بعد اثني عشر عاماً على اجتياح تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” قضاء سنجار بمحافظة نينوى شمال العراق، لا تزال الإبادة الجماعية التي تعرض لها الإيزيديون واحدة من أكثر صفحات العراق المعاصر إيلاماً وتعقيداً. فالقضية لم تعد مرتبطة فقط باستذكار آلاف الضحايا، بل بمصير المفقودين، وفتح المقابر الجماعية، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وإعادة النازحين، وإنهاء الصراع على إدارة سنجار وأمنها.
وفي الذكرى السنوية للهجوم الذي بدأ في الثالث من أغسطس/آب 2014، جدّدت مؤسسات عراقية وكردستانية تعهداتها بمواصلة البحث عن المختطفين، وإنصاف الناجين، وتنفيذ اتفاق سنجار. لكن الفجوة ما تزال واسعة بين البيانات الرسمية والواقع الذي يعيشه آلاف الإيزيديين داخل المخيمات أو في دول الشتات.

ماذا حدث في سنجار؟
في صيف عام 2014، كان تنظيم «داعش» قد سيطر على الموصل ومناطق واسعة من شمال العراق عندما اندفع مقاتلوه نحو سنجار، الموطن التاريخي للإيزيديين.
أسفر الهجوم عن مقتل آلاف المدنيين وخطف آلاف آخرين، معظمهم من النساء والأطفال، بينما فر عشرات الآلاف نحو جبل سنجار ومناطق إقليم كردستان وسوريا. كما تعرضت القرى والمزارات الدينية والمنازل والبنى التحتية لدمار واسع.
وتشير تقديرات جهات رسمية كردستانية إلى أن التنظيم اختطف 6417 إيزيدياً خلال الهجوم. وتمكنت فرق الإنقاذ، حتى مايو/أيار 2026، من تحرير أو استعادة 3594 منهم، فيما لا يزال مصير 2823 شخصاً مجهولاً.
وتختلف الأرقام بين المؤسسات تبعاً لطريقة التوثيق وتوقيت الإحصاء، إذ تشير جهات أخرى إلى بقاء أكثر من 2700 إيزيدي في عداد المفقودين. لكن هذا الاختلاف لا يغير جوهر القضية: آلاف العائلات ما تزال تنتظر خبراً حاسماً عن أبنائها بعد مرور أكثر من عقد.

لماذا عُدّت الجرائم إبادة جماعية؟
لم تكن الانتهاكات التي ارتكبها «داعش» في سنجار أعمال عنف عشوائية أو نتيجة جانبية للقتال، بل جاءت ضمن حملة منظمة استهدفت الإيزيديين بسبب هويتهم الدينية.
وشملت الحملة القتل الجماعي، والخطف، والتهجير القسري، وتفكيك العائلات، وتدمير المزارات والأماكن الدينية، ومحاولة إرغام أفراد من المجتمع الإيزيدي على التخلي عن معتقداتهم.
ولهذا صنفت الأمم المتحدة وعدد من الدول والمؤسسات الدولية ما جرى باعتباره إبادة جماعية، أي محاولة لتدمير جماعة دينية أو عرقية، كلياً أو جزئياً، من خلال القتل أو الإيذاء أو النقل القسري أو غيرها من الأفعال المحظورة دولياً.
ويطلق الإيزيديون على هذه المأساة اسم «الفرمان الرابع والسبعين»، في إشارة إلى سلسلة طويلة من حملات الاضطهاد التي يقولون إن مجتمعهم تعرض لها عبر التاريخ.
August 3 marks twelve years since the Kurdish Yazidi Genocide.
Twelve years have passed, yet the voices of Shingal still echo through history. We still hear a child crying for their mother. We still hear a mother’s desperate plea: “He’s just a child…”hoping that somewhere, in… pic.twitter.com/uSveln6z51
— Negin Partovi (@NeginPartovi1) August 2, 2026
المقابر الجماعية.. أدلة تنتظر الاكتمال
تمثل المقابر الجماعية إحدى أكثر القضايا حساسية بالنسبة إلى عائلات المفقودين. فقد جرى التعرف على 93 مقبرة جماعية في سنجار ومحيطها حتى فبراير/شباط 2025، بحسب بيانات رسمية.
ومن بين هذه المواقع، فُتحت 55 مقبرة واستخرجت منها نحو 750 مجموعة من الرفات، لكن عدداً محدوداً منها فقط أمكن التعرف إلى هويته وإعادته إلى العائلات، بينما ما تزال عشرات المقابر من دون فتح أو فحص.
وكان فريق التحقيق التابع للأمم المتحدة لتعزيز المساءلة عن جرائم «داعش»، المعروف باسم «يونيتاد»، قد ساعد العراق في جمع الأدلة وتحليلها وتوثيق المقابر الجماعية. لكن انتهاء مهمته في العراق أثار مخاوف من تباطؤ التحقيقات وفقدان جزء من الخبرات الفنية والدولية التي تراكمت خلال سنوات عمله.
وتقول السلطات العراقية إنها قادرة على مواصلة التحقيقات، فيما تطالب منظمات حقوقية بضمان توفير التمويل والخبرات وحفظ الأدلة وفق المعايير الدولية، حتى لا تتحول نهاية المهمة الأممية إلى نهاية لمسار التوثيق والمحاسبة.

القضاء العراقي يتعهد بالمحاسبة
في ذكرى الإبادة، أكد مجلس القضاء الأعلى في العراق أن الجرائم المرتكبة بحق الإيزيديين تمثل «جرحاً غائراً في جسد الوطن»، مجدداً التزامه بمحاسبة كل من ثبت تورطه وترسيخ مبدأ عدم الإفلات من العقاب.
كما أعلن المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي مواصلة العمل مع الدول والمؤسسات الأجنبية لتبادل الأدلة واستكمال التحقيقات المتعلقة بجرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية والإرهاب.
وتكتسب هذه الجهود أهمية خاصة لأن عدداً من المنتمين إلى «داعش» جاءوا من دول أجنبية، فيما توجد الأدلة والضحايا والمتهمون في أكثر من دولة. ولذلك تتطلب المحاسبة تعاوناً قضائياً دولياً لا يقتصر على المحاكم العراقية.
لكن منظمات قانونية دولية ترى أن محاكمة عناصر التنظيم بتهم الإرهاب وحدها لا تكفي دائماً، وتطالب بإدراج جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب بصورة أكثر وضوحاً في التشريعات العراقية.
والفارق هنا ليس شكلياً؛ فمحاكمة المتهمين عن الجرائم الدولية توثق طبيعة ما تعرض له الإيزيديون، وتعترف بحقوق الضحايا والناجين، وتمنع اختزال القضية في مجرد الانتماء إلى “تنظيم إرهابي”.

سنجار واتفاق لم يُنفذ بالكامل
إلى جانب العدالة، يظل مستقبل سنجار أبرز الملفات السياسية والأمنية العالقة. فقد وقعت الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان العراق عام 2020 اتفاقاً لتنظيم الإدارة والأمن وإعادة الإعمار في القضاء.
وكان الهدف من الاتفاق إنهاء تعدد القوى المسلحة، وتشكيل إدارة محلية مستقرة، وإعادة الخدمات، وتهيئة الظروف لعودة النازحين. إلا أن معظم بنوده لم يُطبق بصورة كاملة بسبب الخلافات السياسية وتعدد الجهات الأمنية والعسكرية الموجودة في المنطقة.
وفي الذكرى الثانية عشرة، أكد رئيس الوزراء، علي فالح الزيدي، اليوم الاثنين، أن الوفاء للضحايا الإيزيديين، يكون بتحقيق العدالة والكشف عن مصير المختطفين.
وقال الزيدي في تغريدة له على منصة إكس : “في الذكرى السنوية للإبادة الجماعية التي ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي بحق أهلنا الإيزيديين وسائر مكونات شعبنا، نستذكر واحدةً من أبشع الجرائم التي هزّت ضمير الإنسانية”، مؤكداً، أن “الوفاء للضحايا يكون بتحقيق العدالة، والكشف عن مصير المختطفين، ورعاية الناجيات، وإعادة إعمار سنجار وتأمين العودة الطوعية والآمنة والكريمة للنازحين”.
من جهته أكد رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي أن إنصاف الضحايا وتطبيق اتفاق سنجار يمثلان أولوية وطنية، داعياً إلى الكشف عن مصير المفقودين ومحاسبة المتورطين وتعويض المتضررين وإعادة النازحين.
كما طالب رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني الحكومة الاتحادية بإعادة الأمن والخدمات إلى سنجار، وتنفيذ الاتفاق، وإخراج القوات غير الرسمية، ودراسة تحويل القضاء إلى محافظة.
وترى جهات إيزيدية أن استمرار التنافس بين بغداد وأربيل والقوى المحلية والمسلحة يجعل السكان يدفعون ثمن صراع لا علاقة لهم به، ويؤخر الإعمار وعودة العائلات.

لماذا لا يعود النازحون؟
رغم تحرير سنجار من «داعش»، لم تعد أعداد كبيرة من الإيزيديين إلى مناطقهم الأصلية. ولا يرتبط ذلك بسبب واحد، بل بمجموعة من العقبات المتداخلة.
فأجزاء واسعة من القضاء ما تزال تفتقر إلى الخدمات الأساسية، فيما تعرضت نسبة كبيرة من المنازل والمرافق العامة للدمار. كما أن تعدد القوى المسلحة وغياب إدارة موحدة يثيران مخاوف أمنية لدى السكان.
ويضاف إلى ذلك بطء التعويضات، وقلة فرص العمل، وانتشار الألغام والمخلفات الحربية في بعض المناطق، فضلاً عن استمرار غموض مصير آلاف المفقودين.
وبالنسبة إلى كثير من الناجين، لا تعني العودة إصلاح منزل فقط، بل العودة إلى مكان ارتبط في ذاكرتهم بفقدان الأقارب وانهيار المجتمع المحلي. ولهذا تتطلب العودة برامج طويلة الأمد للدعم النفسي والاجتماعي والتعليم والعمل، لا مجرد إجراءات أمنية أو مساعدات مؤقتة.
وفي هذا الإطار تؤكد الناشطة النسوية الإيزيدية رفاه حسن لموقع ” أوج 24″ أن أبرز مطالب الإيزيديين في االوقت الحالي تتمثل في تأمين عودة آمنة للنازحين، وإعادة الخدمات الأساسية إلى سنجار والقرى المحيطة بها، ومواصلة البحث عن المفقودين، وتوفير الحماية للسكان، إلى جانب محاسبة جميع المتورطين في جريمة الإبادة وعدم السماح لهم بالإفلات من العقاب.
وأوضحت حسن أن الإيزيديين ما زالوا يواجهون أوضاعاً معيشية وأمنية صعبة، في ظل إغلاق عدد من المخيمات من دون توفير بدائل مناسبة للنازحين أو تهيئة مناطقهم الأصلية لاستقبالهم، مشيرة إلى أن نحو نصف أبناء المكون ما زالوا يعيشون في مخيمات النزوح أو بعيداً عن مناطقهم.
وأضافت أن سنجار والقرى المحيطة بها تعاني نقصاً كبيراً في الخدمات الأساسية، ولا سيما المياه والكهرباء والبنى التحتية، فضلاً عن البطالة المرتفعة بين الشباب، إذ لا يزال مئات منهم من دون فرص عمل أو مصادر دخل مستقرة.
ودعت إلى إطلاق مشاريع اقتصادية صغيرة، ودعم الأنشطة التي كان يعتمد عليها السكان قبل عام 2014، وفي مقدمتها الزراعة، بما يساعد العائلات على استعادة سبل عيشها ويشجعها على العودة والاستقرار.
كما شددت حسن على ضرورة الإسراع في إعادة إعمار سنجار، وحسم ملفات التعويضات التي ما تزال عالقة، وتوفير حماية قانونية ومجتمعية للمعتقدات الدينية الإيزيدية، ومواجهة خطابات التطرف والكراهية التي تستهدف المكون وتهدد التعايش المجتمعي.
قانون الناجيات.. خطوة مهمة وتنفيذ بطيء
أقر العراق عام 2021 قانون الناجيات الإيزيديات، الذي اعترف رسمياً بالجرائم التي تعرضت لها الإيزيديات، وفتح الباب أمام تقديم تعويضات ورواتب ومساعدات وخدمات صحية ونفسية للناجيات من الإيزيديين ومكونات أخرى.
وعُدّ القانون خطوة مهمة لأنه نقل المسؤولية من العمل الخيري إلى التزام قانوني على الدولة. إلا أن التنفيذ واجه شكاوى من بطء الإجراءات، وتعقيد إثبات الاستحقاق، وصعوبة وصول بعض الناجيات إلى المؤسسات الحكومية.
وتطالب منظمات المجتمع المدني بتبسيط الإجراءات، وتوسيع الخدمات، وحماية خصوصية الناجيات، وإشراكهن في تصميم السياسات التي تمس حياتهن ومستقبلهن.

مواجهة محاولات المحو
لا تقتصر آثار الإبادة على الخسائر البشرية والمادية، بل امتدت إلى الذاكرة الثقافية للإيزيديين. فقد دُمرت مزارات ومنازل ووثائق وصور عائلية، وتشتت المجتمع بين العراق وأوروبا وأميركا الشمالية ودول أخرى.
وفي هذا السياق، اكتسب مشروع بحثي في متحف جامعة بنسلفانيا أهمية خاصة، بعدما عثر باحثون على نحو 300 صورة التقطها علماء آثار في ثلاثينيات القرن الماضي لعائلات إيزيدية ومناسبات دينية واجتماعية في كردستان العراق.
وأتاحت الصور لبعض الإيزيديين رؤية أجدادهم وبلداتهم وتقاليدهم التي فقدوا آثارها خلال هجوم «داعش». ولم تعد الصور مجرد مادة أرشيفية، بل تحولت إلى وسيلة لإعادة بناء الذاكرة الجماعية وربط الأجيال الجديدة بمجتمعها قبل الإبادة.
وتكتسب هذه المبادرات أهميتها لأنها تقدم الإيزيديين بوصفهم مجتمعاً له حياة وتاريخ وثقافة، لا باعتبارهم ضحايا مأساة فقط.
This is one site in Sinjar City where Yazidis gathered to commemorate the Yazidi Genocide on its 12th anniversary. I am proud of you people who never give up. pic.twitter.com/RU2ndIEoU4
— Murad Ismael (@murad_ismael) August 2, 2026
الاعتراف الدولي لا يكفي وحده
اعترفت الأمم المتحدة والبرلمان الأوروبي ومجلس أوروبا والولايات المتحدة وكندا وعدد من الدول الأخرى بجرائم «داعش» ضد الإيزيديين باعتبارها إبادة جماعية.
لكن الاعتراف، على أهميته الرمزية والقانونية، لا يعوض غياب المحاكمات الشاملة أو استمرار فقدان الآلاف أو بقاء النازحين بعيداً عن ديارهم.
وقد نجحت بعض الدول الأوروبية في محاكمة عناصر من «داعش» بتهم مرتبطة بالإبادة والجرائم ضد الإنسانية. إلا أن عدد القضايا يظل محدوداً مقارنة بحجم الجرائم وعدد المتورطين.
وتدعو منظمات حقوقية وقانونية إلى توسيع التحقيقات الدولية، وملاحقة المشتبه بهم في الدول التي يقيمون فيها، وإيجاد آلية تضمن استمرار حفظ الأدلة التي جمعها فريق «يونيتاد».
ماذا يحتاج الإيزيديون بعد 12 عاماً؟
تتكرر في كل ذكرى تعهدات رسمية بالعدالة وإعادة الإعمار، لكن مطالب الإيزيديين بقيت ثابتة إلى حد كبير: معرفة مصير المفقودين، فتح المقابر الجماعية، محاسبة الجناة، إعادة النازحين بأمان، وتعويض المتضررين.
ويضاف إلى ذلك تنفيذ قانون الناجيات بصورة كاملة، وحماية الهوية الدينية والثقافية، وإشراك سكان سنجار في إدارة منطقتهم، ومنع تحويل القضاء إلى ساحة صراع بين القوى السياسية والمسلحة.
كما أن نجاح أي تسوية يحتاج إلى معالجة الخلاف حول الإدارة والأمن، لأن الإعمار لن يكون مستداماً ما لم يشعر السكان بأن مؤسسات الدولة تحميهم وأن القرارات المتعلقة بمستقبلهم لا تُفرض عليهم من الخارج.
ذكرى تختبر الدولة العراقية
بعد اثني عشر عاماً، لم تعد قضية الإيزيديين اختباراً لقدرة العراق على تذكر الماضي فقط، بل اختباراً لقدرته على بناء دولة تحمي مواطنيها وتحقق العدالة بعد الكوارث.
فالإبادة لا تنتهي بانتهاء سيطرة التنظيم الذي ارتكبها. وتظل آثارها قائمة ما دام المفقودون بلا مصير معلوم، والمقابر بلا فتح، والنازحون بلا عودة، والجناة بلا محاسبة.
وبينما تؤكد بغداد وأربيل التزامهما بالعدالة وتنفيذ اتفاق سنجار، فإن معيار النجاح لن يكون في قوة البيانات الصادرة في ذكرى الثالث من أغسطس/ آب، بل في عدد العائلات التي تعرف مصير أبنائها، والناجين الذين يحصلون على حقوقهم، والقرى التي يعاد بناؤها، والمهجرين الذين يستطيعون العودة بأمان وكرامة.
المصادر/ وكالات – دوتشة فيله – وسائل إعلام كردية – أوج 24








