدة مقتل 3375 مدنياً إيرانياً على الأقل، بينهم نحو 500 امرأة.
وفي الوقت نفسه، ألحقت الصواريخ والمسيّرات الإيرانية أضراراً بمواقع استخبارية ومعدات مراقبة أميركية في المنطقة.
لكن الولايات المتحدة تواجه أيضاً كلفة سياسية. فاستطلاعات الرأي، وفق «يو إس إيه توداي»، تظهر تراجع التأييد الأميركي للحرب وتضرر شعبية الرئيس دونالد ترامب، خصوصاً مع ارتفاع أسعار الوقود والغذاء وعدم تحقق أهداف رئيسية مثل تسليم إيران قدراتها الخاصة بتخصيب اليورانيوم أو إعادة فتح مضيق هرمز بصورة كاملة.
نتيجة عكسية داخل إيران؟
يلفت التقرير إلى مفارقة أخرى. ففي بداية الحرب، راهن بعض خصوم الحكومة الإيرانية على أن مقتل كبار قادته العسكريين والدينيين والضربات المكثفة قد تؤدي إلى انهياره، حتى إن ترامب تحدث لفترة عن احتمال «تغيير النظام».
لكن ذلك لم يحدث.
ومع ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين وتدمير المنازل والبنية التحتية، يقول التقرير إن قطاعات من الإيرانيين أصبحت أكثر تشككاً في أهداف الولايات المتحدة. ويذهب الأكاديمي الإيراني الأميركي محمد مرندي، المقرب من الحكومة الإيرانية، إلى القول إن الحرب أضرت بصورة واشنطن داخل إيران بدرجة كبيرة، ويخلص من جانبه إلى أن «إيران هي التي تنتصر».
معيار الانتصار
ويخلص تقرير «يو إس إيه توداي» إلى أن معيار الانتصار يختلف بين الطرفين. الولايات المتحدة تحتاج إلى نتائج سياسية ملموسة تبرر تفوقها العسكري والكلفة التي تتحملها، بينما تستطيع إيران خفض سقف «النصر» إلى مجرد الصمود ومنع واشنطن من تحقيق أهدافها.
ولهذا تحولت الحرب، بعد ستة أشهر، من محاولة للحسم العسكري إلى صراع إرادات واستنزاف اقتصادي وعسكري وسياسي. والسؤال لم يعد فقط: من الأقوى؟ بل من يستطيع تحمل الكلفة مدة أطول، ومن سيجد أولاً مخرجاً من حرب لا تبدو لها نهاية واضحة؟









