تتحرك الولايات المتحدة بقوة لإعادة بناء نفوذها داخل قطاع النفط العراقي، مستفيدة من تراجع الحضور الروسي، والضغوط المتزايدة على إيران، وفي وقت تسعى فيه بغداد إلى رفع طاقتها الإنتاجية إلى ما بين 8 و10 ملايين برميل يومياً خلال ست سنوات.
وبحسب تقرير للكاتب والمحلل المتخصص في شؤون الطاقة سايمون واتكينز في موقع «أويل برايس» الأميركي، فإن دخول شركتي كونوكو فيليبس وشيفرون بقوة على خط المشاريع العراقية لا ينبغي النظر إليه باعتباره استثماراً تجارياً فقط، بل جزءاً من منافسة أوسع بين واشنطن وبكين وموسكو وطهران على واحد من أكبر مخزونات النفط منخفض التكلفة في العالم.
لماذا العراق مهم لهذه القوى؟
يحدد التقرير أربعة أسباب تجعل العراق ساحة شديدة الأهمية في حسابات القوى الكبرى.
أولها النفط؛ إذ يمتلك، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية التي يستشهد بها المقال، نحو 145 مليار برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة، فيما تعد كلفة استخراج البرميل منخفضة للغاية، ويقدرها الكاتب بنحو دولارين إلى أربعة دولارات.
ثانياً، موقع العراق الجغرافي بين إيران ودول الخليج العربي وسوريا والأردن وتركيا، ما يجعله نقطة اتصال بين الخليج وشرق المتوسط وأوروبا.
أما العامل الثالث فهو موقع العراق داخل شبكة النفوذ الإقليمي الإيراني الممتدة باتجاه سوريا ولبنان.
ويذهب الكاتب في العامل الرابع إلى طرح أكثر إثارة للجدل، إذ يقول إن العراق شكّل لسنوات ممراً مكّن إيران من تسويق جزء من نفطها الخاضع للعقوبات على أنه نفط عراقي. وهذه رواية يطرحها الكاتب في إطار تحليله، وليست حقيقة مثبتة في المقال بأدلة مستقلة مفصلة، ولذلك من الأفضل صحفياً نسبها إليه بوضوح.
كيف دخلت روسيا والصين إلى المشهد؟
يقول التقرير إن الفراغ الذي خلفه تراجع الدور الأميركي، خصوصاً بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018، أتاح لروسيا والصين توسيع وجودهما في العراق.
فروسيا عززت موقعها في قطاع الطاقة في إقليم كردستان العراق، بينما توسعت الشركات الصينية بصورة كبيرة في حقول الجنوب.
ويشير الكاتب إلى اتفاقيات التعاون العراقية-الصينية لعامي 2019 و2020، ولا سيما مشاريع النفط مقابل الإعمار والاستثمار، ويرى أنها ساعدت بكين على بناء حضور يمتد من الإنتاج والاستكشاف إلى البنية التحتية والتكرير والتصدير.
وبحسب تقديرات يوردها التقرير، أصبحت شركات صينية تدير أصولاً مرتبطة بنحو 34% من الاحتياطيات العراقية المؤكدة وحصة كبيرة من القدرة الإنتاجية.
العقوبات تفتح الباب أمام الشركات الأميركية
النقطة المركزية في التقرير هي أن واشنطن بدأت، مع الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب، استخدام العقوبات والضغط الاقتصادي لتقليص المساحة المتاحة أمام روسيا، وفي الوقت نفسه توجيه رسائل تحذيرية إلى الصين بشأن تعاملاتها المرتبطة بإيران.
والنتيجة، وفق الكاتب، هي ظهور مساحة أكبر أمام الشركات الغربية والأميركية في قطاع الطاقة العراقي.
ومن أبرز الأمثلة كونوكو فيليبس، التي وافقت على الاستحواذ على حصة تبلغ 42% في شركة بي بي إنيرجي، لتشارك في مشروع تطوير مجموعة من الحقول في محافظة كركوك.
وتشمل هذه المشاريع قبة بابا وقبة أفانا في حقل كركوك، إضافة إلى باي حسن وجمبور وخباز.
كركوك.. مشروع قد يتجاوز 450 ألف برميل
يربط التقرير دخول كونوكو فيليبس بالاتفاق الكبير الذي فعلته ” بي بي” لتطوير حقول كركوك، والذي تقدر قيمة استثماراته المحتملة بنحو 25 مليار دولار على مدى عمر المشروع.
ويقول الكاتب إن الإنتاج المستهدف مبدئياً يبلغ نحو 328 ألف برميل يومياً، على أن يرتفع إلى 450 ألف برميل يومياً على الأقل خلال عامين أو ثلاثة، قبل إعادة تقييم القدرة الإنتاجية.
وتقدر احتياطيات الحقول الخمسة بنحو 9 مليارات برميل، لكن مصدراً عراقياً تحدث إليه الموقع يعتقد أن المناطق المحيطة قد تحتوي على 11 إلى 12 مليار برميل إضافية أو أكثر. وهذه تقديرات مصدر للموقع وليست أرقام احتياطيات مثبتة رسمياً.
شيفرون تدخل على خط غرب القرنة 2
التحول الأكبر الآخر الذي يركز عليه التقرير يتعلق بحقل غرب القرنة 2 العملاق في البصرة.
فبعد انسحاب شركة لوك أويل الروسية في ظل العقوبات الأميركية والبريطانية، يرى الكاتب أن الطريق أصبح أكثر انفتاحاً أمام شيفرون الأميركية.
ويقدر التقرير احتياطيات النفط الموجودة في الحقل بنحو 14 مليار برميل، فيما كان إنتاجه يدور حول 400 ألف برميل يومياً.
والأهم أن خطط تطويره السابقة كانت تستهدف رفع الإنتاج أولاً إلى نحو 480 ألف برميل يومياً، ثم إضافة نحو 650 ألف برميل في مرحلة لاحقة تعتمد على تطوير مكامن أعمق، ما قد يرفع الطاقة النهائية نظرياً إلى نحو 1.13 مليون برميل يومياً.

الناصرية تعود إلى الواجهة
ولا تقتصر تحركات شيفرون، وفق التقرير، على غرب القرنة 2، إذ تتقدم أيضاً باتجاه تطوير حقل الناصرية في محافظة ذي قار جنوب العراق، الذي تقدر احتياطياته بنحو 4.36 مليارات برميل.
الحقل اكتُشف عام 1975، لكن مشاريع تطويره تعثرت مراراً على مدى عقود.
وكانت بعض الخطط السابقة تربطه بمشروع متكامل يتضمن إنشاء مصفاة بطاقة 300 ألف برميل يومياً. ويرى التقرير أن الاتفاق الأخير مع شيفرون قد يمنح المشروع فرصة جديدة للانتقال من الخطط إلى التطوير الفعلي.
الماء عنصر حاسم في زيادة الإنتاج
ويلفت المقال أيضاً إلى أهمية مشروع ماء البحر المشترك (CSSP)، الذي يقوم على نقل مياه الخليج إلى الحقول النفطية الجنوبية وحقنها في المكامن للمحافظة على الضغط وزيادة القدرة على استخراج الخام.
ومن وجهة نظر الكاتب، فإن هذا المشروع سيكون عاملاً مهماً إذا أراد العراق تحقيق زيادات كبيرة ومستدامة في الإنتاج، سواء باتجاه أكثر من 6 ملايين برميل يومياً بحلول 2029 أو نحو هدفه الأبعد البالغ 8–10 ملايين برميل يومياً.
ماذا يريد الكاتب أن يقول؟
الخلاصة التي يقدمها واتكينز هي أن المنافسة على النفط العراقي دخلت مرحلة جديدة.
روسيا تخسر جزءاً من مواقعها نتيجة العقوبات والحرب في أوكرانيا، وإيران تواجه ضغوطاً عسكرية واقتصادية، بينما لا تزال الصين صاحبة حضور قوي في النفط العراقي. وترى واشنطن، وفق تحليل المقال، أن هذه اللحظة تمنحها فرصة لإعادة الشركات الأميركية والغربية إلى حقول استراتيجية من كركوك شمالاً إلى غرب القرنة والناصرية جنوباً.
لكن من المهم التعامل مع المقال بوصفه تحليلاً جيوسياسياً ذا زاوية أميركية واضحة، وليس تقريراً محايداً بالكامل. فالكاتب يربط الصفقات التجارية مباشرة بصراع النفوذ بين واشنطن وموسكو وبكين وطهران، ويقدم بعض التقديرات والادعاءات اعتماداً على مصادر خاصة أو كتاباته السابقة.
والزاوية العراقية الأهم للقصة ربما تكون: إذا كان العراق يريد فعلاً الوصول إلى 8–10 ملايين برميل يومياً، فإن السؤال لم يعد فقط من سيطور الحقول؟ بل أيضاً: كيف ستوزع بغداد عقودها بين الشركات الأميركية والصينية والغربية، وما أثر ذلك في استقلال قرارها النفطي وعلاقاتها مع القوى الكبرى؟









