لم تعد معركة العراق اليوم تدور حول حقول النفط وحدها، بل حول هوية شراكاته الاستراتيجية ومستقبله الجيوسياسي. فبينما عاد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي من الولايات المتحدة محمّلاً بعشرات الاتفاقيات الاستثمارية الضخمة، يجد نفسه أمام معادلة معقدة: كيف يجذب الاستثمارات الأميركية من دون خسارة إيران، التي تعتمد عليها منظومة الكهرباء العراقية، أو الصين، التي أصبحت أكبر شريك نفطي لبغداد؟

هذا السؤال، هو محور تحليل للكاتب والمحلل الأميركي كين سيلفرستين نشرته مجلة فوربس الأميركية، ويرى فيه أن السنوات المقبلة قد تضع العراق أمام أصعب اختبار في سياسته الخارجية منذ عام 2003.
استثمارات قد تعيد رسم قطاع الطاقة
يشير التقرير إلى أن زيارة الزيدي إلى الولايات المتحدة في يوليو/ تموز الماضي لم تكن مجرد زيارة بروتوكولية، بل انتهت بإبرام 48 اتفاقية مع شركات أميركية كبرى، بينها هاليبرتون وشل وبيكر هيوز وويذرفورد وجي ‘ي فيرنوفا.
وتتحدث بغداد عن استثمارات أجنبية مباشرة قد تصل إلى 100 مليار دولار خلال خمس سنوات، وهو رقم يرى التقرير أنه قادر على إعادة تشكيل قطاع النفط العراقي لعقود مقبلة إذا نُفذ بالكامل.
لكن الكاتب يؤكد أن أهمية هذه الاتفاقيات لا تكمن في قيمتها الاقتصادية فقط، بل في الرسالة السياسية التي تحملها، إذ تعكس رغبة واشنطن في توسيع نفوذها الاقتصادي داخل العراق.
واشنطن تنظر إلى العراق باعتباره ملفاً للأمن القومي
بحسب التقرير، تغيرت النظرة الأميركية للاستثمارات الخارجية في السنوات الأخيرة، إذ أصبحت واشنطن تعتبر وجود شركاتها الكبرى في الخارج جزءاً من منظومة أمنها القومي.
وينقل الكاتب عن الخبير العراقي أحمد الوندي قوله إن زيادة الوجود التجاري الأميركي في العراق تمنح الولايات المتحدة مصلحة أكبر في استقرار البلاد، لأن حماية استثماراتها تصبح جزءاً من أولوياتها الاستراتيجية.

وبمعنى آخر، تعرض واشنطن على بغداد معادلة واضحة: كلما توسعت استثمارات الشركات الأميركية، زاد اهتمام الولايات المتحدة بحماية استقرار العراق.
لماذا وصل الزيدي إلى رئاسة الحكومة؟
يرى التقرير أن صعود علي الزيدي إلى رئاسة الوزراء لم يكن بعيداً عن التوازنات الدولية.
ويشير إلى أن ما يعرف بالإطار التنسيقي الشيعي، وهو الكتلة البرلمانية الأكبر، كانت تميل في البداية إلى دعم رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، إلا أن الإدارة الأميركية اعتبرت أنه قريب جداً من إيران، ما دفع نحو البحث عن شخصية توافقية انتهى الأمر باختيار الزيدي.
كما يربط التقرير بين هذا المسار وبين تعهد الحكومة الحالية بحصر السلاح وإنهاء وجود الفصائل المسلحة، بالتزامن مع الموعد المقرر لانسحاب القوات الأميركية من العراق.
إيران.. شريك لا يمكن تجاوزه
ورغم الانفتاح الكبير على الولايات المتحدة، يؤكد التقرير أن العراق لا يستطيع ببساطة الابتعاد عن إيران.
فمنذ عام 2003، تطورت العلاقات السياسية والاقتصادية والدينية بين البلدين بصورة كبيرة، وأصبحت شبكة الكهرباء العراقية تعتمد بدرجة كبيرة على الغاز والكهرباء المستوردين من إيران.
ويذكّر التقرير بأن إدارة الرئيس دونالد ترامب أوقفت في عام 2025 الإعفاءات التي كانت تسمح للعراق باستيراد الكهرباء الإيرانية رغم العقوبات، بينما حذرت وزارة الكهرباء العراقية من أن فقدان إمدادات الغاز الإيراني قد يؤدي إلى خسارة نحو 30% من إنتاج الكهرباء.
الصين.. اللاعب الأكبر في النفط العراقي
ولا يقل النفوذ الصيني أهمية عن الإيراني، إذ يوضح التقرير أن الشركات الصينية تمتلك حصصاً أو تدير ما بين نصف وثلثي إنتاج النفط العراقي، وفق تقديرات مراكز أبحاث غربية.
كما أن الصين لا تزال أكبر مشترٍ منفرد للنفط العراقي، ما يجعل العلاقات الاقتصادية بين البلدين عميقة ومتجذرة منذ سنوات، خاصة في الفترة التي خففت فيها شركات الطاقة الغربية استثماراتها في العراق.
حرب الخليج كشفت هشاشة الصادرات العراقية
يستشهد التقرير بالأزمة التي اندلعت مطلع عام 2026، عندما أدت المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران وإغلاق مضيق هرمز إلى تراجع صادرات العراق النفطية من نحو 4.5 ملايين برميل يومياً إلى قرابة 1.4 مليون برميل في مايو/ أيار، بسبب افتقار العراق إلى خطوط تصدير بديلة مثل السعودية والإمارات.
ويرى الكاتب أن هذه التجربة كشفت حجم اعتماد العراق على الاستقرار الإقليمي، حتى عندما لا يكون طرفاً مباشراً في الصراع.
هل يستطيع العراق البقاء على الحياد؟
يعتقد أحمد الوندي أن بغداد ليست مضطرة للاختيار بين واشنطن وبكين أو طهران.
ويقول إن الشركات الصينية ساعدت العراق في الحفاظ على إنتاجه النفطي خلال سنوات صعبة، ولا ينبغي استبعادها لمجرد رغبة بغداد في توسيع التعاون مع الشركات الأميركية والغربية.
ويرى أن الموقع الجغرافي والسياسي للعراق يمنحه فرصة للاستفادة من جميع الأطراف إذا تمكن من إدارة المنافسة بينها بحذر.
لكن هل تسمح واشنطن بذلك؟
مع ذلك، يشكك التقرير في قدرة العراق على الحفاظ على هذا التوازن لفترة طويلة.
فبحسب الكاتب، لا تنظر الولايات المتحدة إلى استثماراتها في العراق باعتبارها نشاطاً اقتصادياً عادياً، بل تعتبرها جزءاً من استراتيجية الأمن القومي، وهو ما قد يدفعها مستقبلاً إلى مطالبة بغداد باتخاذ مواقف أكثر وضوحاً تجاه إيران والصين.
ويضيف أن الاختبار الحقيقي لن يكون في التصريحات السياسية، بل في ملفات عملية، أبرزها:
- مدى نجاح الحكومة في تنفيذ خطط حصر السلاح.
- مستقبل الإعفاءات الخاصة باستيراد الغاز والكهرباء من إيران.
- ما إذا كانت عقود الشركات الصينية ستستمر كما هي، أم ستخضع لإعادة تفاوض مع توسع الشركات الأميركية.
معادلة دقيقة
تخلص فوربس إلى أن العراق يحاول اليوم بناء معادلة دقيقة تقوم على الاستفادة من الولايات المتحدة وإيران والصين في آن واحد، لكن نجاح هذه السياسة سيعتمد على قدرته على الحفاظ على حياد متوازن في وقت تزداد فيه المنافسة بين القوى الكبرى، وقد يصبح البقاء في المنطقة الرمادية أكثر صعوبة مع مرور الوقت.








