د. نوار السعدي / أكاديمي عراقي متخصص في الاقتصاد الدولي
إنّ حديث مظهر محمد صالح مستشار رئيس الوزراء العراقي عن إمكانية اضطرار الحكومة إلى إدارة مالية مرحلية في موازنة 2026، من خلال تأجيل بعض الالتزامات أو اعتماد آليات إنفاق مؤقتة، إلى حين وضوح الرؤية بشكل كامل لا يمكن التعامل معه كتصريح سياسي عابر، بل يعكس واقعًا ماليًا دقيقًا يتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين.
فهذه التصريحات توضح أن الحكومة قد تجد نفسها مضطرة إلى تأجيل بعض الالتزامات واللجوء إلى آليات إنفاق مؤقتة، بانتظار اتضاح صورة الإيرادات، خصوصًا النفطية، التي لا تزال تشكل العمود الفقري للمالية العامة في العراق.
من الناحية الاقتصادية، يشير هذا التوجه إلى تحول واضح في نمط إدارة المالية العامة، من إطار تخطيطي سنوي مستقر إلى إدارة نقدية قصيرة الأجل تركز على السيولة. وبمعنى آخر، لم تعد الموازنة أداة للتخطيط التنموي بقدر ما أصبحت أداة لضمان الاستمرارية المالية.
وستكون الأولوية هنا لتأمين الرواتب والالتزامات الأساسية، مقابل تأجيل أو إعادة جدولة المشاريع الاستثمارية، وهو ما يتقاطع عمليًا مع تطبيق قاعدة (1/12) التي تُستخدم في حالات غياب الرؤية المالية الكاملة أو تأخر إقرار الموازنة.

إدارة المخاطر
في قراءتي، نحن أمام تحول من موازنة تنموية إلى موازنة دفاعية، حيث تنصب الجهود على إدارة المخاطر بدلًا من تحقيق التوسع الاقتصادي. ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى الطبيعة الريعية للاقتصاد العراقي، الذي يعتمد بشكل شبه كامل على النفط، في وقت تتزايد فيه تقلبات الأسعار والتوترات الإقليمية، ما يجعل الإيرادات عرضة للصدمات. لذلك، فإن توصيف موازنة 2026 بأنها “اختبار لقدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات” يعكس بدقة طبيعة المرحلة المقبلة.
أما فيما يتعلق بكيفية بناء هذه الموازنة، فإن التحدي لا يكمن في حجم الإنفاق بقدر ما يكمن في هيكليته. فمن الضروري الانتقال إلى موازنة مرنة قابلة للتعديل خلال السنة المالية، بحيث تستجيب بسرعة للتغيرات في الإيرادات. كما ينبغي إعادة توجيه الإنفاق نحو القطاعات الاستثمارية المنتجة بدلًا من الاستمرار في تضخم النفقات التشغيلية، التي باتت تشكل عبئًا هيكليًا على المالية العامة. وفي الوقت ذاته، لا يمكن الاستمرار في تأجيل ملف تنويع الإيرادات غير النفطية، الذي يجب أن يتحول من خطاب سياسي إلى سياسة مالية فعلية قائمة على إصلاح النظام الضريبي وتفعيل القطاعات الإنتاجية.
ورغم وجود إدراك واضح لدى صانع القرار لطبيعة التحديات، فإن المشكلة الحقيقية تكمن في فجوة التنفيذ. فالتجربة العراقية تشير إلى أن أي محاولة للإصلاح المالي تصطدم باعتبارات سياسية واجتماعية، خصوصًا عند الاقتراب من ملفات حساسة مثل تقليص النفقات التشغيلية أو إعادة هيكلة الدعم.
تحديات رئيسية
في المرحلة المقبلة، ستواجه المالية العامة ثلاثة تحديات رئيسية:-
أولها تقلبات أسعار النفط، التي تجعل تقدير الإيرادات عملية محفوفة بالمخاطر؛
وثانيها تضخم النفقات التشغيلية، التي تحد من مرونة الحكومة في إدارة الإنفاق؛
وثالثها ضعف الإيرادات غير النفطية، ما يجعل أي صدمة نفطية تتحول مباشرة إلى أزمة مالية.
ويُضاف إلى ذلك عامل التوترات الإقليمية، التي قد تؤثر في الصادرات أو الأسعار، وبالتالي في الاستقرار المالي بشكل عام.
باختصار، فإن “الإدارة المالية المرحلية” ليست مجرد خيار تقني، بل هي إشارة واضحة إلى أن الاقتصاد العراقي دخل مرحلة إدارة المخاطر. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل ستبقى الموازنة أداة لإدارة الأزمات فقط، أم يمكن تحويلها إلى أداة لتحقيق استقرار مالي يمهّد لتنمية حقيقية ومستدامة؟









