أوج24الدوحةمباشر
عاجل
00:00:00
أخبار

السعودية وتركيا وباكستان ترسم خريطة ردع جديدة.. هل يولد نظام أمني إقليمي؟

السعودية وتركيا وباكستان ترسم خريطة ردع جديدة.. هل يولد نظام أمني إقليمي؟

في لحظة تعيش فيها المنطقة واحدة من أكثر مراحلها اضطراباً منذ سنوات، اختارت السعودية وتركيا وباكستان الانتقال بعلاقاتها العسكرية من التعاون الثنائي والمتفرق إلى مظلة دفاع جماعي أكثر وضوحاً. ففي مكة المكرمة، وقع قادة الدول الثلاث، اليوم الجمعة ، “اتفاق مكة للدفاع المشترك“، الذي يتضمن قاعدة لافتة: أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجوماً عليها جميعاً، بحسب مسؤولين أتراك وباكستانيين.

وجرى توقيع الاتفاق في مدينة مكة المكرمة خلال اجتماع جمع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف.

الاتفاق يجمع ثلاث قدرات مختلفة ومتكاملة: السعودية بثقلها الاقتصادي وموقعها في سوق الطاقة، وتركيا التي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي «الناتو» وصناعة دفاعية متنامية، وباكستان التي تمتلك قوة عسكرية كبيرة وهي الدولة الإسلامية الوحيدة المسلحة نووياً. لكن، رغم هذا المزيج، شددت أنقرة وإسلام آباد على أن الاتفاق دفاعي وليس موجهاً ضد دولة بعينها، وأن الباب يمكن أن يبقى مفتوحاً لانضمام دول أخرى مستقبلاً.

ومن شأن الاتفاق تعزيز التعاون والردع المشترك في وقت تشهد فيه المنطقة حالة متزايدة من عدم اليقين، إلى جانب التهديدات الناجمة عن الحرب مع إيران.

وقالت وزارة الخارجية الباكستانية ودائرة الاتصال في الرئاسة التركية، في بيانين متطابقين، إن «الاتفاق يهدف إلى تعزيز الردع الجماعي ضد أي عمل عدواني، وينص على أن أي هجوم مسلح ضد إحدى الدول الثلاث سيُعد هجوماً عليها جميعاً».

وأضاف البيانان أن الاتفاق ينص كذلك على «تعزيز جميع جوانب التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث».

وكانت تقارير إعلامية تركية قد ذكرت أن الاتفاق قد يتيح إجراء مناورات وتدريبات عسكرية مشتركة، فضلاً عن نقل التكنولوجيا وتبادل المعلومات الاستخبارية.

وتأتي الخطوة في وقت تسعى فيه السعودية إلى تنويع شراكاتها الدفاعية، بعدما تعرضت منشآت حيوية ونفطية في المملكة لهجمات على خلفية الحرب مع إيران.

ووصف مسؤول في الحكومة التركية الاتفاق بأنه «دفاعي بحت»، موضحاً أن الدول الثلاث تعهدت بتقديم الدعم المتبادل في حالات الدفاع فقط.

وأكد المسؤول، الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، أن الاتفاق «ليس موجهاً ضد أي طرف بعينه»، وأن الباب سيكون مفتوحاً أمام دول أخرى في المنطقة للانضمام إليه.

وأضاف أن الاتفاق الجديد لا يلغي أو يحل محل أي اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف تربط الدول الثلاث ببعضها أو بدول ومنظمات أخرى.

وفي إسلام آباد، رأى المحلل الدفاعي عبد الله خان أن الاتفاق يمثل تطوراً طبيعياً وإضفاء طابع رسمي على عقود من العلاقات الاستراتيجية بين باكستان والسعودية وتركيا، مشيراً إلى أن التحولات في البيئة الأمنية الإقليمية وتغير طبيعة الحروب زادا الحاجة إلى تعاون أوثق بينها.

الاتفاق إلى تعزيز الردع الجماعي في مواجهة أي عدوان
الاتفاق يهدف إلى تعزيز الردع الجماعي في مواجهة أي عدوان ( الصحافة السعودية)

ماذا ينص اتفاق مكة؟

وفقا للبيانات السعودية والتركية والباكستانية، يهدف الاتفاق إلى تعزيز الردع الجماعي في مواجهة أي عدوان، ويقرر أن أي هجوم مسلح يستهدف السعودية أو تركيا أو باكستان سيُعامل باعتباره هجوماً على الدول الثلاث.

ولا يقتصر التعاون، بحسب ما أعلن، على التعهد السياسي بالمساندة، بل يمتد إلى توسيع التعاون الدفاعي بمختلف أشكاله. وتشير تقارير تركية إلى أن ذلك قد يشمل تدريبات ومناورات عسكرية مشتركة، وتبادل المعلومات الاستخبارية، والتدريب، ونقل التكنولوجيا الدفاعية.

لكن التفاصيل التنفيذية الدقيقة للاتفاق لم تُعلن بالكامل بعد، ولذلك من المبكر اعتباره نسخة مطابقة للمادة الخامسة في حلف الناتو أو القول إن أي هجوم سيؤدي تلقائياً إلى دخول الدول الثلاث في حرب بالطريقة نفسها.

 

لماذا وُقع الآن؟

التوقيت ربما يكون أهم من نص الاتفاق نفسه.

فالشرق الأوسط يعيش تداعيات الحرب مع إيران، واضطراب الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، وعودة المواجهة بين السعودية والحوثيين في اليمن، فضلاً عن تصاعد التوتر بين تركيا وإسرائيل.

وقبل يوم واحد من توقيع الاتفاق، قال مسؤول سعودي إن الرياض تلقت معلومات استخبارية تفيد بإمكان تعرضها لهجمات منسقة من فصائل مسلحة مدعومة من إيران في العراق والحوثيين في اليمن، مع احتمال استهداف منشآت للطاقة وموانئ ومطارات. وهذه المعلومات تمثل تقييماً استخبارياً سعودياً ولم تُثبت بصورة مستقلة علناً.

كما شهدت منطقة نجران السعودية هجوماً أدى، وفق السلطات السعودية، إلى إصابة 11 مدنياً، بالتزامن مع عودة التصعيد في اليمن.

لذلك يبدو الاتفاق، في أحد أبعاده، محاولة لإرسال رسالة ردع: السعودية لن تكون وحدها في مواجهة أي تصعيد إقليمي واسع.

الرياض تبحث عن أكثر من حليف واحد

الاتفاق يعكس أيضاً تحولاً بدأ قبل الأزمة الحالية. فالسعودية، التي اعتمدت لعقود بصورة أساسية على المظلة الأمنية الأميركية، بدأت في السنوات الأخيرة تنويع شراكاتها الدفاعية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن علاقتها الاستراتيجية بواشنطن.

وكانت الرياض وإسلام آباد قد وقعتا في سبتمبر/أيلول الماضي اتفاقاً دفاعياً ثنائياً يقوم على المبدأ نفسه: الهجوم على إحداهما يعتبر هجوماً على الأخرى.

وبحسب «فايننشال تايمز»، ساهمت باكستان لاحقاً في تعزيز الدفاعات السعودية ضمن ذلك التعاون، فيما كانت الرياض وأنقرة توسعان بدورهما صفقات الصناعات الدفاعية، ولا سيما في مجال الطائرات المسيّرة.

لذلك فإن دخول تركيا الآن يحول التعاون من محور سعودي-باكستاني ثنائي إلى مثلث أمني يمتلك إمكانات مالية وعسكرية وصناعية أكبر بكثير.

ماذا تضيف كل دولة؟

ميزة الاتفاق الأساسية هي أن الدول الثلاث لا تقدم النوع نفسه من القوة.

السعودية تمتلك القدرات المالية، ومكانة سياسية واقتصادية كبيرة، إضافة إلى موقع استراتيجي يربط الخليج والبحر الأحمر.

تركيا تملك جيشاً كبيراً ذا خبرة عملياتية وصناعة دفاعية متقدمة نسبياً، خصوصاً في المسيّرات والصواريخ وأنظمة الحرب الإلكترونية، إضافة إلى عضويتها في الناتو.

أما باكستان فتملك جيشاً كبيراً وخبرة عسكرية طويلة، فضلاً عن امتلاكها أسلحة نووية.

لكن وجود باكستان النووية داخل الاتفاق لا يعني تلقائياً أن السعودية أو تركيا أصبحتا تحت «مظلة نووية باكستانية». النصوص المعلنة لا تتضمن تعهداً صريحاً بهذا المعنى، ولذلك ينبغي الفصل بين حقيقة أن باكستان دولة نووية وبين التكهنات بشأن امتداد ردعها النووي إلى شركائها.

هل الاتفاق موجه ضد إيران؟

رسمياً: لا. مسؤول تركي أكد أن الاتفاق «دفاعي بحت» وغير موجه ضد «طرف محدد».

لكن السياق الإقليمي يجعل إيران حاضرة في خلفية الحسابات الأمنية، ولا سيما بعد الهجمات بالصواريخ والمسيّرات التي تعرضت لها دول خليجية، ودعم طهران للحوثيين وجماعات مسلحة أخرى في المنطقة.

وتذهب بعض التحليلات، ومنها ما أوردته «فايننشال تايمز»، إلى أن الاتفاق يعكس إدراكاً متزايداً لدى دول المنطقة بضرورة بناء قدرات ردع محلية أكبر.

لكن ذلك يبقى تحليلاً سياسياً وليس هدفاً معلناً للاتفاق. كما أن السعودية وتركيا وباكستان شاركت في الوقت نفسه في جهود لخفض التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، ما يجعل وصف الاتفاق بأنه «تحالف ضد إيران» تبسيطاً لا تدعمه النصوص الرسمية المتاحة حتى الآن.

وإسرائيل حاضرة أيضاً في الحسابات

إيران ليست مصدر القلق الوحيد.

تركيا تمر بمرحلة توتر واضح مع إسرائيل بسبب غزة وعدد من الملفات الإقليمية، فيما تشير تحليلات إلى أن دولاً عربية وإسلامية أصبحت أكثر قلقاً من اتساع العمليات العسكرية الإسرائيلية في المنطقة.

ولهذا فإن «فايننشال تايمز» تضع الاتفاق في سياق أوسع من إيران وحدها: دول المنطقة تحاول حماية نفسها في بيئة أمنية أصبحت فيها الحروب تنتقل بسرعة من بلد إلى آخر.

وبهذا المعنى، قد يكون الهدف الحقيقي هو زيادة هامش الاستقلال الاستراتيجي للدول الثلاث أكثر من إنشاء جبهة ضد خصم واحد.

هل يعني ذلك تراجع الدور الأميركي؟

هذه ربما أكثر نقاط الاتفاق إثارة للاهتمام.

نقلت «فايننشال تايمز» عن معلق سعودي قريب من الديوان الملكي قوله إن الاتفاق يعكس اعتقاداً بأن الردع الأميركي أصبح أقل قدرة على معالجة جميع التهديدات الإقليمية، وأن القوى المحلية ستضطر إلى تحمل مسؤولية أكبر.

لكن هناك قراءة أخرى لا ترى تناقضاً بين الاتفاق وواشنطن.

فباحثون غربيون يشيرون إلى أن الولايات المتحدة نفسها تطالب منذ سنوات حلفاءها بتحمل حصة أكبر من أعباء الدفاع، وبالتالي قد يكون بناء شراكات إقليمية أقوى متوافقاً جزئياً مع التوجه الأميركي نحو تقاسم الأعباء الأمنية.

كما أن تركيا عضو في الناتو، والعلاقات العسكرية السعودية والباكستانية مع الولايات المتحدة ما تزال واسعة، ما يعني أن الاتفاق لم يُطرح باعتباره بديلاً رسمياً للتحالف مع واشنطن.

الحوثيون.. أول اختبار محتمل

الاختبار الأكثر إلحاحاً للاتفاق قد يأتي من اليمن والبحر الأحمر.

الحوثيون عادوا إلى التصعيد مع السعودية، وهددوا الملاحة في باب المندب، وهو ممر أصبح أكثر حساسية بالنسبة للرياض مع اضطرابات هرمز.

وبحسب «فايننشال تايمز»، يرى بعض المطلعين على المحادثات أن تركيا وباكستان قد تقدمان مستقبلاً دعماً عسكرياً أو لوجستياً أكبر للسعودية إذا اتسعت المواجهة مع الحوثيين.

لكن هذه السيناريوهات ليست التزاماً معلناً في نص الاتفاق حتى الآن، كما أن مسؤولين أتراك يصرون على طابعه الدفاعي.

وهذا التفريق مهم: التعاون العسكري المحتمل شيء، والقول إن الدول الثلاث تستعد لحرب مشتركة في اليمن شيء آخر.

هل نشهد ولادة «ناتو إسلامي»؟

من المبكر جداً استخدام هذا الوصف. صحيح أن الاتفاق يتضمن أحد أهم مبادئ الأحلاف الدفاعية، وهو «الهجوم على واحد هجوم على الجميع»، لكنه لا يزال يفتقر ـ وفق المعلومات المنشورة ـ إلى كثير من العناصر المؤسسية التي تجعل الناتو تحالفاً متكاملاً: قيادة عسكرية مشتركة دائمة، وآليات تفصيلية لاتخاذ القرار، وهياكل تخطيط وتمويل وقواعد انتشار محددة.

لكن الاتفاق يكتسب أهمية لأنه قد يكون نواة لبنية أمنية أوسع.

فالمسؤول التركي قال إن الانضمام يمكن أن يكون مفتوحاً أمام دول إقليمية أخرى، كما تعمقت خلال العام الماضي علاقات السعودية وتركيا وباكستان مع دول مثل مصر في ملفات الدفاع والأمن.

لهذا ستكون القضية التي ينبغي مراقبتها مستقبلاً هي: هل يبقى «اتفاق مكة» إطاراً ثلاثياً، أم يتحول تدريجياً إلى مظلة أوسع؟

تحالف مصالح لا تطابق سياسات

ورغم التقارب، ليست الدول الثلاث متطابقة في سياستها الخارجية.

تركيا عضو في الناتو ولها مصالح خاصة في سوريا وشرق المتوسط والقوقاز، والسعودية لاعب خليجي وعربي مركزي، بينما ترتبط باكستان بتوازنات معقدة في جنوب آسيا، وخصوصاً مع الهند والصين.

ولهذا فإن قدرة الاتفاق على التحول إلى تحالف استراتيجي متماسك ستعتمد على كيفية إدارة هذه الاختلافات.

لكن الرسالة السياسية التي خرجت من مكة واضحة: ثلاث قوى إقليمية كبيرة قررت أن تجعل الدفاع المشترك أكثر مؤسسية، في وقت لم تعد فيه أي منها تريد الاعتماد على شريك خارجي واحد لضمان أمنها.

والأهمية الحقيقية للاتفاق لن تتحدد بمجرد توقيعه، بل بما سيأتي بعده: هل نرى قيادة أو آليات تنسيق مشتركة؟ هل تتوسع المناورات وتبادل التكنولوجيا؟ وهل تنضم دول أخرى؟

إذا حدث ذلك، فقد يُنظر إلى «اتفاق مكة للدفاع المشترك» لاحقاً بوصفه أكثر من مجرد رد على أزمة عابرة، وربما كبداية تدريجية لإعادة تشكيل هندسة الأمن في الشرق الأوسط.

كتب بواسطة

karimhussein06

فريق أوج24 التحريري يتابع الخبر ويضعه في سياقه بوضوح وسرعة.

اقرأ أيضاً

أخبار مرتبطة

اختيارات أوج24

قد يهمك أيضاً

شارك برأيك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني.