أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
سياحة وسفر

نهر وجندول وأزقة عثمانية.. لماذا لا يعرف السياح هذه المدينة التركية؟

نهر وجندول وأزقة عثمانية.. لماذا لا يعرف السياح هذه المدينة التركية؟

في ظهيرة مشمسة، تتساقط أوراق الأشجار على ضفاف نهر «بورسوك»، فيما تتحرك القوارب فوق مياهه وسط مدينة تبدو بعيدة في إيقاعها عن صخب إسطنبول وشواطئ أنطاليا المزدحمة. هنا تقع إسكي شهير، المدينة التركية التي يشقها النهر، فيما تحتفظ أزقتها القديمة بملامح من تاريخها العثماني.

وعلى الرغم من أن اسم إسكي شهير يعني بالتركية «المدينة القديمة»، فإن أول ما يلفت الانتباه فيها هو إيقاعها السريع؛ شوارع نظيفة وأرصفة واسعة وجامعات تركت بصمتها على الحياة اليومية، مع طلاب ينتشرون في المقاهي والمكتبات وضفاف النهر. لكن خلف هذا الإيقاع العصري، تحتفظ أحياء المدينة القديمة بحكايات وعمارة تعود إلى قرون مضت.

وتزداد جاذبية إسكي شهير بسهولة الوصول إليها؛ إذ يمكن بلوغها بالقطار السريع من أنقرة في نحو ساعتين، كما ترتبط بإسطنبول بالقطارات، ما يجعلها خياراً لمن يبحث عن وجه مختلف لتركيا، بعيداً عن مدنها الأكثر ازدحاماً بالسياح.

حي بيوت أودونبازاري المعروف بمنازله العثمانية المحافظة على طابعها التاريخي، وأزقته المرصوفة بالحجارة ( أوج 24)
حي بيوت أودونبازاري المعروف بمنازله العثمانية الملونة المحافظة على طابعها التاريخي، وأزقته المرصوفة بالحجارة ( أوج 24)

أودون بازاري.. مدينة عثمانية داخل المدينة

لفهم الوجه القديم لإسكي شهير، تبدو البداية الطبيعية من أودون بازاري، الحي التاريخي الذي يشبه متحفاً مفتوحاً للعمارة العثمانية.

على جانبي الأزقة الحجرية تتجاور المنازل الخشبية بواجهاتها الملونة بالأصفر والأزرق والأحمر، فيما تطل النوافذ الصغيرة والشرفات من الطوابق العليا على الممرات الضيقة.

لكن الحي ليس مجرد واجهات تصلح للصور. بين البيوت تنتشر المقاهي ومحال الحرفيين ومتاجر الهدايا، لتبقى المنطقة جزءاً حياً من المدينة بدلاً من أن تتحول إلى أثر تاريخي معزول.
وفي المقاهي القديمة، يمكن التوقف لتناول القهوة التركية قبل مواصلة السير بين المباني التي تحتفظ بشيء من إيقاع الحياة العثمانية القديمة.

نهر بورسوك يمثل وجه إسكي شهير الحديث
نهر بورسوك يمثل وجه إسكي شهير الحديث ( أوج 24)

بورسوك.. النهر الذي غيّر وجه المدينة

إذا كان أودونبازاري يحتفظ بذاكرة إسكي شهير، فإن نهر بورسوك يمثل وجهها الحديث.

يشق النهر قلب المدينة، وعلى ضفتيه تمتد مسارات المشاة والمقاهي والمطاعم، بينما تتحرك القوارب، ومن بينها قوارب مصممة على هيئة الجندول، فوق المياه.

هذا المشهد هو الذي يدفع أحياناً إلى تشبيه إسكي شهير بالبندقية، وإن كانت المدينة تحتفظ بشخصيتها الأناضولية الخاصة.

ومع المساء، تصبح منطقة النهر واحدة من أكثر أجزاء المدينة حيوية. تضاء الجسور وتنعكس الأنوار على المياه، فيما تمتلئ الضفاف بالطلاب والعائلات والزوار.

هنا لا يبدو النهر مجرد معلم طبيعي، بل جزءاً من الحياة اليومية للمدينة؛ مكاناً للمشي والجلوس وتناول الطعام ومراقبة الحركة التي تستمر حتى ساعات المساء.

سازوفا.. قلعة خرجت من كتاب للأطفال

على الجانب الآخر من إسكي شهير تظهر مدينة مختلفة تماماً في حديقة سازوفا للعلوم والفنون والثقافة.

أبرز معالمها «القلعة الخيالية» ذات الأبراج والقباب الملونة، التي تبدو كما لو أنها خرجت من إحدى قصص الأطفال.

وتضم الحديقة أيضاً بحيرة وسفينة قراصنة ومرافق علمية وثقافية ومساحات خضراء واسعة، ما جعلها واحدة من الوجهات البارزة للعائلات.

والفكرة هنا تتجاوز الحديقة التقليدية؛ إذ تجمع سازوفا بين الترفيه والتعليم والثقافة في مساحة واحدة، وتكشف جانباً من التحول الذي شهدته إسكي شهير خلال العقود الأخيرة.

الزجاج والفن في قلب الحي القديم

العودة إلى أودونبازاري تكشف طبقة أخرى من شخصية المدينة.

فهنا يقع متحف فن الزجاج المعاصر، حيث تتحول مادة ارتبطت بالصناعات التقليدية إلى أعمال فنية حديثة تعتمد على اللون والضوء والتشكيل.

وعلى مسافة قريبة يقف مجمع كورشونلو العثماني، العائد إلى القرن السادس عشر، بمسجده ومبانيه التاريخية.

هذا التجاور بين متحف للفن المعاصر ومجمع عثماني عمره قرون يلخص جانباً أساسياً من إسكي شهير: المدينة لا تفصل بسهولة بين القديم والجديد، بل تضعهما جنباً إلى جنب.

حجر أبيض أصبح جزءاً من هوية المدينة

في بازار أتليهان للحرف اليدوية تظهر حرفة ارتبطت باسم إسكي شهير طويلاً.

إنه حجر الرغوة أو الميرشوم، وهو حجر أبيض لين نسبياً عند استخراجه، ما يسمح للحرفيين بنحته وتحويله إلى قطع زخرفية وهدايا وتحف دقيقة.

وفي متاجر البازار يمكن مشاهدة نماذج من هذه الصناعة التي أصبحت واحدة من العلامات الثقافية للمدينة.

وبدلاً من الاكتفاء بشراء تذكار، يمنح المكان الزائر فرصة للتعرف إلى حرفة محلية ما زالت تحاول الاحتفاظ بمكانها وسط المنتجات السياحية الحديثة.

وجوه تركية وعالمية من الشمع

ولمن يريد الابتعاد قليلاً عن التاريخ العثماني، يقدم متحف يلماز بيوكيرشن للشمع تجربة مختلفة، عبر مجموعة من التماثيل التي تجسد شخصيات تركية وعالمية من مجالات السياسة والفن والثقافة والتاريخ.

وقد أصبح المتحف من المحطات المعروفة لدى زوار المدينة، خصوصاً للراغبين في تجربة خفيفة بعد جولة طويلة بين الأزقة والمتاحف.

مدينة قديمة بروح شابة

المفارقة في إسكي شهير أن اسمها يعني «المدينة القديمة»، بينما أحد أكثر الأشياء وضوحاً فيها هو شبابها.

الجامعات وأعداد الطلاب الكبيرة تركت بصمتها على المقاهي والمكتبات والحياة الثقافية وشوارع وسط المدينة. ولذلك يمكن الانتقال خلال يوم واحد من بيت عثماني عمره قرون إلى مقهى حديث على النهر، ثم إلى متحف للفن المعاصر أو حديقة ترفيهية ضخمة.

وهذا المزيج تحديداً هو ما يمنح المدينة خصوصيتها. فهي ليست وجهة تاريخية فقط، ولا مدينة جامعية حديثة فقط، ولا منتجعاً قائماً على النهر، بل مزيج من العناصر الثلاثة.

 

متى تذهب وكيف تتنقل؟

يُعد الربيع والخريف من الفترات المناسبة لاكتشاف إسكي شهير سيراً على الأقدام، عندما تكون درجات الحرارة أكثر اعتدالاً وتكتسب الحدائق وضفاف بورسوك ألواناً مختلفة.

وتساعد شبكة الترام في التنقل بين أجزاء المدينة، فيما يمكن استكشاف مناطق واسعة من المركز وأودونبازاري سيراً.

كما تمنح القطارات السريعة إسكي شهير ميزة مهمة، إذ تجعلها قابلة للإضافة إلى رحلة تشمل أنقرة أو إسطنبول من دون الحاجة إلى رحلة جوية داخلية.

أما الطعام، فبدلاً من الاكتفاء بالمطاعم المطلة على النهر، يمكن الدخول إلى الشوارع الجانبية وتجربة المطاعم المحلية الصغيرة، حيث تظهر جوانب أخرى من المطبخ الأناضولي بأسعار أقل عادة من المناطق السياحية الرئيسية.

مدينة لا تحتاج إلى استعجال

لا تمتلك إسكي شهير معلماً واحداً بحجم آيا صوفيا، ولا شواطئ تنافس أنطاليا، وربما تكمن جاذبيتها في ذلك تحديداً.

فالمدينة لا تطلب من زائرها الركض بين قائمة طويلة من «المعالم التي يجب رؤيتها». متعتها تأتي من المشي على ضفاف بورسوك، والدخول إلى أزقة أودونبازاري، ومراقبة الحرفيين، والجلوس في مقهى، ثم عبور جسر إلى وجه آخر مختلف تماماً.

وفي بلد تتصدر فيه مدن قليلة معظم الخرائط السياحية، تقدم إسكي شهير تجربة أكثر هدوءاً: نهر وجندول وأزقة عثمانية ومدينة جامعية شابة، تجتمع كلها في مكان واحد وسط الأناضول.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.